الشَّائِعُ وَالضَّائِعُ في تَشْكِيلِ الحُكُومَةِ
الدكتور رعد البيدر – الشارقة
في الوقت الذي لم يجفّ فيهِ بعد حبر النتائج، تبدو الحكومة القادمة إلى الواجهة، محمولةً على سيلٍ من الشائعات، ومُثقَلةً بما ضاع من وعودٍ وتجارب. في المشهد العراقي، لا تتشكّل الحكومات داخل القاعات المغلقة فحسب، بل تُصاغ ملامحها الأولية في المقاهي السياسية، وعلى ألسنة المُقَرّبين، وفي تسريباتٍ لا يُعرفُ من أين تبدأ وكيف ستنتهي.
الشائع اليوم أكثر حضوراً من الوقائع: أسماء تُتداول، حقائب تُقسَّم على الورق، ومُحاصَصات تُلبَس ثوب الاستحقاق. تتغيّر الروايات بسرعة، لكن القاسم المشترك بينها واحد: كل طرف يرى نفسه محور الحكومة، وكل كتلة تروّج أن الكفة تميل لصالحها، عندها يتحوّل التسريب من أداة كشف إلى وسيلة ضغط، ومن نقل معلومة إلى ترويج انطباع.
أمّا الضائع، فله الثقل الأكبر والأثر الأخطر؛ كونه يشتت النقاش الجاد حول البرنامج الحكومي وسط ضجيج الأسماء. تضيع الأسئلة الجوهرية: ماذا عن الاقتصاد؟ أين تقف الدولة من الخدمات، ومظاهر الفساد، والعدالة بكل ما تعنيه كلمة العدالة من تفرعات؟ كيف تُدار العلاقة بين المركز والمحافظات؟ كيف تتحقق السيادة على أرض ، مياه ،وسماء الوطن ؟ ما اشرنا له غَيض من فَيض قضايا لا تجد لها مكاناً في محيط الشائعات الرائجة، لأنها لا تُقايَض بسهولة ولا تُختزل بعنوان.
في كل دورة، يتكرّر المشهد ذاته: حكومة تُبنى على التوازنات أكثر مما تُبنى على الكفاءات، وعلى تنفيس الأزمات وليس على معالجتها. وحين تُستبدل معايير الاختيار بمنطق الترضية، يصبح الأداء لاحقاً رهينةً لما قُدّم من تنازلات في اتفاقات التشكيل.
ليس الإشكال بحدّ ذاته في تداول الأخبار، بل في تحوّل الشائع إلى بديلٍ عن سياسة، واضحة والضائع إلى قدرٍ مقبول. الدولة لا تُدار بالتوقعات، ولا تُصلَح بالهمس. وما لم ينتقل النقاش من أسماء الوزراء إلى فلسفة الحكم، ومن الحصص إلى المسؤوليات، ستظل الحكومة القادمة أياً كان شكلها، عالقةً بين ما يُقال عنها، وما يضيع منها.
أخيراً – العراقي قبلَ غيرهِ يعرفُ أن حكومة بلا برنامج واضح، وبلا التزام علني قابل للمُحاسبة، ليست سوى فصلٍ جديد من حكايةٍ مألوفة. وبين الشائع والضائع، يبقى الرهان الحقيقي على ما لم يُعلَن بعد: هل ستكون حكومة إدارة أزمة… أم حكومة قرار؟
القوادم كفيلة بكشف زيف الادعاء من سلامة النوايا، والمثل العراقي يقول:
” بين الصدُگ والچذِب أربع أصابع “
الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.