تسلّل السوريين إلى بغداد عبر أربيل: مقاربة سياسية–أمنية
تشهد الساحة العراقية في الآونة الأخيرة تصاعدًا لافتًا في ظاهرة تسلّل مواطنين سوريين إلى الأراضي العراقية، ولا سيما إلى العاصمة بغداد، عبر طرق غير شرعية تنطلق غالبًا من إقليم كردستان، وتحديدًا من أربيل، باستخدام شبكات تهريب منظمة وأساليب بالغة الخطورة… ؛ و هذه الظاهرة لم تعد مجرد قضية هجرة غير نظامية، بل باتت تحمل أبعادًا سياسية وأمنية حساسة تفرض على الدولة العراقية قراءتها بعمق وحزم.
وتكمن خطورة هذا الملف في الطريقة التي يتم بها التسلل، إذ تلجأ شبكات التهريب إلى إخفاء الأشخاص داخل هياكل الشاحنات أو بين شاصي المركبات الثقيلة، في تجاوز صارخ للقانون واستهانة فاضحة بحياة البشر… ؛ وفي هذا السياق، تأتي الحادثة الأخيرة التي ألقت فيها القوات الأمنية العراقية القبض على عدد من المواطنين السوريين مختبئين داخل شاصي شاحنة قادمة من أربيل ومتجهة إلى بغداد، لتكشف حجم التهديد الكامن وخطورة ما يجري في الخفاء.
إن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه هنا: لماذا يسعى هؤلاء إلى دخول بغداد تحديدًا؟ وهل الأمر يقتصر على دوافع اقتصادية ومعيشية، أم أن هناك أهدافًا أخرى أكثر تعقيدًا وخطورة؟ فالعاصمة بغداد ليست مدينة حدودية أو نقطة عبور عابرة، بل هي مركز القرار السياسي والأمني والاقتصادي في البلاد، ما يجعل أي تسلل غير شرعي إليها مسألة تستوجب أعلى درجات الحذر والتدقيق.
*سياسيًا، لا يمكن فصل هذه التحركات عن حالة السيولة الإقليمية والتداخل الأمني بين الساحات، ولا سيما في ظل التحولات الجارية في سوريا وما يرافقها من صعود قوى وسلطات أمر واقع، الأمر الذي يثير مخاوف مشروعة من محاولات تصدير الأزمات أو اختراق العمق العراقي بواجهات مدنية أو عمالية… ؛ ومن هنا يبرز القلق من أي حكومة أو سلطة سورية لا تملك السيطرة الكاملة على حدودها ومواطنيها، أو تغضّ الطرف عن شبكات التهريب، وهو ما يبرر المخاوف المتداولة مما قد ينتج عن سياسات حكومة الجولاني وأمثالها، إن صحّ توصيفها، من تداعيات أمنية تتجاوز الحدود السورية.
*أمنيًا، تمثل هذه الحالات ثغرة خطيرة في منظومة ضبط الحدود وحركة التنقل بين الإقليم والمحافظات الأخرى، وتطرح تساؤلات جدية حول مستوى التنسيق والرقابة، وحول قدرة بعض الشبكات على استغلال التعقيدات الإدارية والجغرافية لتمرير أشخاص مجهولي الهوية والنوايا… ؛ فالتجارب السابقة في العراق أثبتت أن التهاون في هذا النوع من الملفات قد يؤدي إلى نتائج كارثية، خاصة إذا ما استُخدمت الهجرة غير الشرعية كغطاء لأعمال إجرامية أو ار*ها*بية.
*ختامًا، إن ظاهرة تسرب السوريين إلى العراق عبر التهريب لا ينبغي التعامل معها بوصفها ملفًا إنسانيًا فقط، ولا أمنيًا صرفًا، بل كقضية مركبة تتداخل فيها السياسة بالأمن، والداخل بالإقليم، وتحتاج إلى رؤية شاملة، وإجراءات حازمة، وتنسيق عالي المستوى، حفاظًا على أمن العراق وسيادته، ومنعًا لتحول أراضيه إلى ساحة مفتوحة لتداعيات أزمات الآخرين.
الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.