مقالات دينية

الصوم الكبير – بدايته – غايته – فوائده  

الصوم الكبير – بدايته – غايته – فوائده  

بقلم / وردا إسحاق قلّو 

   يقول الرب ( أرجعوا إليّ بكل قلوبكم ، وبالصوم والبكاء والنوح )” يؤ 12:2″ 

الصوم هو أول وصية إلاهية للإنسان المخلوق في جنة عدن عندما حذر الله الأبوين من تناول ثمار شجرة معرفة الخير والشر( تك 17:2) لكن الإنسان تمرد وعصى وصية الصوم فسقط . في العهدين نقرأ وصية تقول ( ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان ، بل بكل كلمة تخرج من فم الله ) ” تث 3:8 ، مت 4:4 ” الغاية منها هي الإمتناع من متطلبات الجسد والبحث عن غذاء الروح . في العهد القديم بدأ الصوم من عهد موسى الذي صام أربعين يوماً وأربعين ليلة قبل أستلامه للوحي الشريعة من الله على الجبل . وبعد ذلك تم تحديد مواعيد للصوم من قبل الله للشعب العبري للعمل بها جماعياً ( طالع زك 19:8 ) كما نقرأ في العهد القديم صوم أستير ، وصوم نينوى ، وصوم الشعب اليهودي أيام عزرا ونحميا ويوئيل .  

وفي العهد الجديد كان الرب يسوع بكر الصائمين ، صام أربعين يوماً وأربعين ليلة وعليه اتخذت الكنيسة هذا الرقم لصيام الصوم الكبير الذي يسبق صوم أسبوع الآلام . بعد أن رفع العريس إلى السماء في يوم الصعود ، بدأ الرسل بالصوم حتى يوم حلول الروح المعزي عليهم يوم العنصرة . بعد صوم الأربعين تبدأ الكنيسة بصوم أسبوع الآلام تستذكر في صلواتها الطقسية مأساة أبناء الكرمة الغير أمينة من الشعب اليهودي الذين أخرجو إبن صاحب الكرم ، الوارث الوحيد خارج الكرم ( أورشليم ) وذبحوه على خشبة الصليب ، ومن الصليب نبتت الكرمة الجديدة ، شعب جديد ( كنيسة الرب ) التي غرسها يمين الرب وغذاها الروح القدس . فكما من جنب آدم خرجت حواء ، كذلك من جنب يسوع على الصليب ، خرجت الكنيسة ، كرمة شعب الله المحبوبة المدللة . أعطى لأبنائها جسده ودمه رمزاً في العشاء السري ، وفي اليوم التالي وعلى الصليب صار الرمز حقيقة .  

قبل الصوم الأربعيني على المؤمن أن يستعد نفسياً وجسدياً قبل الدخول في معركة الصوم ، لأن في أيام الصوم التي نخضع اجسادنا لأرواحنا ، فالروح سيتغذى من الصوم وينتعش فيصبح هو من يقود الجسد الجائع لتصبح حياة الصائم روحانية . الصوم هو صلب الذات والذي يبدأ بالتوبة ، بعد ذلك يذلل الجسد بالجوع الذي يرافقه الصلاة والقراءات في أسفار الكتاب المقدس وهكذا ينتعش الروح وينطلق للسير في طريق الرب ، لا وبل إلى حضن الآب وهو يصرخ قائلاً ( يا أبانا ، الآب ) ” رو 15:8 ” . كما أن الصوم يشعرنا بمشاركتنا الرب في آلامه . الصوم هو إعلان حرب ضد المجرب الذي يجرب الإنسان عندما يراه جائعاً وضعيفاً ، كما جرب يسوع عندما جاع في نهاية صومه الأربعيني . وهكذا يصوم الإنسان من عمل الخطيئة وهو الهدف الأسمى من الصوم لتطهير النفس . وبهذا يتحرر المؤمن من شهوات الذات ، ومن أنانيته من أجل خدمة الآخر ، فما كان ينتعش به الجسد من طعام وشراب سيعطى للجائع الفقير ، وهكذا يقمع الصائم جسده لينمو في الروح .  

إذاً الصوم ليس غاية ، بل وسيلة توصّلنا إلى الغاية . والغاية هي نمو الروح . الصوم هو وسيلة أيضاً للعبادة بالروح والجسد معاً ( طالع مت 6 ) كذلك هو وسيلة للتوبة ( يوئيل 12:2 ) كما فعل أهل نينوى . والصوم وسيلة أيضاً لغاية الخدمة ، فالرسل صاموا فأفرزوا برنابا وشاول للعمل ( أع 2: 13 ) . كان الآباء يستغلون فترة الصوم للوعظ كما كان يفعل القديس يوحنا ذهبي الفم والآخرين . كانت الكنيسة في فترة الصوم الكبير تعد المقبلين للعماد بالوعظ والأرشاد والصلواة . ولكي يشعر الصائم بحلاوة الصوم وقوته وعطائه فيجب أن يقترنه ب ( الصلاة والصدقة والصفح ) وهذه هي أركان العبادة الحقيقية ، يرافقها العمل بكل الوصايا وذلك بالصوم من عمل الخطيئة . فالصوم هو لجام الحواس به نقمع الجسد ونستعبده ( 1 قور 27:9 ) وهكذا يؤكد للمؤمن إنتصاراً وصوماً مقبولاً . 

لصوم والصلاة قوة لطرد الأرواح الشريرة ، قال الرب ( هذا الجنس لا يخرج إلا بالصلاة والصوم ) ” مت 20:17 ” وأثناء الصوم يتضع المؤمن أمام الله والناس ( أذللت بالصوم نفسي ) ” مز 13:35 ” وبالصوم يقترب الغني من الفقير عندما يشعر بأحتياجاته فيصبح صومه مثمراً عندما يكسر للجائع خبزه ، وبالصوم والصلاة نرضي السماء فيحصل من الرب يد العون فيزيل المرض والحروب وغيرها من وسطنا . وعلينا أن نعترف بأن للصوم فوائد لصحة الجسد ، فصحة دانيال الذي صام من أطاييب الملك كانت أفضل من صحة الذين كانوا يتمتعون بتلك الأطعمة . وأشعياء النبي يؤكد لنا بأن الصوم صحي لجسد الصائم ، فيقول ( حينئذ تنبت صحتك سريعاً وينشط عظامك فتصير كجنة ريا ) ” 58: 9، 11 ” .  

في الختام نقول : على المؤمن أن لا يكتفي بالصوم التي حددته الكنيسة المقدسة في الصوم الكبير والتي هي يومين فقط ( اليوم الأول ، ويوم جمعة الآلام ) فقط ، لأن ما يصومه الإنسان في هذه الفترة القصبرة لا تكفي لمساعدة الفقير ، كما لا تكفي لنمو الروح ، أما سبب تقليص الكنيسة لأيام الصوم فهو لقلة إيماننا ، أما المؤمن الحقيقي الذي يريد أن يعيش في القداسة فعليه أن يصوم الصوم كله لأن أيام الصوم الكبير وخاصة أيام أسبوع الآلام هي من أقدس أيام السنة فعلينا أن نتبارك ونتقدس بها . بالصوم والصلاة والتوبة يستعد المؤمن لتناول الفصح بأستحقاق وفرح وغبطة .

ليقبل الرب صومنا وصلاتنا ويطهر قلوبنا وحياتنا .  

Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
التقيمات المضمنة
عرض جميع التعليقات

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
0
التعليق على هذا المقال - شاركنا رأيك x
()
x