التغيير في العقلية وليس في الازياء وغيرها بمناسبة انعقاد السينودس الكلداني

د. عبدالله مرقس رابي      

 

 

التغيير في العقلية وليس في الازياء وغيرها

بمناسبة انعقاد السينودس الكلداني

أنطلقت أعمال سينودس الاساقفة الكلدان برئاسة غبطة البطريرك الكاردينال ساكو صباح الرابع من الاب الجاري في بلدة عينكاوة – اربيل- العراق. وهو سينودس دوري يُعقد كل سنة للتباحث في امور الكنيسة الكلدانية لمختلف ابرشياتها.ولان السينودس الحالي له حالة تميزه عن السابقة، وهي مشاركة العلمانيين فيه لمدة يومين.هذه المشاركة جاءت نتيجة دعوة بعض المهتمين من المؤمنين الكلدان وأقرارها من قبل البطريرك ساكو توجهاً مع تطلعاته في التغيير التي يتحدث عنه في عدة مناسبات.وهكذا تحدث في كلمته الصباحية في القداس الذي اقامه في اليوم الاول كماسنرى.

ولعملية التغيير واهميتها تابعت أخبار انعقاد السينودس وبحسب ماورد من الاعلام في موقع البطريركية. وقد أثارت انتباهي بعض الامور في اليومين الاولين وعليه وضعت الفرضية أو التساؤل، أدعو فيها المجتمعين الى :التغيير في العقلية وليس في الازياء وغيرها.وساحاول تحليل الموضوع وفقاٌ لسوسيولوجية التغير الحضاري أو كما يسميه بعض علماء الاجتماع التغير الثقافي لعالم الاجتماع “وليم اوكبرن” الامريكي.

تنص هذه النظرية على” التغيرات المادية من عناصر الحضارة تحدث بسرعة أكبر من التغيرات في العناصر اللامادية ).اذ كل حضارة سواء كانت بسيطة او متوسطة او متقدمة في الرقي تتكون من عناصر مادية مثل التكنولوجية أي وسائل الانتاج والفن والبناء والعمران بمختلف اصنافه والمنتوجات الصناعية بما فيها الازياء وغيرها، وأما المعنوية اللامادية تشمل التفكير المرتبط بالعقل البشري واللغة ومؤشرات الهوية الانتمائية والقيم والسلوكيات والمواقف الاجتماعية والنفسية وغيرها.

التغير وفقاً للدراسات الاجتماعية ظاهرة حتمية ،أنما تعتمد على قوة العوامل المسببة له لكل فترة زمنية أو مكانية.ولعدم التكافؤ في سرعة التغير بين الماديات واللاماديات في المجتمع سيولد ما يسميه وليم اوكبرن ” الفجوة الحضارية” على سبيل المثال بكل سهولة يمكن الانسان ان يغير سيارته وملجأ سكنه أو ملابسه أو تسريحة راسه، او ادوات الكتابة وغيرها. انما يحتاج الى فترة أطول لتغيير افكاره ،تلك التي كانت تتناسب مع المرحلة السابقة لمادياته المستجدة.وهذه الفجوة تكون مسؤولة عن حدوث مشكلات اجتماعية لعدم التساوي في معدل السرعة للجانبين.بمعنى هناك سوء التكيف مع المستجدات لان الفرد لا يتقن الفكرة الجديدة ببساطة لتسنجم مع التغيرات المادية ،فيظل التشبث بافكاره وعقليته التقليدية والحرص عليها في تعامله مع الاخرين ونظرته للامور.فمن الصعوبة أن تتغير التصورات العقلية للافراد لكي تتماشى مع المستجدات .وهذا ما حاول تطبيقها عالم الاجتماع العراقي علي الوردي على المجتمع العراقي وسماها ” التناشز الاجتماعي” في اشارة لازدواجية الشخصية العراقية نتيجة الفجوة الحضارية بين التغير التقني والفكري الاجتماعي.أي يكون من اليسر أن يحصل الفرد للماديات من الحضارة في حياته ولكن ليس من اليسر ان يتخلص الفرد من عقليته القديمة.

ما هو الربط مع السينودس لاساقفة الكلدان؟

عنصر الربط اعلاه بالسينودس هو مفهوم “التغيير” أي ان غبطة البطريرك ساكو يؤكد على التغيير ،وأكد عليه في القداس الصباحي لافتتاحية السينودس حيث جاء في كلمته وفقاً للخبر المنشور”وتوقف عند نص أنجيل لوقا فصل 15 عن الابن الشاطر ،فأشار الى موقف الاب الحنون تجاه الابنيين الضالين ،كيف تجاوز الاعراف السائدة واستقبلها برحاب وفرح( اعتقد هنا خطأ مطبعي أي واستقبله) برحاب وفرح .نحن علينا أن ننفتح على واقعنا ونتفاعل معه ونخرج من النمط الكلاسيكي للتعامل مع كهنتنا وشعبنا”.

كلام سليم ،ولكن السؤال هو ،هل طلب الاب تغيير الازياء والممارسات وطرق الاحتفال ،ام طلب من الناس وكرسالة موجهة لنا نحن المسيحيين أن نغير من تفكيرنا وعقليتنا من علاقة الاب بالابن وما يرتبط بتلك العلاقة من عواطف ،كما هي اشارة واضحة للانسان مفاده :الانسان المنحرف يجب ان لاينُبذ من المجتمع وانما هناك فرص الاصلاح الاجتماعي،فاذن يكمن السر في تغيير العقلية نحو المنحرف والموقف من النبذ والطرد الى القبول به لاجل الاصلاح ومنحه فرصة اخرى ولم يطلب تغيير كما قلت في الازياء ولا في مظاهرالاحتفال بعودته فطلب ذبح ما عنده من ثور مسمن ودعا الجميع للفرح والابتهاج .لانه أدرك تماماً من الصعب تغيير العقلية ولكن من السهولة تغيير طرق الابتهاج ومظاهره. فاين اساقفتنا وكهنتنا من هذا.أ ليس مطلوب منهم تغيير العقلية والتفكير ؟ وهم اباء كما اراد الاب في مثل الابن الشاطر ان يغير العقلية تجاه المنحرف.

ما أدهشني في الخبرين كما ظهر الاساقفة.

سبق وقرأنا عن غبطته واساقفة اخرون تأكيدهم على الهوية ،وهنا المقصود هو الهوية الانتمائية سواء كانت اجتماعية اثنية او دينية أو طبقية أو حضارية أو بايولوجية او مهنية. فهناك مؤشرات مشتركة لافراد الجماعة توحي للاخرين من هم أو لنقول لانفسنا من نحن أو الفرد من انا.وهنا هويتنا هي” مؤمنون في كنيسة كلدانية كاثوليكية سواء من الاكليروس او العلمانيين” فأذن لكي نعرف هويتنا لغيرنا لابد ان يكون هناك بعض المظاهر المادية او الفكرية الاجتماعية والنفسية لكي تميزنا ويعرفنا الاخرين اننا كنيسة كلدانية كاثوليكية والا كيف نحدد هويتنا ؟هل يكون في القول فقط اننا كلدان ولنا لغتنا وازياؤنا ومظاهر اخرى، دون الالتزام بقولنا؟هذا ما بدى لي واضحاً عند مشاهدتي للصور الملتقطة لمجموع الاساقفة الكلدان الذين يعدون القادة الروحانيين للكنيسة الكلدانية والاولى بهم ان يحرصوا على الهوية الكنسية الكلدانية قبل غيرهم من المنتمين الى هذه الكنيسة. فأي مشاهد لهذه الصور سوف لاتوحي له ان هؤلاء هم اساقفة وقادة روحانيين للكنيسة الكلدانية ، بل هم اساقفة لاتين من الدرجة الاولى أو لنقول الافرنج في الازياء . ويا ليت مثل اللاتين منتظمين. فاللاتين في هكذا مناسبات يرتدون زي واحد ،لا اختلاف فيه،كما لو نظرنا اليهم كانما مهرجان للزي الافرنجي ،عدة انواع من القمصان ،انواع من البنطلونات وبالوان مختلفة ،قسم ارتدى السترات والبعض القمصان ،منهم ردن كامل واخرون نصف ردن،كانما يعيشون في ظل حصار اقتصادي ،اذ تذكرني هذه الحالة عندما سُمح لطلبة الجامعات العراقية بارتداء الوان متقاربة كزي جامعي اثناء الحصار الاقتصادي الظالم على الشعب العراقي في التسعينات من القرن الماضي بدلا من الزي المقرر لعدم توفير المطلوب منه في الاسواق.

ومع هذا قسم منهم صلبانهم ظاهرة للعيان متدلية واخرون مخفية في الجيب!!! هل الصليب ثقيل ؟اذا كان ذلك ليكون صليبهم صغير الحجم ويترك متدلياً على الصدر حباً له وفخراً به وأحتراماً لقدسيته مثلما هم يطلبون من المؤمنين احترام قدسيتهم!! وماذا يختلف الكبير عن الصغير فهو رمز في المسيحية ومؤشر هويتنا.أ ليست هذه حالة غريبة بين أساقفتنا؟

أ ليس من الاساقفة الواجب ان يحترموا الزي الرسمي لدرجتهم الاسقفية في كنيستهم طالما ينادون الحفاظ على الهوية ؟في كل الكنائس الشرقية والغربية في هكذا لقاءات رسمية على الاقل يلتزمون بزيهم الرسمي الكنسي لكي ينوهون الاخر انهم يمثلون الكنيسة الفلانية .فالحفاظ على الهوية هو من مسؤلياتهم بقدوتهم للاخرين.قد ياتي احدهم ويعبر عن شطارته ويقول : ليست العبرة بالازياء .أو الازياء تتغير بحسب التغيرات والمستجدات من الازياء .نعم ولكن تبقى في المناسبات الرسمية الرموز سارية المفعول وهكذا يتم في كل المؤسسات التعليمية والسياسية والعسكرية وغيرها . وهل شاهدنا الاساقفة اللاتين يوما ما وهم يرتدون البنطلونات القصيرة بحجة ان المودة هي سارية في المجتمع ومقبولة؟قد يرتديه في مكتبه بين اهله ،اما في المناسبات الرسمية لم أر هكذا تصرف.فلماذا تشذ عنها مؤسستنا الدينية ؟نعم الازياء تتغير ولكن السؤال الاخر أيضا هل عقلية هؤلاء قد تغيرت مع تغير ازيائهم .وفقاً لاسس النظرية اعلاه الجواب هو كلا .بدليل تصرفاتهم ومواقفهم تجاه المؤمنين والكهنة، ولو الكهنة لايختلفون عنهم ذرة خردل مما دعا البطريرك ساكو كما اشرت اعلاه هؤلاء الاساقفة في ادراك معاني الابن الشاطر وعودته .

ومن المظاهر الجسدية في جلوسهم ووجوهم التي اثارت انتباهي هي ،تعابير الوجه التي توحي بالعبوسية،حيث الشاهد لصورهم لا يرى اشارة لابتسامة ولا تعبير للراحة والطمأنينة والمحبة.العبوسية والانكماش في الوجه سايكولوجيا تعبر عن الاستياءوعدم الرضى والعكر والنفور،وعنما تركز في مواقفهم الجسدية في جلستهم يوحي لك كانما يريد النيل من الخصم .ايها الاساقفة اتركوا لنا تعبير المحبة والفرح والمسرة في لقائكم لتنقلوا الطمانينة للاخرين ،وللامانة شاهدت صورة واحدة لاثنين من الاساقفة مبتسمان،وكأنما ابتساماتهمها مصطنعة لاجل التصوير!!

أيها الاساقفة المجتمعون

لا تستعجلوا على تغيير الازياء ،ولا التغيير في الطقس وحذف الصلاة الفلانية والعبارة الفلانية لانها لاتلائم العصر ،ولا في تغيير لغة اداء الطقوس التي هي الاساسية في التعبير عن الهوية التي تنادون بها فهناك معالجات دون ان يتم تغييرها كما هو عند الفلبينيين اللاتين والبرتغاليين وغيرهم في بلدان الانتشار من التابعين لكنيسة روما ،وهم محتفظون بلغتهم وطقوسهم مع الشركة في الايمان الكاثوليكي.

انما اولا وقبل كل شيء لكي لا تحدث الفجوة الحضارية والتناشز الاجتماعي اي الازدواجية والتناقض في الشخصية ، التغيير ان يكون موازياً بين تلك الماديات والتفكير،أي العقلية لكي تنسجم مع العصر الحالي ومتطلباته ، التحرير من العقلية التي تتشبثون بها بقولكم: لا احد بامكانه ان يجردكم من السلطة.ولا أدري عن أية سلطة تتحدثون ،انكم جردتم من السلطة من القرن السابع عشر عندما فصل الدين عن السياسة والتدخل بشؤون الحكومة وعامة الشعب ,اقتصرت على السلطة الروحية التي منحتموها لانفسكم على افراد من المجتمع أكتسبوا ايمانهم الديني بطريقة ايحائية تلقائية نفسية بواسطة التنشئة الاجتماعية للاسرة .تغيير

العقلية لتقبل النقد من الاخرين والرد بالطرق المعاصرة في تفنيد النقد بحجج علمية دامغة ،وليس بالوعيد والصلاة من اجل الناقد ،هذا اسلوب يستعين به الشخص تجاه الناقد لعدم تمكنه من الرد السليم بالمنطق السليم .

تغيير العقلية لكي تتعاملون مع افراد المجتمع الذين يتميزون الاباء والابناء فيه بمستويات تعلميمة وثقافية اكثر مما تتميزون به انتم .فالتغيير يكون بمستوى الاصغاء لهم وليس السماع ،التغيير يكون الاحتكام الى المنطق والاعتماد على نتائج الحقول المعرفية العلمية بمختلف انواعها ،التغيير يكون تفهم حالة التخطيط السليم والنجاح في كل مؤسسة ومجتمع انه لايمكن الاعتماد على فرد واحد اوتخصص واحد بل الى فريق عمل من الاختصاصيين .

كما عملتم في ظاهرة دعوة العلمانيين الصورية للمشاركة في السينودس حيث ركزتم كما تبين في اختياركم من هم في اطار محدد، المعلمين او المهتمين في التعليم المسيحي او من الشمامسة .فهل دور العلماني هو في التعليم المسيحي والطقوس التي قد يفهم بها الشماس ؟ ليس كذلك بل كررنا وقلنا دورهم يتمثل في وضع الدراسات والتخطيط في تطوير الاعلام ،اللغة ، الاسرة المسيحية ،الشباب المسيحي ، ظواهر الطلاق التي انتشرت في جماعتنا والتعاطي معها ، طبيعة العلاقة بين الكنيسة والمؤسسة السياسية والحكومة،انحرافات الكهنة والاساقفة، ادارة اموال المؤسسة الكنسية ،الجحود عن المذهب او الدين وامور اخرى متعددة لا أظن الاكتفاء بمن يمثلون العلمانيين بحسب ما حدث اليوم .

فهل سيتمكن العلماني المشارك ان يقول اساقفتي المحترمون عليكم تغيير مستوى تفكيركم لكي يتناسب وينسجم مع عصرنا الحالي؟ لا اظن سيكون له حججاً منطقيا لكي يقولها ،انما ستنحصر مشاركتهم بنعم سيدنا كما تقررون لانهم أي الاساقفة يعرفون من سيسند عقليتهم وتفكيرهم وعليه كانت الدعوة مقتصرة على خدام التعليم المسيحي والشمامسة دون ان تنسجم تطلعاتهم مع التخطيط السليم لمشاركة القانونيين والاعلاميين واللغويين والنفسانيين والاجتماعيين .فماذا يخطط الشماس قانونياً واجتماعياً ونفسياً كيف يخطط للحد من مشكلة الطلاق والقاصرين مثلا والاعلام واللغة ؟

وعليه نكرر ان هذه المشاركة هي صورية ،وقد يقول بعضهم انها تجربة اولى ،ولكن ليفكر لماذا يبني الدار على اساس هش دون دراسة وتخطيط بدلا من العشوائية والمزاجية ؟

اتمنى للاساقفة المجتمعين النجاح في لقائهم السنوي لخدمة كنيستنا وشعبنا والانسانية جمعاء.

كندا في الخامس من اب 2019

http://saint-adday.com/?p=33761

http://saint-adday.com/?p=33736

شاهد أيضاً

ثامر الحجامي

تناقضات الوضع العراقي

ثامر الحجامي            الأحداث التي نمر بها تعيدنا بالذاكرة الى سنوات …

اترك تعليق

  Subscribe  
نبّهني عن