مقالات سياسية

بين الحقيقة والبروباغاندا

في الخطاب الإعلامي الغربي، تُقدَّم روسيا أحيانًا كقوةٍ متدخّلة، أو كدولةٍ تبحث عن نفوذٍ بأي ثمن.
غير أن الحقيقة التي يغفلها كثيرون هي أن روسيا لم تُعرف يومًا كمحتلٍّ لأرضٍ عربية، ولم تفرض يومًا أيديولوجية على الشعوب. بل كانت، عبر التاريخ، حليفًا صادقًا لكثير من القضايا العادلة، ومدافعًا عن مبدأ السيادة الوطنية، حتى حين تعارض ذلك مع مصالحها.

إنها دولة تؤمن بأن الاحترام المتبادل أساس العلاقات بين الأمم، وأن الكرامة الوطنية لا تُشترى ولا تُباع. ولذلك، حين تتحدث روسيا، يتحدث معها صوتٌ عريق نابع من تاريخٍ طويل من الاستقلال، لا من نزعة الهيمنة.

أنا عربيٌّ أعيش في روسيا، ولا أشعر بالغربة.
في شوارع موسكو و يكاترينبورغ، أرى في العيون احترامًا لا ريبة، وفي القلوب تقديرًا لا استعلاء.

في قاعات الجامعة وفي المؤسسات الحكومية الروسية، أُعامل كأي طالب روسي، وربما أكثر، لأنهم يرون في العربي حاملًا لثقافةٍ غنية وتاريخٍ ضارب في الجذور.

حين أقول إنني عربي، لا أسمع سخرية، بل تُطرح عليّ أسئلة عن حضارتي، وديني، وتاريخ أمّتي.
إنه فضول نبيل، لا جهل عدائي. ولهذا، أقول لإخوتي العرب: لا تحكموا على روسيا من وراء الشاشات، بل من خلال أبنائكم الذين يعيشون فيها ويعرفونها عن قرب.

إلى متى سنظل نسمع الأخبار المزيّفة دون أن نتحقق؟
ومتى سنتوقف عن تصديق الصور التي تُرسم لنا على الشاشات بدل أن نرى الواقع بأعيننا؟

لقد آن الأوان أن ندرك أن ما يُعرض علينا ليس الحقيقة، بل روايات مُوجّهة تُبنى لخدمة مصالحٍ سياسية وإعلامية.

كم من مرة سمعنا عن “روسيا المنعزلة”، ونحن نراها اليوم من أكثر الدول نشاطًا في الحوار الدولي والتعاون الثقافي والعلمي؟
وكم من مرة صُوّرت لنا كدولةٍ مغلقة، بينما هي في الحقيقة تحتضن آلاف الطلبة من العالم العربي وتمنحهم فرص العلم والكرامة؟

إن روسيا التي أعرفها ليست تلك التي تُرسم في نشرات الأخبار، بل تلك التي تُبنى في قاعات الجامعات، وتُترجم في الاحترام المتبادل بين الناس.

روسيا اليوم لا تطلب من أحد أن يحبها، لكنها تطلب فقط أن تُفهم بصدق وعدل.
أما نحن العرب، فنحن في أمسّ الحاجة إلى إعادة النظر في علاقتنا مع هذه الدولة الكبيرة، العميقة، المستقلة.
ليس لأننا نبحث عن بديلٍ للغرب، بل لأننا نبحث عن شريكٍ يحترم إرادتنا، ويفهم حضارتنا، ولا يُساوم على كرامتنا.

أنا لا أكتب هذا لأنني نسيت وطني، بل لأنني وجدت في روسيا وطنًا ثانيًا احترم إنسانيتي، وفتح لي أبواب العلم، ومنحني الحق أن أكون نفسي.
روسيا ليست كما يقول الإعلام، بل كما تراها عيون الصادقين.
إنها روسيا التي تُبنى بالثقافة، وتُدار بالقانون، وتُحكم بالعقل، لا بالعاطفة.

Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
التقيمات المضمنة
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى