السياسة والدبلوماسية بين مجابهة الميدان والتحكُم
الدكتور رعد البيدر
يواجه المتابع لشؤون الدول تحدياً معرفياً للإحاطة بكيفية صهر المصالح الوطنية في قالب واحد يجمع بين لغة الحوار وقوة السلاح. تبرز السياسة الخارجية منهجاً حركياً شاملاً يحدد مسار الدولة في بيئتها الدولية؛ كونها مرآة عاكسة للتوجهات الداخلية وامتدادها الطبيعي لما وراء الحدود. الدبلوماسية أداة تنفيذية لا تكتفي بتمثيل الدولة بل تسعى لتحقيق غاياتها القومية، مما يعني تداخل مهام العمل الدبلوماسي مع ظاهرتي السلم كحالة دائمة، والحرب كحالة موقتة مرتهنة بظرفية تختلف من مسببات ودوافع إلى أخرى. الحرب وفق منظور المفكر العسكري البروسي “كلاوزفيتز” استمراراً للسياسة ولكن بوسائل عنيفة كفعل ضاغط يهدف إلى إرغام الطرف الضعيف لتنفيذ مشيئة الطرف القوي، واضعاً القاعدة المعروفة بأن العن*ف العسكري ليس هدفاً بذاته، بل هو وسيلة لتحقيق غايات سياسية حين يعجز القلم وطاولة التفاوض عن تسويتها، فيقتحم الجندي ميدان القتال بإرادة سياسية، دون انقطاع الصلة بين الغاية السياسية والوسيلة العسكرية. الإشارة إلى ” بروسيا ” قد تتطلب نبذة مختصرة عنها كونها إمبراطورية تأسست في شرق أوربا الوسطى، وكانت القوة المهيمنة وراء تأسيس الإمبراطورية الألمانية عام 1871، قُلصَ نفوذها بعد الحرب العالمية الأولى، والغيت كدولة من قبل الحلفاء بعد الحرب العالمية الثانية، باعتبارها رمزاً للنزعة العسكرية الألمانية، وقسمت أراضيها بين ألمانيا، بولندا، وروسيا عام 1947.
تعتمد المفاوضات على مهارة وفن الإقناع لموازنة قوة الإكراه، مرتكزة على واقعية إدارة المصالح الوطنية للشعوب؛ بما يعيدنا إلى قناعة نابليون بجدلية استحالة وجود سياسة دون اندلاع حرب، معتبراً الحرب خياراً اضطرارياً لبقاء الدولة ومصالحها عند عجز محاولات السُبُل السلمية على حسم الخلافات. ورغم المطالبات بإلغاء الدبلوماسية السرية، أثبتت التجربة التاريخية أن سرية المداولات ضرورة فنية وأمنية لحماية التفاهمات؛ بذلك يبرز مفهوم “دبلوماسية الأبواب الخلفية ” كقنوات غير رسمية تضمن نضوج الاتفاقات بعيداً عن الضغوط العلنية، مما يعزز رؤية اللورد “إدوارد غراي” وزير الخارجية البريطاني الأسبق وأحد أبرز مهندسي الدبلوماسية إبان الحرب العالمية الأولى، إذ قال قبيل اندلاع الحرب : ” توشك الأنوار أن تنطفئ في جميع أنحاء أوربا “، وهو من أكدَ بأن كتمان المسائل الدولية الدقيقة يحميها من الانهيار المبكر قبل أوان كشفها.
فرضت التقنيات الحديثة تغيراً نوعياً في إدارة فن الحرب؛ فبينما كان ميدان القتال القديم يُدار بقتال المواجهة الشخصية وجهاً لوجه ونهاراً فقط، ثم تباعدت المسافات بين المتقاتلين وفقاً لتطور مديات الأسلحة من مسافات منظورة للعدو، ومن مسافات بعيدة تُخمن موقع الهدف المعادي وتُعدّل إدارة النيران عليه بطرق مختلفة، ثم كُسرَ حاجز الظلام بظهور معدات الرؤية الليلية ؛ فصار ميدان قتال ال 24 ساعة، حتى أفرز الواقع المعاصر ميداناً يخلو من الحضور الإنساني المباشر. ويكتفي بالتحكم الرقمي عن بُعد عبر طائرات مأهولة وأخرى مسيرة وصواريخ عابرة للقارات تستخدم بتنفيذ ضربات مدمرة من مديات بعيدة جداً في وقت قصير، مما قلص الزمن المتاح لاتخاذ القرار السياسي وضاعف مسؤولية القيادة أمام سرعة الاستجابة البرمجية. لم يعد الفضاء القتالي المعاصر بحاجة إلى متطلبات الشجاعة وقابلية التحمل البدني والتغلب على محددات طبيعة الأرض كونها مطالب ومعوقات تؤثر على سير المعارك ونتائجها، بذلك تغيرت المواجهة إلى الميدان البعيد ، وانخفض عدد المقاتلين ، وتبدلت نوعيات الأسلحة ومدياتها ليصبح “مُشغّلاً ومتابعاً “خلف الشاشات لا يحتاج أكثر من خبرة تشغيلية ومراقبة للأجهزة، وتعاظمت الحاجة لدبلوماسية سيبرانية ( رقمية ) تستخدم الأجهزة ( حاسبات ، هواتف ، شبكات انترنيت وبرامج وتطبيقات ) تضبط إيقاع استخدام أسلحة لا تُرى بالعين لكن أثرها يدمر مدناً بأكملها بضربة واحدة عن بُعد .
ننهي مراجعتنا الفكرية المبسطة إلى كون الدبلوماسية والسياسة الخارجية منظومة متكاملة؛ فالدبلوماسية تبقى الخيط الناظم والوسيلة الثابتة التي تعد للسلم وتواكب الحرب، سواء كانت في مجابهة الميدان التقليدية أو عبر التحكم الرقمي عن بُعد، لضمان تحويل الصدامات التقنية العنيفة إلى حلول سياسية تحفظ كيان الدولة.
الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.