السياسة والنفاق، شراكة مشبوهة!

الكاتب: لويس اقليمس
بغداد، في 27 حزيران 2017
لويس إقليمس
ليسَ أسوأ من أن تتحول مجتمعاتٌ تقليدية معروفة بتاريخها المتعايش الزاخر بالأخلاق والمبادئ، إلى كتلة من الرذيلة والآفة القاتلة في زمن القتل والنهب والسرقة والفساد، لتسقط بالتالي في جُبّ النفاق الذي يتسيّد المشهد السياسيّ العراقي في هذه الأوقات، منسحبًا بالتالي على المجتمع ككلّ. كما ليسَ بالعجب العجاب أن تسمع وتشهد المتلوّنين في مشهد متكرّر أو مناسبة، ممّن يستمتعون ويتلذذون بالإيغال في منهجية هذا النوع من آفة العصر وممارسته عبر وسائل متنوعة، سمعية وبصرية وخطابية. وحينما تأخذ مثل هذه الآفة وطرَها في أي مجتمع وتتحول إلى شكل ممنهج في ممارسة أشكال النفاق، السياسيّ والاجتماعي، فإنها تصبح ظاهرة. وأية ظاهرة، تعني تطبّع المجتمع أو الجماعة، على شيء يصبحُ جزءًا من الحياة اليومية المعاشة، وإن يكن مثل هذا التوجّه في غاية الرفض والابتذال. أي بمعنى آخر، تضحي هذه الظاهرة شكلاً من أشكال الحياة اليومية المبتذلة التي تتلازم مع هذا الصنف من البشر الذي سمح لنفسه بلبس هذا البرقع.
هذا السلوك من فئة هذه الرذيلة كانت دومًا حاضرة. ولكنها في العراق ما بعد 2003، طفت إلى السطح وأضحت ظاهرة. بل أصبح منظرُ النفاق أمرًا اعتياديًا في سلوك الحياة اليومية لمعظم السياسيين والعاملين في مؤسسات حكومية أو حتى تلك التابعة لمنظمات مجتمع مدني تدّعي هي الأخرى الحرصَ على إصلاح أحوال المواطن التعبان، المصدِّق كلَّ شيء وأيَّ شيء أحيانًا، ومن دون أن يتحقّقَ من كلّ هذه، أو من دون أنْ يسعى بجهده للتمييز بين الغثّ والسمين لدى محاوريه من سياسيّي آخر زمان ممّن نخر الفسادُ ضمائَرَهم وقلبَ وجوههم وسوّدّ قلوبَهم. لذا لا عجبَ أن تسمع أو تتطّلع أو تشهد بأمّ عينيك، نماذجَ حية وصاخبة من متشحي هذا النوع من الرذيلة التي تسيّدت المشهد. بل إنّ بعضًا من هؤلاء قد أتقنوا الصنعة وأجادوا ترويجها والتعاملَ بها وإقناع الغير بما يعرضونه من أشكال السلوكيات والأفعال، التي تخفى حقيقُتها على البسطاء، فيصدّق هؤلاء بهم ويرضخون لمجاملاتهم الساحرة في سرد ما يحلو لهم من روايات مضللّة ومن إجادة بتتابع الأحداث وصناعة الإقناع عبر طروحاتهم. وما أكثر ما نشهد من مثل هذه السلوكيات.
في إحدى المناسبات، كنتُ مشاركًا في استقبال مهنّئين في مركز دينيّ أصبحت له خصوصية عند أهالي بغداد، خاصة بعد تعرّض كنيسته المتميّزة لجريمة إرهابية بشعة في 31 تشرين أول 2010، وطالما قصده ومازال يقصده السياسيون وأصحاب الجاه والفكر، لأهداف متنوعة. سمعتُ كلامًا معسولاً، ضحكتُ له في سريرتي، ولعنتُ ذلك اليوم الأسود الذي أوصلَنا إلى هذه المساحات من الكذب والنفاق والرياء. كلّ الزوّار أشادوا، بل تفنّنوا بالمديح بالدور الحضاري والريادي للجماعة المسيحية في العراق ونصارى العراق، مؤكدين أصالة هذا المكوّن وتميّزهم في كل المجالات، ولاسيّما في أخلاقهم وأمانتهم وإخلاصهم ومثابرتهم وانتمائهم للوطن والأرض وحبّهم للآخر المختلف عنهم في الدين والمذهب والعرق والفكر والتعبير. وهذه من أسمى سمات الإنسان المتحضّر، بل أفضلُ ما يتمناه المرء العاقل والإنسان المعتدل الباحثُ عن الأمان والسلام والاستقرار في مثل هذا الزمن الصعب الذي اختفت فيه محبة الغير وإكرام الجار، كما توصي به الشرائع والعادات والتقاليد. ومثل هذا الحديث ما زال يتكرّر في كلّ مناسبة.
وبالعودة إلى مطابقة القول مع الفعل، نرى العجب العجاب. فأكثر القرارات والقوانين التي يشارك في وضعها هؤلاء السياسيون وممثلو أحزابهم وكتلهم بالضدّ من حقوق المكوّنات الصغيرة اليوم، تناقض أقوالَهم وتكذّبُ تصريحاتهم. وحين المحاجة بشأن مثل هذه الازدواجية في التعامل وفي اقتراح التشريعات
وسنّها وتطبيقها لغير صالح هذا المكوّن وغيره من المكوّنات المظلومة والمهمّشة الأخرى، يخرجون إلينا بذرائع وحجج واهية. ولعلّ آخرها، ما كشف عنه بصراحة، زعيمُ التحالف الوطني حين تقديمه ورقة التسوية وعرضها على نخبة من رؤساء هذا المكوّن وبعضٍ من ممثلي الشعب والمثقفين من العلمانيين والمدنيين في أيار 2017. فقد ردّ على سؤالٍ محرج من قبل أحد الحضور، فيما إذا كان التحالف وشركاؤُه في العملية السياسية يعدّون الأقليات ومنهم المكوّن المسيحي شركاء حقيقيين لهم”. وعند إجابته بالإيجاب، وهذا جانبٌ إيجابيّ، أعقبه السائل بسؤال أكثر حراجة، عن الغاية من إعادة البعض بين فترة وأخرى لنصّ قرآني، “يخيّر النصرانيّ بين ثلاث” لا غيرها، وكأنّه تذكيرٌ أو تحذير أو تفعيل لقانون أو دستور قائم مدى الأزمان والدهور. فكان الردّ صاعقًا: “لن نستطيع تغيير كتاب الله وسنّته… هذا شرع الله”، بالرغم من قناعة الكثير من المتنورين والمثقفين بأنّ ما ورد وما جرى وما طُبّق في سالف الأيام الغوابر، لا ينسجم مع مقتضيات العصر وتطوّر الزمان والفكر والأداة. وعليه ينبغي تجديد الفكر والتأويل والتفسير بحسب العصر والحداثة وتطور الزمن. لذا، عبثًا يسعى مَن يسعى لجبر الخواطر وتطييب النفوس وتهدئة القلوب. فما كُتب قد كُتب، ولن يفلح زيدٌ ولا عمرٌ في تغييره أو تحييده أو إلغائه. بل إنّ ما نسمعه في هذا الخصوص من كلام معسول، لن يكون إلاّ ضمن دارة الرياء والنفاق السياسيّ القائم على قدم وساق، ولن يزيغ عن الهدف المرصود أساسًا، بالرغم من تخفيف مفعوله وترطيب لهجته وتعويم غرضه وعدّه “تراثًا” من الماضي غير قابل التطبيق في أيامنا هذه، كما صرّح قياديّ من التحالف الوطني كان حاضرًا، فأجاد وصدق بقوله “مثل هذا القول أصبح من التراث”، وعليه أن يفي بما قال.
على شاكلة هذه الرواية، يتكرّر المشهد عند طغمة سائر الساسة والزعماء والمسؤولين من مختلف الكتل والاتجاهات والتيارات في الدولة العراقية المنهارة. وكلّ ما نشهده لا يعدو سوى ممارسةٍ منافِقة ومراوَغةٍ ذكية و”شطارةٍ أستاذية” ضمن أداة الاستهلاك السياسي الجارية، ونوعٍ من أدوات اللعب بمشاعر العامة بعد كسب ودّ شرائح خاصة رضيت بيعَ ضميرها على حساب العامة ومصلحة الوطن العليا. وهذا ينطلق بطبيعة الحال على حال مَن ركب قطار السياسة حديثًا من أتباع المكوّن المسيحي ومثلهم من سائر الأقليات المهمّشة الأخرى، التي ترفع شعار المدافعة عن حقوق شعويها في العلن، في حين لا يشكّ المتبصّر والعاقل والعارف بارتمائها في أحضان أصحاب النعمة وأولياء الأمر، سواء في الإقليم أو المركز. وهذا جانبٌ خفيٌّ من ممارستها أساليب النفاق والتخبّط. وخير دليل على ما ذهبنا إليه، المشاركة أو المقاطعة لسيل المؤتمرات واللقاءات والندوات العديدة، المحلية منها والإقليمية والدولية التي عُقدت وما تزال تُعقد، حيث تتسابق الأحزاب والشخصيات والمنظمات للمدافعة أو التنديد بها وبمنظميها وبالواقفين خلفها والداعمين والممولين لها، كلّ بحسب الانتماء والولاء ونوع المنفعة التي يرتجيها منها.
ما يمكن التحقق منه اليوم من دون صعوبة، بروز مفهوم سارٍ بين السياسيين، قائمٍ بذاته يتخذ من المواربة والنفاق والكذب على زملائهم وأترابهم كما على بسطاء الناس، منطلقًا في عالم التنافس الذي يشتدّ ويحتدّ لاسيّما إبّان فترة الانتخابات ومع اقترابها، ونحن نقترب من أجوائها. أمثال هؤلاء الساسة لا يمكنهم الاّدعاء ما ليسوا عليه من حملهم للفكر الإقصائيّ لأية جهة منافسة في هذا السلوك الشائن، حتى في صفوف أتباعهم أو أحزابهم أو طوائفهم، كما هي عليه الحال في أحداث العراق. فالتنافس بين شخصيات السياسيين، سواءً المشاركين في الحكم منهم أو المتنفذين في السلطة، واضحة المعالم في الذي يُلاحظ من شعور بالغيرة والتخوين والتسقيط عمومًا. وهذا الشعور أو المفهوم المبنيّ على إرادة داخلية وذاتية نابعة من روح الأنانية وشيء من غطرسة الأنا المتحكمة في ضمير أمثال هؤلاء، يبقى عنصرًا ذاتيًّا معشعشا في ثنايا الصدور المنغلقة التي لا تقبل بالآخر ندّا في ميزان العدل والمساواة والحياة. ومن ثمّ لم ولن يكون ممكنًا لمثل هذا التطبّع بهذا الشعور القاصر أن يخلي الصدور المريضة لساسة يرفضون التعلّم من دروس الشعوب وأحداث البلدان وكوارث الزمان والمكان ونصح الأديان.
في حياتنا العراقية، شهدنا وما زلنا نقارع ونتصدّى لهذا النوع من الآفة المتغلغلة في كلّ خطوة وكلّ مسار في الحياة الصاخبة التي أدخلتنا فيها الفوضى الخلاّقة قبل وما بعد الغزو الغربي الخبيث للبلاد.
فالنظام السابق لم يتورّع الأسيادُ الطغاة فيه في استخدام أقصى وسائل الكذب والنفاق السياسيّ والاجتماعي إزاء الشعب الذي لم يكن له لا حول ولا قوّة، سوى العياذ بالله والصبر على الشدّة حتى يأتي الفرج. ومع التغيير الذي انتظره الشعب المظلوم بفارغ الصبر، إلاّ النزر اليسير من حديثي النعمة آنذاك، شاءت الأقدار أن تدفع سفينة البلاد والعباد للرسو بأيدي طبقة جديدة ومن نوعٍ جديد من الفاسدين الذين لم يتورعوا بالإيغال بنهب المال العام والاستيلاء على عقارات الدولة وتهديد السلم المجتمعي بسبب شبه غيابٍ للقانون والعدالة التي أخفقت منذ السقوط بردع مَن سوّلت له نفسُه العبث بمقدّرات البلاد والعباد من دون ذرّة ضمير ولا خجل ولا خوف من حُكم السماء يومَ الدّين. فقد مارس الكثير من أمثال هؤلاء أشباه الساسة الجدد، حديثي العهد والنعمة بفعل السطو المسلّح الذي يمارسونه وبفضل ما تقدّمه إرادة المتنفذين في السلطات الثلاث من دعم وتغطية وشراكة في السرقة والسلب والنهب والضحك على ذقون البسطاء من أبناء الشعب الراضخ لولاية القائمين عليها من دون رادع. والسبب بسيط، لا يقبل الجدال، وهو أنّ الكلّ مثل الكلّ، “في الهوى سوى”، سائرون ومواظبون على ذات النهج “طمطمْ لي وأطمطم لك” فالكعكة كبيرة وستظلّ كذلك إلى أن يأتي المنقذ! ولكن إلى متى الانتظار؟
بل إنّ البعض من أركان الفساد او مَن يسعى للتغطية على الفاسدين والمزوّرين، يعتقد أنّ مثل هذا السلوك في النفاق والكذب على الشعب يبقى في جزءٍ منه ضمن عملية رأى فيها البعض دخولها ضمن عملية “موازنة” أو “توازن” بين القوى المتنافسة التي لا تعير أهمية للانتقادات والرفض الصادر من مواقع ومصادر حريصة على سمعة الوطن ومصالح الشعب والسلوك العام لبلدٍ مثل العراق كان يوضع ضمن الدرجات المتقدمة حضاريًا وعلميًا واجتماعياً وصحيًا واقتصاديًا. إلاّ أن السياسة قد خذلته، وأوقع به مفسدوها في أتون صراعات عقائدية وطائفية وعرقية، كان لها بداية ولا نعرف نهاياتها! فليس أمامنا نحن الصابرين المثابرين الرافضين سوى انتظار حلّ هذه العقدة التي لن تكون ممكنة إلاّ ببروز تيار التغيير المدنيّ المؤدلج بالعصرنة والتمدّن والحضارة والتجديد في الروح والفكر والرؤية. مثل هذا التيار المدني- العلمانيّ، هو المعوَّلُ عليه من أجل تعزيز روح الوطنية والمواطنة والانتماء للوطن الذي يعيد للدولة هيبتَها ويرسم نجاتَها من جديد بعد فرز الزؤان عن الحنطة الأصيلة ورفض السارق ومحاسبة القاتل وإخراج الداعم لكلّ أعمال الشرّ والكراهية والإرهاب من صفوف هذا الشعب الطيّب في عمومه. ولا خيارَ آخرَ لدينا، إن عشقنا طيبَ الحياة، ونَشَدنا حسنَ المعشر، وأردنا إكمال إرادة الخالق في خلقه في أن يكون الجميع متساويين في سلّم الاستحقاق المجتمعي الذي ينصف الجميع من دون تمييز ولا إقصاء ولا عداء.
ما ينطبق على النفاق السياسيّ، ينسحبُ طبيعيًا على النفاق الاجتماعي الذي قد لا يقلّ ضررًا وسوءًا عمّا يقترفه الساسة في ميدان السياسة وإدارة البلاد والعباد. فكما أنّ السياسيّ لا يتورّع بالتلوّن بحسب مزاجه ووفق ما تتطلبُ مصالحُه وتوجهاتُ كتلته أو قوميّته أو حزبه أو طائفته أو الجهة الداعمة لكيانه ولوجوده ضمن الدائرة التي يعمل فيها، هكذا الفرد الذي نزعَ عنه كلّ اشكال الإنسانية والخُلق الحميدة وخرج عن صفاء النصح الذي يأمرُه به دينُه ويوجبُه ضميرُه ويفرضُه واجبُه الوطني والإنسانيّ معًا. ومثل هذا السلوك الاجتماعي بالتالي، ينسحب على سائر المجتمعات، بغض النظر عن طبيعة الشخص، رجلاً كان أم امرأة، صغيرًا أم كبيرًا. فالمجتمع، أيّ مجتمع، من طبيعته أن يخضع هو الآخر، لتجاذبات ومصالح ومنافسات تجسّدُ ما هو عليه في فكره وأخلاقه ونظام حياته، من دون تحديد مجال معيّن أو قطاّع خاصّ بذاته. لكنه يختلف في حجمه ودرجاته بتقمّص هذا السلوك بحسب الظرف، زمانًا ومكانًا وثقافةً واستعدادًا.
لقد تغيّرت المجتمعات هي الأخرى وأخذت تقفل على ذاتها أكثر فأكثرَ، متخذة مسارات معوجّة في التعامل والسلوك غير الحضاري الذي ساد أوساطَها، ولاسيّما التعبانة منها التي أقفلت عليها أنظمة وحكومات فاسدة وسياسيون طغاة لا يعبؤون بمصالح مجتمعاتهم ورفاهتها واستقرارها، تمامًا كما هي الحالة في البلدان الإسلامية بصورة عامة، والعربية ومنها دول الجوار بصورة خاصة. فالكلّ يعيش
حالات من النفاق والرياء والكذب على الآخر، حتى في البيت الواحد، والمجتمع الواحد، والحيّ الواحد، والبلد الواحد. وهذه آفة تنذر الإنسانية بانفصام عرى الاحترام والعيش الآمن والحق في الحياة، كلّ وفق ما يراه ويرتئيه. إنها لسعة العصر المارد، آفة المواسم التي أوجبتها الموضة السائرة في ركاب الفساد والمفسدين، في السياسة والمجتمع، في الشارع والعمل، في المدرسة والمعهد والجامعة، في البيت وفي المؤسسات المختلفة الأهداف والمناهج والأغراض، على السواء.
هناك دومًا، أناسٌ يتخفّون تحت ستائر كاذبة وشخصيات منافقة تجيد الرقص على مصالح العامّة وتنجح بالقفز على جروح الآخرين والمتاجرة بمعاناتهم، سواء بالتمويه أو التسلّط أو الكذب الذي يتخذونه سبيلاً لتحقيق المآرب والغايات من دون تحديد الزمان والمكان والنوع والكميّة. فما يهمّهم هو الهدف وبلوغ الأرب حتى لو كان تحقق على رؤوس الجماجم وفقر الفقراء وعوز المعوزين وفاقة المحتاجين. فما يُستخدم من كلام معسول كفيلٌ في أسراره وطياته أن يوصل أمثال هؤلاء إلى الهدف المنشود. من بين هؤلاء مَن يدّعون بُعدَهم عن السياسة والسياسيين، ولكنهم في واقع الحال، لا يختلفون عن الصنف الأول في أكاذيبهم ومراوغاتهم وأساليبهم الملتوية التي بإمكانها إذابة جليد النقمة المتفاقم بشيْ من مثل هذا النفاق المجتمعيّ الصارخ الذي يجيد التعاطي معه نفرٌ ضالٌّ يعيش على هامش الأخلاق، وهو لا يتورّع بضرب كل العناصر الطيبة التي تدعو لها الأديان المؤمنة بإرادة الخالق وقدرته على إدامة حياة البشر وإنهاء كلّ أنواع الشرّ بإشارة منه. فهو القادر الجبار الذي لا يُقهر بالتالي، مهما تجبّر وطغى الطغاة وأفسد المفسدون على الأرض.
في الحياة قيم، ولعلَّ إحداها احترامُ الآخر المختلف، جنسًا ودينًا وطائفة ومجتمعًا وعِرقًا ووضعًا قائمًا، أيًا كان هذا الأخير. ومَن يرفض عناصر هذه القيم، فهو يقيم جبلاً من ثلوج يصعبُ إذابتُها، وكتلاً صلدة من الخرسانة الصمّاء التي لا يسهلُ كسرُها، طالما أنّ ديدنَه الكذب والنفاق والرياء والاستغلال المجتمعي بأبشع صوره. وهذه الأخيرة، بما فيها من أذى وخروجٍ عن الصراط المستقيم الذي رسمه الخالق للبشر جميعًا، لا يمكن أن تُعتمد كشرّ لا بدَّ منه في حياة الإنسان. ببساطة، لأنّ الخالق قد أوصى خليقتَه الجميلة أن تكون بمستوى صداقته لها وعنايته بها وبُنوّتِه تجاهها، بالرغم من علوّ شأنه. فطالما أنه قد خلقَها على صورته وشكله الحسن واستحسن خلقَها، فتلكم إشارة على ضرورة السير وفق إرادة هذا الإله الطيّب، الغيور والمحبّ للبشر جميعًا دون تمييز في الشكل واللون والعرق والزمان والمكان. وهذه مدعاة كافية للسير بموجب قوانين السماء كما رسمتها دساتير الأديان ووصاياها وتعاليمها المستوحاة من كلام الله ومن محبته للبشر، حبًا بالحياة وليس قتلاً وأذيةً وكبحًا لها. أليسَ الدينُ نصحًا وخُلقًا وحبًا للقريب، حتى سابع جار؟
لقد علمتنا الحياة، أنَّ المواقف التي تمرّ بالإنسان كثيرة، وأفضلُها متعة وأشدّها قربًا من رضا الله، تلك التي تحترم الآخر وترضى لغيرها ما تهواه لذاتها: “أحببْ لغيرك ما تحبُ لنفسك”. وتلكم هي المصلحة العليا والمنفعة الحقيقية للذات وللغير عندما ينطلق كلّ شيء من حب الآخر المحتاج أولاً وقبل كلّ شيء وينتهي إليه. فهذا الآخر هو صورة الإله الخالق، صنيعتُه الجميلة على الأرض، الصغيرُ المهمَل والفقيرُ المهمَّش: “فَيُجِيبُ الْمَلِكُ وَيَقوُل لَهُمْ: الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: كلّ ما فَعَلْتُمُوهُ بِأَحَدِ إِخْوَتِي هؤُلاَءِ الصغارِ، فَبِي فَعَلْتُموه.” (إنجيل متى 25: 40).
فهل مِن ناشدٍ للنصح ومتعلّم للدرس الأخلاقي البليغ؟ حينها سيصلح الجزء الكبير من سلوكيات المجتمع المعوجّ بوقفة صادقة وجادّة ضدّ الفاسدين والمفسدين للمجتمعات بسلوكياتهم الخاطئة التي ترفضها الأديان والمجتمعات الصالحة. فالمجتمع الذي لا دينَ له كي يقدّم النصح ويرسم الطريق للإنسان المخلوق باعتدال ووفق معايير إنسانية متحضّرة ومعاصرة، أو لا يحترمُ فيه الأديان والمتديّنين الصادقين مع الله والقريب ومع الذات، يبقى مجتمعًا لا خيرَ فيه يُرتجى. فأفضل المجتمعات وأكثرُها رفاهة وسعادة تلك التي يسودُها القانون والأخلاق قبل المادة والأكل والمشرب، ولا تقبل بالفساد، وتشيد بمساعدة الآخر واحترام خصوصياته وحريته في الفكر والتعبير والمعتقد، وليس بالثروة والعقارات التي يكتنزها
الفاسدون ويحصلون عليها بشتى الوسائل الملتوية، ولا في الجاه الذي يتباهى به روّادُه، ولا في السلطة التي تُستخدم للنيل من كيان الآخر وهويته وحريته، ولا بمصادرة حقوق الشعوب وحريات البشر والبلدان، ولا بتشويه المعالم والآثار والتراث، ولا بقتل النفس البريئة.
من هنا، نعتقد أن إنقاذ البلاد والعباد من مثل هذه الآفة ومن غيرها، يكمن بإرساء مبدأ المواطنة واحترام الآخر المختلف والتخلّي عن كلّ ما من شأنه دقّ الأسفين بين المكوّنات التي تشكل فسيفساء المجتمع العراقي منذ قدم التاريخ، وأنّ النفاق مهما استشرى لا يمكنه أن يدوم إلى ما لا نهاية. والحلّ يكمن بالمضيّ في مشروع المصالحة الوطنية الحقيقية التي تبني البلاد وترسي السلام والأمن في المجتمع وتغيّر أخلاق الإنسان وتقوّم المعوجّ فيه فكرًا ونهجًا وتطبيقًا. وبعبارة أخرى، لن تنهض البلاد ولن تستقيم أخلاق الشعب إلاّ في تطبيق دولة المواطنة التي ليس فيها لا غالب ولا مغلوب، لا سيّد ولا تابع، لا أمير ولا خادم، بل الجميع متساوون أمام القانون. وفي ضوء الكفاءة والولاء الخالص للوطن والأرض والشعب يكون الاستحقاق…

يمكنك مشاهدة المقال على منتدى مانكيش من هنا

شاهد أيضاً

العراف بعين طفل

خالد الناهي   العراق بعين طفل ثلاث اطفال، أحدهم عراقي، اشتركوا بمسابقة للرسم، طلب من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.