مقالات سياسية

الدين السياسي ونقد الفكر الديني / السيد القمني

الكاتب: وردااسحاق

الإسلام و الحضارة

سيد القمني الحوار المتمدن-العدد: 3880 – 2012 / 10 / 14 – 11:01 المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني     

لا يخلو خطاب إسلامي من الإشادة بما يطلقون عليه ( الحضارة الإسلامية ) ، و ما أنجزته هذه الحضارة على المستوى النظري الفلسفي ، و علي المستوى المادي التطبيقي ، بفضل كوكبة من العلماء المسلمين الذين أنجزوا في زمانهم ما يعد مفخرة عربية إسلامية . و يتخذ أنصار إقامة دولة إسلامية من التأكيد و التكرار على ( الحضارة الإسلامية ) إثبات أنه كان لنا حضارة من نوع خاص مفارق و مباين لما يعرفه العالم كله عن معنى الحضارة ، و أنها الحضارة التي تناسبنا و تتفق مع ديننا و لا تخالفه ، و أنه بالإمكان استعادة هذه الحضارة التقية الشريفة الورعة المسلمة ، لنواجه بها حضارة الغرب المتفوق اليوم ، لو أمكن لدعاة الإسلام السياسي حكم البلاد بالإسلام . بل و ستتميز دولتنا المسلمة عن حضارة الغرب بالقيم و الأخلاق السامية التي بات هؤلاء المتحضرون يفتقدون إليها .و لا بأس من الإشادة بدين من الأديان ، و لا بأس أيضاً بتقدم علمي لدين من الأديان ، لكن البأس كل البأس تلبيس الإسلام ما ليس فيه و ما لم يعرف و ما لم يكن بحسابه و لا حساباته و لا اهتماماته و لا لحظة واحدة . و التلبيس على المسلمين بأوهام تمسكوا بها و لم يعودوا يرون غيرها ، حتى غاب عنهم البحث و النظر إلى ما بأيدي غيرهم من شعوب العالم المتفوق من عوامل التحضر و الرقي و التمدين و التقدم ، اعتماداً على اعتقاد أن ما بأيديهم كدين يتضمن نظرية متكاملة لحضارة متكاملة هي أم النظريات و هي المثل الأعلى للحضارات كلها ، لا بل هي الإنقاذ للعالم كله لأنها تأخذ بيده نحو نور الهداية و الحضارة التقية لإقامة مملكة الله على الأرض ، يوم يعم الإسلام العالم و يعيش كل البشر في نور التقوى و السعادة والحبور و الهدى ، سواء أسلموا أو دفعوا الجزية ، المهم أن تكون الدولة الإسلامية إمبراطورية عالمية تحكم العالم من شرقه إلى غربه .و ترداد القول بهذه الحضارة ولوكها في كل مناسبة ، هو نوع من الخطاب المخاتل المخادع التلبيسي التلفيقي ، لأن الأديان جميعاً لم يكن من مهامها إقامة حضارات أو دول .و مع البدايات الأولى لظهور الأنبياء ذوي العزم منذ إبراهيم و يعقوب و يوسف و موسى كانت الحضارات موجودة ، فقد زار هؤلاء مصر و نزلوا في ضيافة الفراعين ، جاءوها ليجدوا الفرعون ملكاً على دولة قوية متماسكة أنجزت حضارة كبرى تقف آثارها حتى اليوم تتحدى الزمن ، و هى حضارة مشرفة بكل المقاييس رغم أنها كانت وثنية غارقة في أساطير دينية . و كان مفترضاً أن تكون حضارة الرب هي الأعلى و الأبقى ، و كان مفترضاً أن تكون حضارة الرب هي بداية الحضارات على الأرض و ليس الحضارة المصرية أو البابلية أو الفينيقية أو الصينية ، و لو كانت الأديان تصنع حضارات لكانت جزيرة العرب هي نموذج الحضارات العظمى ، و لصار الحجاز هو نموذج العالم المثالي ، و لكان المفروض ألا يطالبنا أحد بالإصلاح ، بل كان المفروض أن تخرج المظاهرات في أوروبا تطالب بالشورى بدلاً من الديموقراطية و بتعدد الزوجات و بالحجاب و بالجهاد و السبي و الاستعباد . بينما المركز الجغرافي للإسلام كان بداوة جاهلية استمرت قبلية كما هي باستمرار عادات العرب و تقاليدهم المضافة إلى الإسلام ، و حتى اليوم تجد مركز الإسلام في السعودية فاشلاً في إدارة مجتمعه ، يستورد كل الصنائع و كل الفنيين و الخبراء على صنوفهم من مختلف بلدان العالم ، يستورد من الشماخ إلى الملابس الداخلية إلى سجادة الصلاة إلى الطائرة ، و هو ما لا يمكن تسميته حضارة فهي حضارة الغير المشتراه بالبترول ، و لو تم سحب العمالة الأجنبية من مهبط الوحي تنهار الدولة ، فالسعودية معرض منتجات دولي ، فقط هي ( صاحبة الليلة ) بالبترول الذي اكتشفته لها حضارة الإنسان في بلاد الغرب ، صحن الكعبة من بناء شركات أجنبية عالمية ، المستشفيات تستحضر أطباء من أوروبا و أمريكا رغم ما لديها من الطب النبوي ، و لا تعرف لماذا لا يستثمرون أموالهم في بول الناقة بدلاً من أن يصدرونها إلينا فتاوي و أحاديث و تفاسير ما أنزل الله بها من سلطان .إن الحضارة ليست منجزاً دينياً إنما هي منجز إنساني مفتوح ساهمت فيه البشرية من كل ملة و دين و لون و عنصر ، و لم يقم الدين يوماً بصناعة حضارة فهذه شئون إنسانية بحت ، فالحضارة ينتجها هيكل مدني مستقر : من النجار إلى الفلاح إلى السمكري إلى الطبيب إلى المهندس إلى القانون إلى نظام الدولة الهيكلي التراتبي الوظيفي و البيروقراطي . و قد نجح الوثنيون في إقامة حضارات عظمي فلو كانت الوثنية معيبة ما أنتجوا و لا تحضروا ، و هو مما يعني أنه لا علاقة للدين وثنياً أو سماوياً بالتحضر و إقامة الدول ، فلم يثبت أن نبياً واحداً قد اقام هرماً أو مستشفي أو سد مياه ، و إذا كان من مهام الدين إقامة الدول و الحضارات فأين هي دولة إبراهيم و دولة نوح و يوسف و الخضر و ذي الكفل و ذي النون و أين حضاراتهم ؟ ألم تترك أى أثر ؟ لو كانت الآلهة تصنع حضارة و كنا نحن المسلمين أصحاب أصح الأديان و أرفعها ، و أصحاب الإله الواحد القهار ،لكان واجباً أن تكون حضارتنا هي النموذج الذي لا يهتز للحضارة الإلهية على الأرض ، و أن تكون مثلاً أبدياً لا يدانيه تقليد بشري ، بينما واقعنا يقول أننا أصحاب أخيب حضارة على سطح الكوكب الأرضي ، و أنه من الظلم لديننا أن ننسب إليه و إلى الرب القوي المهيمن مثل هذه الحضارة التي هى عار الإنسانية على الأرض .و رغم ما نراه أمامنا فإن عامة المسلمين و خاصتهم و فقهاءهم يعتقدون أن اكتمال رسالة الإسلام كانت يوم قال الوحي : ” اليوم أكملت لكم دينكم و أتممت عليكم نعمتي و رضيت لكم الإسلام دينا ” ، و هو ما يعني اكتماال معارف البشرية بحيث لم يعد هناك أى إمكانية لتقديم أى جديد ، فكل المعارف مدونة في القرآن الكريم و ما علينا إلا اتباعها و حفظها و ترديدها و تفسيرها لنكون من العلماء ، فلفظ العالم عندنا تطلق على العاملين بشئون الدين و ليس بشئون الدنيا . و هذا هو العامل الثاني و الأخطر في صرف المسلمين عن البحث و الجد و بذل الجهد و المثابرة و الشقاء و أخذ النفس بالشدة في تحصيل المعارف و العلوم التي أدت إلى تقدم المتقدمين . و يدعم الإعتقاد بأن اكتمال القرآن يعنى اكتمال المعارف من مصدرها الإلهي الأعلم بها من أى مخلوق ، بقول القرآن : ” و ما فرطنا في الكتاب من شئ ” .و حتى يكون رجل الدين هو الممسك بكل عقل المسلم و روحه ، اعتمد تفسير الآيات بأنه يعنى تمامية المعارف في القرآن ، و لأن هذه المعارف غير واضحة بتمامها فعلى المسلم الرجوع لرجل الدين في كل شأن في حياته كبر شأنه أو صغر ، ليعرف مدى مطابقته لدين الله و أوامره ونواهيه . رغم أن الآيات لا تشير إلى أى معارف ، فهي تقول أكملت لكم دينكم و لا تقول أكملت لكم العلم و المعرفة و الحضارة ، و الآية ما فرطنا في الكتاب من شئ ، تعني ما فرط في شئ من شئون الدين و العبادة و الشعائر و النوافل . . . إلخ ، و ليس من شئون الدنيا و العلم و المعارف الإنسانية التي لا تسعها كل الكتب و المعاني المقدسة ، و لا علاقة لها بها من بعيد أو قريب ، لأن الدين جاء ليعلمنا كيف نحب الله و نطيعه و نؤدي له فروضه و كيف نشكره على نعمته ، و لم يأت ليعلمنا صنع الحضارة بالهندسة المعمارية و الزراعية و الفيزيائية و الكيميائية و البيولوجية و الطبية . . إلخ . . إلخ . حتى بات المسلم الذي يعتقد أن كل هذه العلوم كمنتج حضارة موجودة في كتابه المقدس ، يعيش حال تقزيم لعقله و سجن لطاقاته و مهاراته ، إذ يعتقد أن العلم الإنساني الهائل كماً و كيفاً بهذه البساطة و الخفة السطحية بحيث يجمعه كتاب واحد ، و يكفيه أن يحفظ هذا الكتاب وحده ليكون قد علم كل شئ علم اليقين ، و من ثم لا يرى العلم رؤية سليمة حقيقية تحفظ له قيمته و احترامه و قدسيته ، و لا هو بقادر على إنجاز أى شئ بعد أن أنجز الله كل شئ . الحضارة تقوم على قدسية العقل البشري و الثقة في ممكناته و طاقاته ، بينما كان الشيخ جاد الحق شيخ الجامع الأزهر أى رجل العلم الأعلى بين المسلمين ، يخرج علينا في التليفزيون ليقول : ” أخطأ اليونان قديماً حينما استمسكوا بالعقل و اعتزوا بمنطقه ، و أخطأنا نحن حين أخذنا عنهم هذه النقيصة ” . هذا رغم ما يزعمه الخطاب الديني عن حض الآيات و الأحاديث على طلب العلم بالعقل و النظر، أى بالاستنباط النظري و الاستدلال الحسي المادي ، و هو زعم و تلبيس بدوره ، لأن العلم المطلوب هنا هو العلم بعظمه الله و الاستدلال على قدرته ، لذلك أطلقوا على رجل الدين لفظ عالم بهذا المعنى ، فالعلم المقصود المطلوب هو العلم بشئون الدين ، لأن حقيقة الدين و طبيعته لا تدفع العقل لإنتاج فكر جديد منتج في الواقع ، فهو مجموعة من الأوامر و النواهي و التحريمات ، برنامج يسيطر على حياة المؤمن المطيع النموذجي منذ صحوة حتى نومه و من ميلاده حتى مماته ، فهو لا يستطيع التصرف إلا وفق هذا البرنامج فهو يأكل بأدعيه و يصلي بآيات و يدخل الكنيف بمفاتيح لفظية و يخرج منه بمثلها و ينكح وفق تعليمات تسبقها ابتهالات و أدعية مقننة في حروف و ألفاظ ثوابت رواسخ . . إلخ . و مع مثل هذا البرنامج لا يصح القول بعقل ينتج فكراً . و لو نسبنا الحضارة لدين ، فإن المعنى سيكون أن حضارة الغرب الحالية هي حضارة الصليب ، و هي حضارة استمسكت بالعقل و اعتزت بمنطقه و تمسكت بهذه النقيصة فانجزت ما نرى و ما نعيش ، بل و كانت ذات فضل في حماية الإسلام بحماية كتبه المقدسة بما وفرت من وسائل الطباعة و النشر و الإعلام بالتليفزيون و المذياع و الإنترنت بشبكة اتصالات دولية ، كما وفرت لنا كل ألوان العلاج لكل الأمراض حتى المستوطنة منها في بلادنا و ليس في بلادهم ، دون أن تقدم حضارة الإسلام و لا مصلاً شافياً واحداً لمرض يستوطن فيها أو في غيرها .و إذا كان المقصود بالحضارة في هذا الخطاب جانبها المادي المتمثل تلك الأزمنة في ارتقاء العلوم و بخاصة المعمار و الري كدلالات حضارية ، فلم يكن للعرب معرفة بالنهر حتى ينشئوا هندسة للرى ، و لم يكن لهم معرفة بالعمارة لأنهم كانوا خيمويين متنقلين . لو كان للإسلام حضارة تنشئ معماراً ما وقف النبي يخطب في مسجده فوق جذع نخله ، و لكانت عمارة مسجده أروع مما هي عليه اليوم بهندسة السويسريين و كرستالهم و الإيطاليين و رخامهم ، أو لأقاموا كعبتهم بأنفسهم بدلاً من إبراهيم اليهودي بمساعدة الملائكة ، و من بعده أقامها مصري بخشب سفينة مصرية غارقة ، و من بعد هذه الأزمان بهندسة الأمريكان و الطليان ، أو لطابقت مساجد الأندلس مساجد القاهرة و بغداد و دمشق ، فهذه المساجد معمار حضارات شعوب اعتنقت الإسلام ، و سطا عليها العرب و رفعوا عليها راية الإسلام فبعد احتلال العرب لدول الحضارات المحيطة بجزيرتهم ادعوا ملكية حضارات البلاد المفتوحة ، بل واجتهد فلاسفة العروبة و الإسلام لإثبات عروبة تلك البلدان حتى قبل فتحها واحتلالها . و هنا لابد من التنويه للعقل البصير أن الإسلام هو دين من عند الله و ليس من عند العرب ، جاء للبشرية كافة لكن العرب سطوا عليه مبكرين و ركبوه لتحقيق أغراضهم ، و ألبسوه ثيابهم و عاداتهم و تقاليدهم . قلا تلازم ضروري بين العرب و الإسلام ، و نسبة الناطقين بالعربية بين مسلمي العالم اليوم لا تزيد عن 20 % ، و هو ما لم ينقص من إسلام و إيمان 80 % من مسلمي العالم غير العرب . و عادات العرب و تقاليدهم و لغتهم لم ينزل بها جبريل وحياً على محمد ، فهي كما لا تلزمنا في مصر بأكل الجراد و الضب ، فإنها لا تلزمنا كذلك بأى تقاليد أو عادات عربية أخرى .و إذا كانوا يقصدون بالحضارة كوكبة العلماء الذين ظهروا بين القرنين الثالث و الرابع الهجريين ، فلم يكن بينهم عربياً سوى الكندي و هو فيلسوف متواضع الشأن إذا قيس بغيره ، و لم يكن ظهور تلك الكوكبة بسبب الدين و علامة على إقامته حضارة ، و إلا كان من الضروري أن يظهروا مع ظهور هذا الدين ، لا أن يظهروا في زمن بعينه ، ثم يختفوا باختفاء هذا الزمن ، لأن ظروف هذا الزمن هي ما أنتجهم و ليس الدين و لا رجاله و لا العرب و لا تقاليدهم . كان زمن انفتاح حضاري على حضارات العالم القديم بالترجمة و النسخ و الإضافة أحياناً ، في زمن ذهبي لإمبراطورية قوية لا تخشى على نفسها من فكر أجنبي ، و هو زمن أنجب الرشيد و الأمين و المأمون و غيرهم من الخلفاء المستنيرين ، الذين جعلوا بلاطهم مكاناً حراً للعلم بصنوفه و الشعر و الموسيقى و الأدب حتى أدب الفضائح و فنون العري و الفجور و الجنس على أنواعه حتى المثلي منه و التباهي به شعراً ، و تلازم وجودها مع وجود هذه البيئة المنفتحه التي أنتجت مع فنون الفجور فنوناً راقية و علوماً متقدمة بمقاييس زمنهم ، و عندما أغلق باب الحريات العقلية مع المتوكل و خلفه ، ذهب علماؤنا و لم يعد أحدهم من يومها رغم وجود العروبة و رغم وجود الإسلام ، بينما كانوا موجودين رغم وجود العري والفجور ، لكن مع مساحة حرية لم يدخلها رجال الدين ليصادروها . و لأن الإسلام ظهر في بيئة قبلية بدوية لم يعرف معنى الوطن و المواطنة ، فالقبيلة المتحركة دوماً لا تعرف وطناً إنما تعرف شيئاً معنوياً يجمعها أطلقوا عليه ( الحمى ) ، يتحرك معهم أينما تحركوا في حمايته و حماه ، و عادة ما كان هذا الحمى يمثل القبيلة كلها ، و هو في النهاية رمز ميتافيزيقي كان يلتبس برب القبيلة ، و هو ما يشبه قول الإسلاميين اليوم أن الإسلام وطن ، بل أن هذا الحمى أو الدين أرفع بدرجات من أى معاني تتعلق بجغرافية الأرض أو حدودها ، أو كما يقول الشيخ الدكتور يوسف قرضاوي : ” إن الإنسان يضحي بنفسه من أجل دينه ، فالدين مقدم على الإنسان . . فالدين هو الضرورة الأولى و بعده تأتي ضرورة النفس و بعدها النسل و بعدها العقل و المال ( و لا يذكر الوطن كضرورة من هذه الضرورات ) / حلقة الظاهريون الجدد ، قناة الجزيرة ” . و من ثم ساغ لكاهن الإخوان الأكبر أن يقول عن إيمان صادق ” طظ في مصر و أبو مصر و اللى في مصر ” . و الوطن هو ما يشكل الضمير الجمعي و القانون الجمعي و هما أساس الحضارة ، فالحضارة ينتجها وطن له حدوده الجغرافية و شعبه الذي تجمعه المصلحة الواحدة ، فكان النيل مثلاً بجبروته عند الفيضان دافعاً لتجمع كل المصريين لحماية قراهم و حقولهم يداً بيد ، في تلاحم قوي بضمير جمعي واحد برعاية مصلحة مشتركة واحدة ، و مثل هذا الضمير الجمعي هو ما يخلق قانون المواطنة ، فيحرص كل مواطن على حماية الملكية العامة و القانون العام ، باعتبار الوطن ملكاً له كما هو ملك لجميع المواطنين . فإذا لم يوجد وطن فلا وجود لضمير جمعي و لا لقانون جمعي ، و من ثم لا وجود لدولة و لا لحضارة ، أين سيقيمون دولتهم المنتظرة إذن إن لم تكن في وطن ؟ ! فالشعوب التي أنجزت حضارة هي الشعوب التي استقرت في أوطان و أمتلكت ضميراً جمعياً يشترك فيه الجميع و لا ينسب لدين من الأديان . و من هنا نفهم لماذا لم يتمن نبي الإسلام أن يصنع شعبه حضارة و كنوزاً ، لأنه يعلم أن شعبه قبائل غير منتجة و أن الإنتاج خاصية لجغرافيا أخرى مستقرة ، إنما تمنى الاستيلاء على ما حوله من حضارات : ” و الذي نفسي بيده لتملكن كنوز كسرى و قيصر ” . و حتى اليوم لا يوجد لدينا طموحاً لمنافسة المنتجين و المخترعين و المبدعين في العالم ، بل نريد الحصول عليها جاهزة بالاستيلاء عليها ، على الطريقة البدوية القبلية ، فهي ثقافة تجارة وصيد و قنص و كر و فر ، تستولى على ما بيد الآخر بدلاً من أن تنجز مثلما أنجز و أن تتحضر مثلما تحضر .
 

 

 

..

Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
التقيمات المضمنة
عرض جميع التعليقات

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
0
التعليق على هذا المقال - شاركنا رأيك x
()
x

يستخدم موقعنا الإلكتروني ملفات تعريف الارتباط وبالتالي يجمع معلومات حول زيارتك لتحسين موقعنا (عن طريق التحليل) ، وإظهار محتوى الوسائط الاجتماعية والإعلانات ذات الصلة. يرجى الاطلاع على صفحة سياسة الخصوصية الخاصة بنا للحصول على مزيد من التفاصيل أو الموافقة عن طريق النقر على الزر "موافق".

إعدادات ملفات تعريف الارتباط
أدناه يمكنك اختيار نوع ملفات تعريف الارتباط التي تسمح بها على هذا الموقع. انقر فوق الزر "حفظ إعدادات ملفات تعريف الارتباط" لتطبيق اختيارك.

وظائفيستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط الوظيفية. ملفات تعريف الارتباط هذه ضرورية للسماح لموقعنا بالعمل.

وسائل التواصل الاجتماعييستخدم موقعنا الإلكتروني ملفات تعريف الارتباط الخاصة بوسائل التواصل الاجتماعي لعرض محتوى تابع لجهة خارجية مثل YouTube و FaceBook. قد تتعقب ملفات تعريف الارتباط هذه بياناتك الشخصية.

أعلاناتيستخدم موقعنا الإلكتروني ملفات تعريف ارتباط إعلانية لعرض إعلانات الجهات الخارجية بناءً على اهتماماتك. قد تتعقب ملفات تعريف الارتباط هذه بياناتك الشخصية.