أيادٍ بين الضمير والسلطة – هدى زوين
في زمنٍ ما، تحرّكت جيوشٌ سبقت قياداتها بنظامٍ متمرّس، مدعومة بإيمانٍ راسخ بقدرة الوطن على النهوض من بين الركام. كانت الأيادي تبني، والعقول تُخطّط، والقلوب تخفق بحبّ الأرض التي أنجبت الأبطال وخلّدت الأمجاد. كان الوطن آنذاك حصنًا من عزيمة لا تُقهر، لا يخرج منه إلا من خان أو تخلّى عن الشرف.
لكن مع مرور الزمن، بدأت الملامح تتبدّل. تسرّب الوهن إلى الصفوف، وظهر بيننا من يشبه الرجال في المظهر، لكنه بعيد كل البعد عن معدنهم الأصيل. رفعوا رايات الإصلاح، وتغنّوا بشعارات الوطنية، وتحدّثوا كثيرًا عن النزاهة، لكنهم حوّلوا الوطن إلى ساحة لتقاسم النفوذ والمصالح. صار الحصن الذي حمى الأحرار، مسافةً قاسية بين من يضحّون من أجل الوطن، ومن يتاجرون باسمه.
إنها مسافة من نوعٍ آخر… ليست من الرمل أو الحجر، بل من الفساد والطمع والصمت المريب. مسافة تُخفي خلفها وجوهًا تبتسم أمام الكاميرات، وتطعن في الخفاء. في زمنٍ كهذا، صار الشرف عملة نادرة، والصدق يُكافأ بالإقصاء، والحق يُدفن تحت أقدام المصالح.
لقد اعتاد هؤلاء بيع الوهم للناس. يتحدثون عن حبّ الوطن وكأنه خطاب موسمي، يرفعونه حين يحتاجون الأصوات، ويُسقطونه حين يتقاسمون الغنائم. يملؤون الشاشات بالكلمات الجميلة، لكنهم في العمق يعيشون في العتمة، حيث لا نور ولا ضمير. أمّا الوطن، فقد صار رهينةً بين أيديهم، يصرخ ولا يسمع أحد صوته.
ومع كل هذا الظلام، يبقى في هذا الوطن رجال ونساء من طين الصبر وأرواح من ضوء، لا يخافون العتمة ولا يبيعون مواقفهم. أولئك الذين ما زالوا يؤمنون أن الأوطان تُبنى بالضمير لا بالمصالح، وبالصدق لا بالخطابات. هم الجنود المجهولون في زمنٍ فقد ملامحه، يحملون وجع الأرض في صدورهم ولا يطلبون ثمنًا.
ليست القضية حفرة في الأرض، بل مسافة فاصلة بين الضمير والسلطة، بين الكلمة الصادقة والوعود الكاذبة. وكلما اتّسعت هذه المسافة، ازداد ثقل الحقيقة، وصعب الوصول إليها.
لكنّ التاريخ لا يرحم، والوطن لا يُباع، والأجيال لا تُخدع إلى الأبد. فمهما طال ليل الخيانة، ستشرق شمس الوعي، ومهما تعاظمت الجراح، سيأتي يوم يضمدها الأحرار بخطواتهم الثابتة.
ذلك اليوم، لن يكون للمدّعين مكان، لأن الأوطان لا تُبنى بالتصريحات ولا بالشعارات، بل بالضمير، وبالصدق، وبمن يجعل من حبّ الوطن عقيدةً لا مصلحة. وحتى يحين ذلك اليوم، سيبقى الصوت الحرّ يكتب، يصرخ، ويفضح ما خفي خلف الجدران.
فـ أيادٍ بين الضمير والسلطة ليست قدرًا… بل صراعًا لا يُحسم إلا بوعي الأحرار.
الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.