«استراتيجيًا: عراق الدولة أولًا»
«استراتيجيًا: عراق الدولة أولًا»
الدكتور ثائر العجيلي
في البيئات السياسية الهشّة، ولا سيما في الدول المتعددة دينيًا ومذهبيًا و إثنياً ، يطفو على السطح دائمًا سؤال “الأمن الوجودي”. ومع كل تحوّل إقليمي أو تصعيد دولي، تعود المخاوف إلى الواجهة، ويُعاد طرح فكرة “الضمان الخارجي” بوصفها صمام أمان لا غنى عنه لبقاء المجتمعات واستقرارها.
غير أن هذا الطرح، على شيوعه، يخفي إشكالية عميقة؛ إذ غالبًا ما تختلط مخاوف الناس المشروعة بحسابات النخب السياسية، فتُعاد صياغة مفهوم الخطر من زاوية السلطة لا من زاوية المجتمع، ومن منظور التحالف لا من منظور الدولة.
?مفهوم الحماية: من يحمي من؟
حين يُطرح “الدعم الخارجي” بوصفه صمام أمان، يغيب في كثير من الأحيان سؤال أساسي:
هل هذا الدعم يحمي المجتمع فعلًا، أم يوفّر مظلة أمان لمنظومة سياسية معيّنة؟
في تجارب عديدة، تتحول المخاوف المشروعة للناس إلى مبرر دائم لإدامة ترتيبات سلطة قائمة، فتُعاد صياغة فكرة “الخطر الوجودي” من زاوية استقرار الحكم لا من زاوية كرامة المواطن وأمنه اليومي. وهنا يصبح المجتمع كله أسير معادلات لا يملك القرار فيها، بينما يتحمّل وحده أثمانها الاقتصادية والأمنية والاجتماعية.
?بين أمن المجتمع وأمن المنظومة
حين يُقدَّم الدعم الخارجي بوصفه حماية وجودية، يصبح من المشروع طرح سؤال جوهري:
هل ما يُسمّى “حماية” يطال المجتمع فعلًا، أم يوفّر مظلة أمان لترتيبات سياسية بعينها؟
تجارب المنطقة تشير بوضوح إلى أن التحالفات الخارجية، مهما بدت ضرورية في لحظة تاريخية معيّنة، قد تتحول مع الزمن إلى بديل عن بناء الدولة، لا إلى رافعة لها. ومع هذا التحوّل، تتآكل المؤسسات، ويُستبدل منطق القانون بمنطق التوازنات، وتُدار المخاوف الشعبية باعتبارها أداة لضبط الواقع السياسي بدل معالجته.
وفي هذه اللحظة، يكون المواطن هو من يدفع الثمن:
• أمن هش
• اقتصاد تابع
• واستقرار مؤقت مرهون بإرادات خارجية لا يملك التأثير فيها
?الدولة الغائبة… الفراغ الأخطر
لا تنهار الدول عادة بسبب تغيّر التحالفات، بل بسبب غياب الدولة القادرة على إدارة هذا التغيّر. فالاعتماد المفرط على الخارج، أيًّا كان شكله أو مبرراته، يعكس في جوهره أزمة داخلية غير محسومة: أزمة ثقة بين المجتمع ومؤسساته.
وحين تُختزل فكرة الاستقرار في “مظلة خارجية”، يصبح أي اهتزاز إقليمي مصدر قلق داخلي، وتتحول السياسة إلى إدارة خوف لا إلى إدارة مصالح. والأخطر أن مجتمعات كبيرة، متجذّرة تاريخيًا في أوطانها، تُدفع – من حيث لا تشعر – إلى موقع “الأقليات القلقة”، لا بسبب ضعفها، بل بسبب غياب دولة جامعة تطمئنها.
?الأغلبية والمسؤولية الوطنية
في الدول التي تشكّل فيها أغلبية سكانية واضحة، لا يكون التحدي الحقيقي هو البقاء، بل كيفية إدارة هذه الأغلبية لمسؤوليتها الوطنية. فالأغلبية التي تمتلك دولة عادلة لا تحتاج إلى حماية مذهبية ولا إلى مظلة خارجية، بل إلى:
• مؤسسات فاعلة
• شراكة وطنية حقيقية
• عقد اجتماعي يضمن الحقوق للجميع
• واقتصاد يخفف من أسباب التوتر بدل تغذيتها
وعندما تفقد الأغلبية ثقتها بالدولة، تبدأ بالبحث عن بدائل خارجها، وهنا يبدأ الخلل البنيوي الحقيقي.
?السياسة الخارجية: منطق التوازن لا الاصطفاف
في عالم مضطرب، لا توجد دولة قادرة على العيش في عزلة، كما لا توجد دولة رابحة ترهن قرارها لمحور واحد. السياسة الخارجية الرشيدة لا تقوم على العداء، ولا على التبعية، بل على التوازن.
والتوازن يعني:
• علاقات عقلانية مع القوى الدولية المؤثرة
• انفتاحًا اقتصاديًا وسياسيًا على المحيط الإقليمي
• حسن جوار ثابت مع الدول المجاورة
• ورفض تحويل الجغرافيا الوطنية إلى ساحة صراع بالوكالة
بهذا المعنى، تصبح العلاقات الخارجية أداة لخدمة الاستقرار الداخلي، لا وسيلة لابتزازه أو مصادرته.
?الخلاصة: الأمن يُبنى ولا يُستورد
تعلّمنا التجارب القريبة أن المجتمعات لا تفقد وجودها بتغيّر الأنظمة خارج حدودها، لكنها قد تفقد استقرارها حين يُربط مصيرها بما لا تملك التحكم به.
الأمن الحقيقي لا يبدأ من الخارج، بل من الداخل:
من دولة تحمي مواطنيها،
ومن قانون يُحتكم إليه،
ومن شعور عام بأن الوطن هو المظلة الأولى والأخيرة.
وحين تُستعاد هذه المعادلة، تتحول التحولات الإقليمية من “مخاطر وجودية” إلى تحديات سياسية يمكن إدارتها بعقل الدولة، لا بخوف الجماعات.
الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.