الطوباوي مارن زخا أسقف الحديثة والأسقف الجّمال

الكاتب: وردا اسحاق

 

 

الطوباوي مارن زخا أسقف الحديثة والأسقف الجّمال

إعداد / وردا إسحلق قلّو

في عهد المطرافوليط مار أحا القديس كان يجلس على كرسي كنيسة مدينة الحديثة المُقَدَس الأسقف مار مارن زَخا الطاهر ، وكان الطوباوي مارن زَخا معتاداً أن يذهب في أيام صوم الرب المُقدس وينعزل في جبل قرية زيناي ( جبل زيناي ، سلسلة تتألف من جبلين تبتدىء من جنوب الكوير وتتوجه من الشمال الغربي إلى الجنوب الشرقي بين الزاب الكبير والصغير ) وأمام النقطة الفاصلة بين الجبلين تقع مدينة مخمور التي كانت تدعى قرية زيناي . ويسمى جبلها حالياً ( قره جوغ  ، الشمال والجنوبي ) وبينما كان في طريقه مرة إلى ذلك الجبل ، لمح على أكمة طيف رجل واقف ووجهه شطر المشرق . وكلما دنا منه آتياً من جهة الغرب سمعه يرتل انشودة قداس أحد القيامة ومطلعها ( هلموا أيها الشعوب نحرك شفاهنا … ) وصعد رويداً رويداً إلى أن وصل إليه ، فدهش مارن زخا – قبل أن يحس الرجل به – كيف أن هذا راعي الجِمال قد تعلم تلك الأنشودة التي هي من الصعوبة ترتيلها حتى إنه لا يسهل على الكل أداؤها . ولما رآه ذلك الرجل تعجب ، فبادره القديس مارن زخا بالسلام حسب المعتاد ، فرد عليه ذلك الطوباوي التحية باللغة العربية وبلهجة خشِنة محاولاً إخفاء هويته . فخَرّ الأسقف مارن زَخا أمامه وأخذ يستحلفه قائلاً ( إني لا أقوم إلا وتعدني بألا تخفي عني من أنت ) أما هو فشرع يعنفه بشدة باللغة العربية قائلاً ( قم يا راهب ، ما لي ولك ؟ مر بسلام من مكاني ) ولكن مارن زخا أخذ يشدد عليه بالقسم : ( إني لا أنهض حتى ولو قتلتني إلى أن تطلعني على شانك ، فقليلون هم الذين يحسنون إداء أنشودة قيامة ربنا . . فإن كنت عربياً ، حسبما تقول ، من أين تعلمتها ؟ ولماذا توَجِه ذراعيك ونظرك شطر المشرق ؟ ) .

ولما سمع ذلك القديس هذا الكلام ، ورأى إنه قد أصطيد بأنشودته وبالقسم الذي ناشده به القديس مار زَخا ، أجاب قائلاً : ( أقسم لي بنعم ولا ، إنك حينما ألبي رغبتك لا تكرمني ولا تأتي عندي دوماً ولا ترسل لي شيئاً ) . قال هذا إذ كان يعلم إنه سينتقل سريعاً من هذا العالم ، وبعد أن أحس به إنسان . ثم أردف قائلاً : يا سيدي ، إني قد أقمت قبل أربعين سنة أسقفاً للمشتتين في الديار المصرية ، ولما خدمت فيها مدة قصيرة ، أحتبس المطر هناك . فجمعت المؤمنين وخرجت إلى البرية لأقيم الطلبة ” باعوثا ” فجاء هؤلاء العرب سكان الخيّم وأحاطوني ، ولما فر الجميع ، بقيت أنا وحدي ، ظاناً إنهم لا يسيئون إلي بشىء . فسبوني وأتوا بي إلى خيَمهم وأقاموني راعياً لهذه الجمال التي تراها . فعزوت هذا الأمر إلى إرادة الرب . وها أني لم ألمس عند القوم شيئاً ينافي السيرة الطاهرة ، بل بقيت وحدي في البرية ، وأني أشكر الله دائماً وأتذكر القديسين الكثيرين الذين كانوا رعاة فأتعزى . اما بخصوص الأنشودة التي طرقت سمعك اليوم فذاك أني معتاد أن أصلي كل يوم الصلاة المفروضة لعيد ماراني مع السهر . واليوم صليت صلاة عيد قيامة الرب ، وكأني واقف في الهيكل قدام مذبح الرب فرنلت هذه الأنشودة ، وأني على هذا الحال منذ أربعين سنة وقد حفظني الرب من كل شر ، فأعتبرني العرب كجد وأخ لهم لأنهم ألفوني مستقيماً ومطيعاً ، ولم الاق منهم أي إكراه على الشر . هذا وأني آمل أن تكون نهاية حياتي حسب إرادة ربنا .  ولم سمع القديس مارن زخا ذلك ، ذهل كثيراً وتعجب وأجهض بالبكاء ، وكان ذلك القديس أيضاً يذرف الدموع إزاءه ، فأجاب مارن زخا وقال له : ( إني سأعود يا سيدي وأجلب فضة لأدفعها فدية لك ولا أتركك في هذا الذل والهوان ) . فقال له ذلك الطوباوي ( أذهب بسلام إلى عملك وعزلتك يا سيدي الأسقف ولا تشغل بالك بهذه الأمور ، فإني لو أردت منذئذ أن أهرب أو أن أشتري نفسي لفعلت ، ولكنها إرادة الله أن أكون حيث أنا ) وألح على الأسقف بقوله ( أذهب بسلام ، وفي أحد السعانين ، حينما تنزل من الجبل إلى مدينتك ، هلم إلي وشاهدني ) .

فذهب مارن زَخا ، ولما عاد عشية الأحد المذكور ، رأى رجلاً في ذلك المكان وظنه الأسقف ، فصعد إليه ، ولما رآه سلم عليه وسأله : ( أين ذلك الشيخ الذي كان يرعى هذه الجمال قبل مدة يسيرة ؟ ) فأجابه الرجل : ( إنه قد مات ) فشق الخبر على الأسقف كثيراً وقال للرجل : ( ومتى مات ؟ ) أجابه : ( في هذه الأيام ) فأخرج مارن زخا منديلاً من عبه وناوله إياه قلئلاً : ( خذ هذا وهلم أرني قبره ، لأنه كان صديقي ) وحينما ذهب معه ورأى القبر من بعيد أستوقف العربي وقال له : ( أذهب الآن إلى جمالك ) قال ذلك ليكون له المجال ليبكيه ، فجلس على القبر وأخذ يبكي بمرارة ، كأني به أرملة وارت وحيدها التراب . وكان يقول ( آه يا أخي ، آه يا أخي ، لماذا أخفيت عني موتك ولم تدعني أنعم بمشاهدتك ؟ بل أرسلتني من عندك ) كما أطلق الطوباوي بولي الأنبا أنطونيس ؟ ثم قام الطوباوي مارن زخا وذهب إلى الحيدثة واحتفل حسب المعتاد بعيد السعانين ، وفي يوم الأثنين دعا لفيف الكهنة وجمعاً من المؤمنين وقال لهم : ( هلموا نذهب إلى البرية ونجلب من هناك إيليا ، هلموا معي إلى القفر لتروا يوحنا المعمدان ، هلموا معي فأعطيكم جسداً مقدساً أسمى من جسد الأنبياء … ) فذهبوا بخوف مع أسقفهم القديس وبلغوا موضع القبر ، فبدأوا بالصلاة والرتبة التي تقال على شخص متوفى ، وبعد أن صلّوا النهار كله والليل الذي يليه ، بدأوا بالحفر والكشف عن القبر ، ولكنهم لم يعثروا على الجسد المقدس ، بل وجدوا عبائتين من الصوف ، واحدة لكسائه والأخرى لغطائه ، أما هو فقد أختفى إلى اليوم . فأخذوا هذه الثياب بحزنٍ وقفلوا راجعين بعد أن أعادوا تراب القبر إلى موضعه .

ليشركنا الرب نحن أيضاً معه في نعيمه بجاه صلوات هذا القديس وشفاعته .

شاهد أيضاً

تاملات يومية الاسبوع الاول زمن ايليا

الشماس سمير كاكوز      تاملات يومية الاسبوع الاول زمن ايليا الاحد أشعيا 31: 1-9 …

اترك تعليق

  Subscribe  
نبّهني عن