مقالات

الاقتصاد السوري: عامٌ على المراوحة في المكان – منصور رفاعي

مرّ عامٌ كامل دون أن يشهد الاقتصاد السوري اختراقًا حقيقيًا يخرجه من حالة الجمود التي يعيشها منذ سنوات. فبين وعود التعافي، ومحاولات إعادة التموضع السياسي، ما يزال الواقع الاقتصادي يراوح في مكانه، مثقلًا بالأزمات البنيوية، ومكبّلًا بعوامل داخلية وخارجية حالت دون أي تحوّل ملموس في حياة السوريين.

أولًا: مؤشرات ثابتة… وأزمات متحركة

رغم مرور عام إضافي، لم تشهد المؤشرات الاقتصادية الأساسية تحسنًا يُذكر:

العملة المحلية ما تزال ضعيفة ومتقلبة

التضخم مستمر، خاصة في السلع الأساسية

القدرة الشرائية للمواطن في أدنى مستوياتها

البطالة، خصوصًا بين الشباب، بلا حلول جذرية

اللافت أن الأزمة لم تعد صادمة، بل مُطبّعة، أي باتت جزءًا من الحياة اليومية، وهو أخطر أشكال الانهيار الاقتصادي.

ثانيًا: غياب الرؤية الاقتصادية الواضحة

أحد أهم أسباب المراوحة هو غياب استراتيجية اقتصادية شاملة.
فالسياسات المتّبعة غالبًا ما كانت:

ردود فعل آنية

قرارات إدارية قصيرة الأمد

محاولات إسعافية بلا إصلاحات بنيوية

لم يُطرح حتى الآن مشروع اقتصادي واضح يجيب عن أسئلة أساسية:

ما هو نموذج الاقتصاد السوري؟

ما دور الدولة وما دور السوق؟

كيف سيتم جذب الاستثمار؟

ما هي أولويات إعادة الإعمار؟

ثالثًا: العقوبات… عامل ضاغط لكنه ليس الوحيد

لا شك أن العقوبات الدولية تلعب دورًا كبيرًا في خنق الاقتصاد:

تعقيد التحويلات المالية

شلل الاستيراد والتصدير

عزلة مصرفية خانقة

لكن تحميل العقوبات وحدها كامل المسؤولية يُخفي مشاكل أعمق، مثل:

الفساد المزمن

ضعف الإدارة

غياب الشفافية

تآكل الثقة بين الدولة والقطاع الخاص

رابعًا: تراجع الإنتاج بدل تعافيه

الاقتصاد لا يتعافى بالتصريحات، بل بالإنتاج.
وفي هذا الجانب، ما تزال سوريا تعاني من:

ضعف القطاع الزراعي بسبب ارتفاع التكاليف

شلل صناعي نتيجة نقص الطاقة والتمويل

بنية تحتية متهالكة

هجرة الكفاءات ورأس المال البشري

وهكذا، يستمر الاقتصاد في الدوران داخل حلقة استهلاك بلا إنتاج.

خامسًا: المساعدات بدل التنمية

اعتمد الاقتصاد السوري خلال العام الماضي بدرجة كبيرة على:

المساعدات الإنسانية

التحويلات الفردية من الخارج

الاقتصاد غير الرسمي

هذا النمط قد يُبقي الناس على قيد الحياة، لكنه لا:

يبني اقتصادًا

يخلق فرص عمل مستدامة

يعيد كرامة العيش

الفرق كبير بين النجاة والتعافي.

سادسًا: المواطن هو الخاسر الدائم

في ظل هذا الجمود:

تتآكل الطبقة الوسطى

يتسع الفقر

تتراجع الخدمات

وتزداد الفجوة بين الدخل والأسعار

المواطن السوري لم يعد يسأل عن النمو أو المؤشرات، بل عن:

كيف يعيش؟
كيف يؤمّن الغذاء والدواء؟
وكيف يصمد عامًا آخر؟

خاتمة: المراوحة كخطر استراتيجي

المشكلة لم تعد في الانهيار فقط، بل في الاعتياد عليه.
عامٌ آخر من المراوحة يعني:

ترسيخ اقتصاد هش

إضعاف أي فرصة نهوض لاحقة

تحويل الأزمة إلى واقع دائم

إن لم يُكسر هذا الجمود عبر:

إصلاحات حقيقية

مكافحة الفساد

رؤية اقتصادية واضحة

وإعادة الاعتبار للإنتاج

فإن الاقتصاد السوري سيبقى عالقًا… لا ينهار تمامًا، ولا يتعافى أبدًا.

خلاصة مركزة:

الاقتصاد الذي لا يتحرك لا يبقى ثابتًا، بل يتآكل ببطء.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.

Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
التقيمات المضمنة
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى