مقالات عامة

مقولة وتعليق/ 62/ الحرية ثمرة العقل المستنير

قال الدكتور علي شريعتي : «لا حرية دون وعي، ولا وعي دون معرفة».

هذه المقولة تبدو للوهلة الأولى بسيطة التركيب، لكنها في عمقها أشبه بسلسلة فلسفية مترابطة الحلقات؛ تبدأ من المعرفة كأصل وجذر، يتفرع عنها الوعي كجذع، ثم تنمو الحرية كثمار ناضجة على شجرة راسخة في أرض الفكر.

نعم بهذه العبارة الفاصلة نكون أمام سلسلة مترابطة تشكّل شريان الحياة الفكرية والاجتماعية والسياسية… ؛  تبدأ بالمعرفة باعتبارها الجذر الأول، يتفرع عنها الوعي كجذع صلب، ثم تزهر الحرية كثمرة ناضجة، فلا يمكن للحرية أن تولد في فراغ، ولا أن تقوم على جهل أو وعي زائف… ؛ فالمعرفة هنا ليست مجرد حشو معلومات أو تكديس محفوظات، بل هي الفهم العميق للذات وللعالم، وامتلاك أدوات التفكير النقدي والتحليل والاستنتاج… ؛ فإذا استنارت العقول بالمعرفة تشكّل الوعي، وهو المرحلة التي يتحول فيها الإدراك الفردي إلى رؤية نقدية جماعية تعي الواقع وتدرك تناقضاته وتكشف زيف مسلّماته…. ؛ ومن رحم هذا الوعي تنبثق الحرية، لا بوصفها شعاراً أجوف أو مطلباً سياسياً عابراً، بل باعتبارها قدرة إنسانية على التحرر من الاستلاب؛ من الجهل، ومن الخوف، ومن عبودية القوى المستبدة… ؛  فالحرية لا تُمنح من فوق ولا تُشترى من سوق السياسة، بل تُنتزع انتزاعاً عندما يكون المجتمع قد استكمل شروطها في المعرفة والوعي والإرادة.

إن أي حديث عن الحرية بمعزل عن المعرفة، لا يعدو كونه شعارًا أجوف، أو راية مرفوعة على أرض قاحلة لا تنبت شيئًا… ؛  فالتاريخ يخبرنا أن كل الثورات الكبرى لم تُولد من فراغ، بل سبقتها عصور تنوير أشعلت عقول الناس بالعلم والفكر، حتى صاروا قادرين على كسر قيودهم… ؛  في المقابل، فإن المجتمعات التي حُرمت من المعرفة، عاشت رهينة الأوهام، مقيدة بالخرافة، حتى وإن تغنت بالحرية ورفعت شعاراتها.

في علم النفس السياسي، يُعرّف الوعي بأنه القدرة على إدراك البُنى الخفية التي تشكّل الواقع : القوى المتحكمة، المصالح المستترة، الآليات غير المرئية التي تسير المجتمع… ؛ وبذلك نفهم أن الحرية ليست مجرد غياب للسلاسل والقيود الخارجية ، بل هي بالأساس تحرر داخلي يبدأ من العقل… ؛ فالإنسان الجاهل قد يظن نفسه حرًّا، لأنه يتحرك بلا قيد ظاهر، لكنه في الحقيقة يسير وفق ما تمليه عليه الدعاية، أو ما تفرضه العادات، أو ما يرسخه الخوف من المجهول… .

شريعتي أراد أن يضع أمامنا معادلة وجودية خطيرة: لا وعي بلا معرفة، ولا حرية بلا وعي… ؛ أي أن القراءة والتفكير والتساؤل ليست ترفًا أو هواية مثقفين، بل هي شرط النجاة من العبودية الفكرية والاجتماعية… ؛  فمن لا يعرف لا يعي، ومن لا يعي لا يملك حريته، حتى وإن ظن العكس.

إن مأساة الإنسان العربي – والعراقي خصوصاً – أنه كثيراً ما يرفع راية الحرية قبل أن يؤسس لبنيانها المعرفي والتوعوي ، فيسقط في فخ الفوضى أو الاستبداد المقنّع… ؛  لذلك فإن كل مشروع نهضوي حقيقي لا بد أن يبدأ من إصلاح العقل وتحرير الوعي قبل أي محاولة لإقامة أنظمة سياسية أو اجتماعية جديدة.

إن مقولة شريعتي ليست مجرد جملة نظرية، بل هي خريطة طريق للخلاص:

المعرفة هي المفتاح.

الوعي هو البوابة.

الحرية هي الغاية.

وبغير هذا التسلسل، ستظل الحرية شعاراً معلّقاً في فضاء الشعارات، لا حقيقة مجسّدة في حياة الناس.

إن هذه المقولة الفكرية تجعلنا نعيد النظر في واقعنا العربي والعراقي اليوم: فهل نمتلك المعرفة التي تولد الوعي؟

وهل نملك الوعي الذي يثمر الحرية؟

أم أننا نكتفي بالشعارات، بينما تبقى جذور المعرفة ضامرة، وثمار الحرية معلقة في الهواء بلا أرض تنمو فيها؟

Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
التقيمات المضمنة
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى