مقالات

الشراكة الروسية العربية من منظور عربي – فؤاد أحمد عايش

لم تعد الشراكة بين روسيا والعالم العربي مجرّد تقاطع مصالح ظرفي تفرضه التحولات الدولية، بل باتت مسارًا يتشكل على أساس تجارب تاريخية مشتركة ورؤى سياسية متقاربة. ففي ظل عالم يشهد إعادة تشكيل موازين القوى، يطرح السؤال نفسه: هل التقارب الروسي العربي خيار استراتيجي قابل للتبدّل، أم ضرورة تاريخية فرضتها طبيعة المرحلة؟

يشهد النظام الدولي تحوّلًا تدريجيًا من الأحادية إلى التعددية، وهو ما أتاح للعالم العربي هامشًا أوسع لإعادة صياغة علاقاته الخارجية. في هذا السياق، برزت روسيا كقوة دولية تسعى إلى كسر احتكار القرار العالمي، وتقديم نموذج مختلف في إدارة العلاقات الدولية، يقوم على التوازن واحترام السيادة. هذا التوجّه وجد صدى إيجابيًا لدى دول عربية عانت طويلًا من سياسات الإملاء والضغوط الغربية.

تتقاطع الرؤية الروسية مع المواقف العربية في عدد من القضايا الجوهرية، أبرزها رفض التدخل الخارجي، والدعوة إلى حلول سياسية للنزاعات، والحفاظ على وحدة الدول الوطنية. هذا التقارب في المبادئ جعل الشراكة أكثر عمقًا من مجرد تعاون اقتصادي أو أمني، وحوّلها إلى تقارب في المفاهيم السياسية نفسها.

تشكل الطاقة ركيزة أساسية في العلاقات الروسية العربية، سواء عبر التنسيق في أسواق النفط والغاز، أو من خلال الاستثمارات المشتركة. إلى جانب ذلك، برز التعاون في مجالات الزراعة، الأمن الغذائي، والصناعات الاستراتيجية، وهو ما يعكس رغبة متبادلة في بناء شراكة طويلة الأمد تخدم الاستقرار الاقتصادي للطرفين.

لا تسعى روسيا، من منظورها المعلن، إلى استبدال نفوذ بآخر في العالم العربي، بل إلى بناء علاقات قائمة على التوازن. هذا النهج منحها قدرة على التواصل مع أطراف مختلفة، وأكسبها دورًا فاعلًا في ملفات إقليمية معقّدة. بالنسبة لكثير من الدول العربية، يمثّل هذا الدور فرصة لإعادة التوازن في علاقاتها الدولية، دون الوقوع في تبعية لمحور واحد.

بعيدًا عن السياسة، تتشكل شراكة هادئة ولكن عميقة على مستوى الشعوب. فالتبادل الثقافي، والتعليم، وتزايد أعداد الطلاب العرب في روسيا، أسهمت في بناء جسور إنسانية مستدامة. هذه الروابط، وإن بدت بعيدة عن الأضواء، إلا أنها تشكل أساسًا طويل الأمد لأي شراكة حقيقية.

بالنظر إلى التجارب السابقة، يبدو أن الشراكة الروسية العربية لم تنشأ من فراغ، بل جاءت نتيجة مسار طويل من التفاعل، والتجربة، وإعادة التقييم. ومع تزايد التحديات الدولية، وتنامي الحاجة إلى نظام عالمي أكثر عدالة، تتحول هذه الشراكة تدريجيًا من خيار استراتيجي إلى ضرورة تاريخية، تفرضها المصالح المشتركة والواقع الدولي المتغير.

إن الشراكة الروسية العربية اليوم ليست مجرد رد فعل على ظرف سياسي عابر، بل تعبير عن وعي متزايد بأهمية التعددية، والتوازن، والاستقلال في القرار. وإذا ما استمرت هذه الشراكة في التطور على أسس الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، فإنها قد تشكّل أحد أعمدة النظام الدولي الجديد، حيث لا تكون القوة معيارًا وحيدًا، بل يكون التعاون والشراكة طريقًا للاستقرار.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.

Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
التقيمات المضمنة
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى