مقالات

العراق في زمن إعادة ترتيب الإقليم كيف تحول الديمقراطية

لم تعد إعادة ترتيب الشرق الأوسط تدار بوصفها مشروع حلول كبرى أو تسويات نهائية، بل كعملية طويلة الأمد لإدارة الهشاشة وضبط الفوضى ومنع الانفجارات الإقليمية. في هذا السياق، لا تنظر واشنطن إلى الدول من زاوية نظمها السياسية المعلنة،
بل من زاوية قدرتها الوظيفية على الالتزام والاستمرار. وهنا تحديدا، يبرز العراق بوصفه حالة إشكالية: دولة ذات شرعية انتخابية، لكنها تفتقر إلى البنية القيمية والمؤسسية التي تجعل هذه الشرعية قابلة للاستخدام الاستراتيجي.
الانتخابات العراقية الأخيرة، رغم ما أظهرته من حراك سياسي وتنافس انتخابي، أعادت إنتاج معضلة قديمة بصيغة جديدة: ديمقراطية إجرائية بلا عقد قيمي ناظم. صندوق الاقتراع أنتج تمثيلًا، لكنه لم ينتج دولة قادرة على اتخاذ قرار موحد،
أو تحمل كلفة الخيارات الكبرى التي تفرضها لحظة إعادة ترتيب الإقليم.
الديمقراطية منزوعة القيم: تعريف الخطر لا توصيفه ؛ من وجهة النظر الأمريكية، لا تقاس خطورة الديمقراطية المنزوعة القيم في العراق بغياب المثاليات الليبرالية، بل بعجز هذا النمط السياسي عن أداء الوظيفة الأساسية للدولة:
ضبط القوة، توحيد القرار، وحماية الالتزامات. فالديمقراطية التي تسمح بتعدد مصادر القرار، وتعايش السلاح مع السياسة، وتداخل المال العام مع التنافس الانتخابي، تتحول من آلية شرعنة إلى آلية تفكيك بطيء.
في بيئة كهذه، تصبح الانتخابات حدثا دوريا لإعادة توزيع النفوذ، لا محطة لإعادة بناء الدولة. وهذا بالضبط ما يقلق صانع القرار الأمريكي: ليس من يفوز، بل ما الذي يستطيع الفائز فعله فعليا؟.
إعادة ترتيب الإقليم: من يبحث عنه الخارج؟
تقدم القمة المرتقبة بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس الوزراء الإ*سر*ائي*لي بنيامين نتنياهو، برعاية أمريكية، بوصفها خطوة عملية نحو احتواء تداعيات حرب غ*ز*ة وفتح مسار استقرار إقليمي.
غير أن القراءة من زاوية عراقية وطنية تكشف أن هذه القمة لا تستهدف إنهاء الصراع بقدر ما تسعى إلى إعادة إدارته، عبر تحويل غ*ز*ة من قضية تحرر وحق تاريخي إلى ملف أمني–إداري تضبط حدوده وتدار مخرجاته وفق مصالح القوى الكبرى.
إعادة ترتيب الإقليم، كما تدار اليوم، تقوم على منطق مختلف عما عرفته المنطقة سابقا. لم يعد المطلوب أن تكون الدول ديمقراطية بالمعنى المثالي، بل أن تكون:
• قادرة على اتخاذ قرار مركزي
• قادرة على الالتزام بتفاهمات طويلة الأمد
• قادرة على امتصاص الصدمات الاجتماعية
• وقادرة على منع انتقال الأزمات خارج حدودها
بهذا المعنى، تفضل واشنطن الدول المنضبطة على الدول التعددية الهشة!. ليست المفاضلة أخلاقية، بل وظيفية بحتة. وهنا يظهر العراق بوصفه دولة عالية الكلفة في أي معادلة إقليمية، لا بسبب موقعه أو موارده، بل بسبب هشاشة بنيته السياسية الداخلية.
العراق كحلقة غير مستقرة في معادلات الضبط ؛ المشكلة العراقية، من منظور إعادة ترتيب الإقليم، ليست في انحيازه لهذا المحور أو ذاك، بل في عدم قدرته على تحمل تبعات أي انحياز. كل خيار خارجي يصبح مادة صراع داخلي،
وكل تفاهم إقليمي يتحول إلى استقطاب سياسي، وكل التزام دولي يقرأ محليا بوصفه مساسا بالسيادة.
هذا ما يجعل العراق مختلفا عن دول أخرى في الإقليم: القرار فيه لا يكلف النخبة وحدها، بل ينفجر اجتماعيا. وفي لحظة إقليمية حساسة، تدار فيها الملفات بمنطق التدرج المحسوب، يصبح العراق عامل عدم يقين، لا لأنه رافض، بل لأنه غير محصن.
حساب الكلفة قبل الاندماج ؛ في أي مسار لإعادة ترتيب الإقليم، هناك دائما عرض ضمني بالتكامل: تسهيلات مالية، شراكات طاقة، تخفيف ضغوط، انفتاح دولي. لكن هذا العرض يفترض وجود دولة قادرة على إدارة الكلفة المقابلة.
في الحالة العراقية، لا تدار هذه الكلفة مركزيا، بل توزع على مجتمع منقسم، واقتصاد هش، ومؤسسات ضعيفة.
بمراجعة لمقال صدر مؤخرا ، من معهد واشنطن لسياسات الشرق الادنى بعنوان ، قمة مصر وإس*رائي*ل: هل هي نقطة انطلاق للتقدم في غ*ز*ة؟ بقلم هيثم حسنين في 12 ديسمبر 2025 ، يلفت الانتباه مفهوم حساب التكامل والتفاضل في مصر،
برؤية أمريكية ، في توصيف دقيق لمعادلة القرار لدى القاهرة: ما الذي يمكن أن تكسبه من الانخراط، وما الذي قد تخسره سياسيا وشعبيا إذا مضت بعيدا في هذا المسار.
فمصر تجد نفسها بين ضغط اقتصادي خانق، وحاجة ملحة للطاقة والدعم الخارجي، ورأي عام عربي غاضب من الحرب على غ*ز*ة، ومخاوف سيادية من تحمل عبء القطاع أو تحوله إلى ملف مصري دائم.
ومن هنا تسعى القاهرة إلى تحقيق تكامل محسوب يقلل الخسائر ويؤمن الحد الأدنى من المكاسب.
غير أن إسقاط هذه المعادلة على العراق يكشف فارقا جوهريا في الحسابات والكلف. فـ حساب التكامل والتفاضل في العراق أكثر تعقيدا وخطورة.
التكامل، كما يعرض على بغداد، يتجسّد في وعود بالاستقرار المالي، وتخفيف الضغوط الدولية، وتسهيلات مصرفية، وشراكات طاقة واستثمار، وإعادة إدماج العراق ضمن منظومة إقليمية يراد لها أن تكون منضبطة.
لكن التفاضل المقابل لهذا التكامل قد يكون باهظ الثمن: مساس بالقرار السيادي، تقييد للسياسة الخارجية، تعميق الانقسام الداخلي، وإثقال المشهد الاجتماعي بصدمة جديدة في بلد لم يتعاف بعد من آثار الاحتلال والحروب والصراعات الداخلية.
الفارق الحاسم أن مصر، رغم أزماتها، دولة مركزية بقرار موحّد ومؤسسات قادرة على امتصاص الصدمات، فيما العراق دولة تعددية هشّة، يتوزع فيها القرار السياسي، ويتداخل فيها الأمني بالاجتماعي،
ويظل الرأي العام فيها سريع الاشتعال وحاد الحساسية تجاه أي اصطفاف خارجي. ما يمكن لمصر احتواؤه سياسيًا قد يتحول في العراق إلى شرخ داخلي أو أزمة أمنية.
من هنا، تخشى واشنطن أن يتحول العراق إلى نقطة فشل داخل منظومة يراد لها أن تكون منضبطة. لا بسبب معارضة سياسية، بل بسبب غياب القدرة البنيوية على التحمل.
الخلاصة: الدولة قبل الآلية ؛ المفارقة العراقية اليوم أن المشكلة لم تعد في نقص الديمقراطية، بل في فائض آليات بلا قيم. الانتخابات وحدها لا تبني دولة، وإذا لم ترفق بمنظومة قيم تضبط السلطة وتحمي القرار، فإنها تنتج شرعية غير قادرة على أداء وظيفتها الإقليمية.
في زمن إعادة ترتيب الشرق الأوسط، لا تقاس قيمة الدول بعدد أصواتها الانتخابية، بل بقدرتها على تحويل القرار السياسي إلى التزام مستقر.
وإذا لم ينجز العراق انتقاله من ديمقراطية توزيع القوة إلى ديمقراطية ضبطها، فإنه سيبقى حاضرا في حسابات الإقليم بوصفه ساحة يجب احتواؤها، لا دولة يمكن الاعتماد عليها.
من هنا، فإن الدرس العراقي من هذه القمة لا يكمن في تفاصيلها، بل في منطقها. فالتكامل الخارجي، إذا لم يبن على تماسك داخلي ورؤية سيادية واضحة، يتحول إلى عبء لا مكسب، وإلى مصدر تفاضل سلبي لا رافعة استقرار.
والتجربة العراقية القريبة تؤكد أن إدارة الأزمات دون معالجة جذورها لا تصنع دولة، بل تؤجل الانفجار.إن القمم لا تصنع السلام، كما أثبت تاريخ المنطقة، بل قد تنتج استقرارا مؤقتا هشا. أما السلام الحقيقي، فيبدأ من الداخل:
من دولة تعرف حساب تكاملها وتفاضلها بدقة، وتقدّم بقاءها وسيادتها على أي اندماج متعجل في خرائط لم ترسم بإرادتها.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.

Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
التقيمات المضمنة
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى