ولاية القضاء الدستوري على الصمت التشريعي – إياس الساموك
اطلعتُ على رأيٍ مهم للدكتور أحمد طلال عبد الحميد البدري، تناول فيه ضرورة مدّ رقابة القضاء الدستوري إلى حالة الصمت التشريعي، التي تتحقق عند إحجام مجلس النواب عن تشريع قانون أو تعديل قانون نافذ.
وعلى الرغم من أهمية هذا الرأي وقوة الحجج التي استند إليها، ولا سيما عند الاستناد إلى تجربة القضاء الدستوري في ألمانيا، إلا أنه يقابله رأيٌ آخر أشار إليه الكاتب في مقاله، مؤداه أن بسط ولاية القضاء الدستوري على الصمت التشريعي قد يشكل مساساً بمبدأ الفصل بين السلطات، لما ينطوي عليه من إحلالٍ لسلطة القضاء محلّ سلطة مجلس النواب في تقدير الحاجة إلى التشريع وتوقيته.
وبعيداً عمّا تقدّم، فإن ما لفت انتباهي فيما أورده الكاتب الكريم هو أن امتداد ولاية القضاء الدستوري إلى حالة الصمت التشريعي لا يمكن اعتباره إحلالاً لإرادة القضاء محلّ إرادة المشرّع، ما دام القرار النهائي يبقى بيد السلطة التشريعية في جميع الأحوال، على اعتبار أن دور القضاء لا يتجاوز لفت نظرها إلى هذا الجانب. غير أن هذا الامتداد قد يرتّب، في المقابل، مسؤوليةً سياسية على عاتق السلطة التشريعية إذا ما أصرت أو قررت عدم ضرورة التشريع، رغم تطوّر الأحداث والوقائع السياسية والاقتصادية التي تبرّر إصداره.
ويقودنا هذا الرأي إلى طرح التساؤلات الآتية: ما هي طبيعة القرار الذي قد يصدر عن القضاء الدستوري، ممثَّلاً بالمحكمة الاتحادية العليا، عند لفت نظر السلطة التشريعية إلى ضرورة تشريع قانون معيّن؟ فمن حيث المبدأ، يكون هذا القرار بطبيعته قراراً قضائياً، أسوةً بسائر القرارات التي تصدرها المحكمة.
وتتمتع هذه القرارات بصفتين جوهريتين نصّ عليهما الدستور صراحةً في المادة (94) منه؛ الأولى هي البتات، أي كونها نهائية وغير قابلة لأي طريق من طرق المراجعة القضائية، والثانية هي الإلزام لكافة السلطات، بما يعني عدم جواز تنصّل الجهة المعنية من تنفيذها أو الامتناع عنه.
وانطلاقاً من ذلك، فإنني أُعدّ من أشدّ المعارضين لإصدار أحكام من القضاء الدستوري تتضمن مجرّد توصيات موجّهة إلى إحدى السلطات، ذلك أن طبيعة التوصية بطبيعتها غير ملزمة، في حين أن الدستور لم يُخوِّل المحكمة الاتحادية العليا سوى إصدار قرارات باتّة وملزمة.
ومن خلال اطلاعي على آراء الفقه الدستوري، وجدتُ أن أكبرَ تحدٍّ يواجه القضاء الدستوري يتمثل في إصدار قرارات قابلة للتنفيذ في الواقع العملي، إذ إن افتقادها لهذه القابلية يجعلها مجرّد أحكام تبقى حبراً على ورق.
كما يثير طرحُ الكاتب تساؤلاً آخر، مفاده: ما طبيعة المسؤولية السياسية التي يمكن أن تترتب على مجلس النواب في حال امتناعه عن الأخذ بقرار المحكمة الاتحادية العليا؟ وما الأثر الذي قد تخلّفه هذه المسؤولية على الصعيد الواقعي؟ وهل يترتب على ذلك إجراءٌ معيّن، أم يظل الأمر في إطار موقفٍ قد يتخذه الناخب؟ ثم إلى أي مدى يمكن أن يتأثر الناخب بعدم التزام مجلس النواب بتنفيذ قرارات المحكمة؟
ومع ذلك، أجد نفسي في نهاية المطاف أُثمّن توجه الكاتب، الذي سعى من خلال طرحه إلى استكشاف حلول لمعالجـة ظاهرتين يعاني منهما النظام الدستوري العراقي، والمتمثلتين في الامتناع التشريعي والصمت التشريعي.
باحث دكتوراه في القانون الدستوري
الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.