آراء متنوعة

“مجرد كلام” اليمن… حرب انتهت وسلام مؤجل!!

عماد آل جلال

لم تعد الحرب في اليمن، كما يُخيّل للبعض، حرباً دائرة بمدافعها وطائراتها فقط، بل تحوّلت إلى حالة سياسية مزمنة، أشبه بـ”سلام معطوب” تُدار فيه الصراعات بالأدوات نفسها ولكن تحت عناوين مختلفة. فالمعارك الكبرى خفتت، غير أن جذوة الصراع لم تنطفئ، بل أعادت إنتاج نفسها داخل المعسكر الواحد، وبين حلفاء الأمس، وعلى خرائط النفوذ لا خطوط الجبهات.

بعد أكثر من عقد على اندلاع الحرب، يمكن القول إن اليمن دخل مرحلة ما بعد الحرب العسكرية، من دون أن يدخل مرحلة السلام. شمال البلاد استقر – قسراً – تحت سلطة جماعة أنصار الله، فيما الجنوب يتنازع هويته السياسية بين دولة مؤجلة، وسلطة أمر واقع، وحكومة معترف بها دولياً لا تمتلك من اعترافها سوى الاسم. وبين هذا وذاك، يتبدد مفهوم “الدولة اليمنية” ليحل محله واقع التشظي الوظيفي.

التحوّل الأبرز اليوم هو انتقال الصراع من مواجهة واضحة المعالم إلى صراع داخل التحالف نفسه. فالقوى التي رفعت شعار “استعادة الدولة” وجدت نفسها تتنازع على تعريف هذه الدولة: أهي يمن موحد بسلطة مركزية؟ أم جنوب مستقل بهوية سياسية مختلفة؟ أم مجرد أقاليم منزوعة السيادة تُدار بالنيابة؟
المجلس الانتقالي الجنوبي لم يعد يخفي طموحه في استعادة دولة الجنوب السابقة، مستنداً إلى خطاب المظلومية التاريخية، وإلى سيطرة فعلية على عدن وموانئ حيوية. في المقابل، تتمسك الحكومة اليمنية بوحدة البلاد، لا انطلاقاً من قوة داخلية، بل من شرعية دولية باتت معلّقة في الفراغ. أما الحوثيون، فقد استفادوا بهدوء من هذا التشظي، ونجحوا في تثبيت معادلة “السلطة المستقرة مقابل الفوضى المتنقلة”، وهو مكسب سياسي لا يقل أهمية عن أي انتصار عسكري.

إقليمياً، لم يعد خافياً أن تباين الأولويات بين الداعمين انعكس مباشرة على الأرض. فبين من يفكر بمنطق أمن الحدود، ومن ينظر إلى الموانئ وخطوط التجارة، تاه اليمن بين الحسابات، ودفع ثمن كونه ساحة لا دولة. وهكذا، صار الجنوب مسرحاً لتصفية الخلافات غير المعلنة، وصارت حضرموت والمهرة عناوين صراع لا يقل خطورة عن صنعاء أو الحديدة.

النتيجة المؤلمة أن اليمن اليوم أقرب إلى جغرافيا بلا سيادة، وسلطة بلا مشروع وطني جامع. لا أحد يملك رؤية متكاملة لليمن ما بعد الحرب، وكل طرف يتصرف وفق مصلحته الآنية، لا وفق مآلات الاستقرار. وفي ظل هذا المشهد، يبقى المواطن اليمني الخاسر الأكبر: دولة غائبة، واقتصاد منهك، وسلام مؤجل إلى أجل غير مسمى.

اليمن لا يحتاج اليوم إلى هدنة جديدة، بل إلى إعادة تعريف شجاعة: شجاعة الاعتراف بأن الحرب انتهت من دون منتصر، وأن السلام لن يولد من رحم الغلبة، بل من توافق إقليمي ودولي يضع مصلحة اليمن فوق خرائط النفوذ. وإلى أن يحدث ذلك، سيبقى اليمن واقفاً في المنطقة الرمادية… لا حرب تُحسم، ولا سلام يُولد.

 

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.

Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
التقيمات المضمنة
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى