آراء متنوعة

كاميليا قُولي..

الكاتبة نسرين ولها / تونس

كان المعهد شبه خالٍ في ذلك اليوم، والنسيم يتسلّل عبر الباب المفتوح بخفة كأنّه يحمل معه نفحة من نفحات القدر المُباغتة .جلست كاميليا في قاعة الأساتذة، ترتب أوراقها المُهمّة مُستمعةً بفوضى قلبها الشّيّقة التي تشبه أوراق الخريف المتناثرة.

دخلت المديرة بابتسامتها المعتادة، ثم جلست أمامها قائلةً بنبرة تجمع بين اللّين والصّرامة:

– كاميليا…يا حُلوتي الصبيّة .. لماذا تبدين دائمًا وحيدة؟ رغم كل ما مرّ في حياتك من قصص ؟
ابتسمت كاميليا بخفوتٍ وقالت:

-الأمر ليس كما يبدو… هُناك حبّان في حياتي، لم يكتمل أيٌّ منهما، وكأنّهما تركاني عالقة بينهما!!

رفعت المديرة حاجبيها باهتمامٍ صادق وأضافت: حُبان؟ يا إلهي ما هذه القصّة المُعقّدة !! احكي لي.. لو أردتِ أن تُخفّفي عبء الحِمل الثقيل قليلاً .

تنفّست كاميليا بعمق، وكأنها تستدعي صورتين متناقضتين من ذاكرتها و قالت:

-أحدهما رجل ناضج، هادئ، رزين… وجوده يمنحني الأمان، لكنّه بعيد، كأنّه يخاف أن يشعر.

والآخر… مرح، مليء بالحياة، لكنه ما زال لم ينضج بعد، لا يعرف كيف يكون مسؤولًا عن قلبٍ غير قلبه.

هزّت المديرة رأسها وقالت بلطفٍ عميق:

-يبدو أنَّ كليهما تركَا فيكِ أثرًا مختلفًا أكادُ ألتقطه من بوحك بوضوح …لكنْ، بمن تفكرين أكثر؟

ابتسمت كاميليا بمرارةٍ خفيفة:

-بنفسي يا سيدتي… بين من يمنحني الطمأنينة، ومن يجعلني أتنفّس. بين من أكون معه كما يجب، ومن أكون معه كما أريد. أحيانًا أشعر أنَّ الصّراع الحقيقي ليس بينهما، بل بداخلي أنا.

سكنت المديرة قليلًا ثم استدركت:

-رُبّما الحب لا يختار بين اثنين، بل بين حقيقتك وظلّك، بين ما تعرفينه وما تخشينه؟!

كاميليا أطرقت برأسها، وفي عينيها لمعة إدراكٍ أولى.

في تلك اللّحظة، كان آدم يمرّ في الرّواق الخلفيّ، فتوقّف حين سمع صوتهما. لم يكن يقصد التلصّص، لكنّ كلماتها اخترقت قلبه قبل أن يدرك سبب تسمّره في مكانه .

شيء في حديثها كان يعنيه — وربما يُعرّيه. بعد قليل، غادرت المديرة، وبقي الباب مفتوحًا.

تقدّم آدم خطوة وقال بصوتٍ هادئٍ متردّد:

“كاميليا…”

رفعت رأسها بسرعة، التقت نظراتهما، وبدت عليها المفاجأة.

-آدم؟ منذ متى وأنت هنا؟

– منذ وقتٍ كافٍ لأفهم أنكِ لستِ كما تبدين دائمًا.

تردّدت لحظة، ثم قالت بنبرة صادقة:

-رُبّما… لأنني لم أفهم نفسي بعد. أنت تشبه السكون الذي أخافه وأحتاجه معًا.

ابتسم نصف ابتسامة وقال:

-وأنتِ تشبهين السّؤال الذي لا أريد أن أجيب عليه، حتى لا أغيّر شيئًا.

سكت كلاهما، ترك بينهما الصمت يعبّر عمّا لا يُقال.

ثم أضاف آدم قبل أن يغادر:

-أحيانًا النّضج لا يعني الأمان فقط، بل أن نعرف متى نبتعد كي لا نكون سبب الحيرة.

وغادر بهدوء، تاركًا خلفه بابًا نصف مفتوحٍ وقلبًا نصف مغلق.

في المساء، جلست كاميليا في المقهى الصغير عند زاوية الحيّ .كانت تنتظر يُوسف، وجاء كعادته مُتأخرًا وضاحكًا:

-كاميليا ! كنت أعرف أنك لن تغادري قبل أن تشربي قهوتك معي.

ابتسمت رغم تعبها وقالت:

-يوسف، أنت تتعامل مع الوقت كأنه لا يخُصّك.

“ولماذا يعنيني؟ الوقت ثقيل على من يخاف أن يفوته شيء، أمّا أنا فأعيش اللّحظة.

هزّت رأسها وقالت بهدوء:

-العيش في اللحظة جميل، لكن أحيانًا يكون هروبًا من الغد وأنتِ تفكرين في الغد كثيرًا، حتى نسيتِ أن تعيشي اليوم.

نظرت إليه طويلًا — إلى ضحكته، وشروده، ودفئه.

أدركت أن ما يجذبها إليه هو نفسه ما يجعلها تخاف منه: العفوية غير المسؤولة، والحريّة التي لا تعرف التزامًا.

قالت بخفوت:

-يوسف… هل فكرت يومًا أن تكون مسؤولًا عن قلبٍ غير قلبك؟

ضحك، لكنّه هذه المرّة لم يجد ما يقوله. لعلّ قلبه قد تجرّع من الوجع ما يكفيه لدرجة الخدر، فبات يخشى على قلبه خدش الشوكة أوّلاً قبل أن يُجرّب تحمّل مسؤولية قلبٍ آخر..من يدري، فالقلوب صناديق مُغلقة بالأسرار.

ارتشفت قهوتها بهدوء واستأنفت:

-الوجع يا يوسف لا يأتي من الوجود فقط، أحيانًا يأتي من الغياب.

في طريق عودتها، كانت السماء رمادية والريح تحمل رائحة المساء. تذكّرت نظرة آدم الهادئة، وضحكة يوسف الحرّة.

كلاهما كان مرآة — الأولى تعكس استقرارها، والثانية تعكس رغبتها في الحياة بشتى وُجوهها.

وقفت تحت شجرة ياسمين قرب باب بيتها، أخذت نفسًا عميقًا، وابتسمت بخفة.

أغلقت دفترها وقالت لنفسها:

“وجدتُه ينتظرني حيثُما وَجدتُني.”

ثم أخرجت قلمها وكتبت في الدفتر كلمات كانت تختزن صراعها كلّه و تبوح بشيءٍ عميق من حنايا قلبها :

” أنتَ اللون الذي لم أعرفه من قبل، واللون الذي سأظل أبحث عنه للأبد . أنت السّر الذي لا أريد الكشف عنه، والحقيقة التي لا أستطيع إنكارها.أنت لا تعرف، لكن وجودك غيّر كل شيء، بطريقة لا أستطيع شرحها”…

ابتسمت أكثر، رفعت رأسها نحو السماء، وشعرت لأول مرّة بالطمأنينة. لقد اختارت، واكتفت بما شعرت به روحها، بلا شرح ولا تبرير.

النهاية

 

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.

Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
التقيمات المضمنة
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى