مقالات

الخداع النفسي في جرائم الاحتيال ماذا قال القضاء العراقي عن

قرار قضائي عراقي يوسّع مفهوم الخداع ويكشف خطورة الإيحاء في جرائم الاحتيال

لم تعد جرائم الاحتيال في العراق تتخذ دائماً شكلها التقليدي المعروف؛ ذلك الشكل الذي يقوم على الكذب المباشر أو تزوير الوثائق أو الوعود الزائفة الظاهرة للعيان. فبعض أساليب الاحتيال الحديثة باتت تستهدف الإنسان من الداخل، عبر التأثير النفسي والإيحاء، لتدفع الضحية إلى تسليم المال بإرادتها الظاهرية، وهي تظن أنها تتصرف على نحو طبيعي.

ومن بين أكثر الوقائع القضائية إثارة للانتباه، قرار صادر عن محكمة استئناف بابل/الهيئة التمييزية، يثبت أن التنويم المغناطيسي لم يعد مجرد موضوع يُطرح بوصفه “ظاهرة نفسية” أو “قصة شعبية”، بل تحول ـ بحسب ما جاء في القرار ـ إلى وسيلة احتيالية استُخدمت للاستيلاء على أموال ومصوغات ذهبية.

أولاً: واقعة الج#ريم*ة… حين يصبح “العقل” أداة السلب

تتمحور القضية حول مجنى عليها تم خداعها من قبل المتهم، بعد أن أوهمها بوجود عملية تداول أو تبديل عملة ذات قيمة عالية، وبحسب ما ثبت للمحكمة فإن الخداع لم يكن مجرد إقناع عادي أو كلام منمق، بل تضمن استخدام التنويم المغناطيسي كوسيلة للتأثير المباشر على المجنى عليها.

والخطر في هذا النوع من الجرائم أنه لا يعتمد على الإكراه المادي، ولا يشترط وجود تهديد أو عن*ف أو سلاح. بل تكمن خطورته في أنه يُنتج “رضا ظاهرياً” لدى الضحية، ناتجاً عن حالة نفسية تجعلها أكثر قابلية لتلقي الإيحاء، وأكثر استعداداً للتصرف وفق ما يريده الجاني دون مقاومة داخلية كافية.

ثانياً: موقف محكمة الجنح… إدانة وعقوبة مشددة

أصدرت محكمة جنح القاسم حكمها بإدانة المتهم وفرضت عليه الحبس الشديد لمدة ثلاث سنوات وفق أحكام المادة (456/1/1) من قانون العقوبات العراقي، مع احتساب مدة توقيفه.

ولم يكن الحكم مجرد قرار شكلي، بل جاء مبنياً على قناعة المحكمة بتوافر أركان ج#ريم*ة الاحتيال، وثبوت الاستيلاء على المال والمخشلات الذهبية نتيجة الخداع الذي مارسه المتهم بحق المجنى عليها.

ثالثاً: الطعن التمييزي… والمحكمة تؤكد سلامة الإدانة

قام وكيل المتهم بالطعن بالحكم أمام محكمة استئناف بابل بصفتها التمييزية، أملاً بإلغاء الإدانة أو تخفيف العقوبة. إلا أن المحكمة التمييزية تعاملت مع الطعن على أساسين:
1. من الناحية الشكلية: قررت أن الطعن مقدم ضمن المدة القانونية.
2. من الناحية الموضوعية: وجدت أن الحكم البدائي صحيح وموافق للقانون.

وقد أكدت المحكمة أن الأدلة في الدعوى متساندة ومتماسكة وأنها تُنتج قناعة قضائية مطمئنة بصحة الإدانة.

رابعاً: الأدلة… لماذا اعتبرت المحكمة الواقعة “احتيالاً ثابتاً”؟

استند القرار إلى مجموعة من الأدلة ذات الطابع العملي والواقعي، ولم يكتف بأقوال طرف واحد، ومن ذلك:
• أقوال المشتكية بوصفها المجنى عليها.
• محضر ضبط العملة (العملة البيلاروسية موضوع القضية).
• كتاب صادر من البنك المركزي العراقي يبيّن حقيقة العملة بعد فحصها.
• اعتراف المتهم بأنه قام بالاحتيال بالتنويم المغناطيسي وتسلم المال والمصوغات.

وهنا تبرز أهمية القرار؛ إذ إن اعتراف المتهم ـ مقروناً بوجود أدلة مادية وفنية ـ يجعل الواقعة خارجة عن دائرة “الاحتمال” أو “الوهم”، وداخلة في نطاق الج#ريم*ة التي ثبتت أركانها ووسيلتها ونتيجتها.

خامساً: التنويم المغناطيسي… بين العلم والاستغلال الإجرامي

من الناحية العلمية، لا يُعد التنويم المغناطيسي “سحراً” كما يعتقد البعض، بل هو حالة نفسية قد تجعل الإنسان أكثر قابلية لتلقي الإيحاء، وأقل ميلاً للمقاومة النقدية المعتادة، خاصة إذا كانت هناك عوامل مساعدة مثل الثقة العالية لدى الطرف الآخر، أو أساليب تواصل نفسية منظمة، أو ظرف نفسي لدى الضحية.

غير أن الإشكال لا يتمثل في التنويم ذاته بصفته ممارسة علاجية في بعض السياقات، وإنما في تحويله إلى أداة للج#ريم*ة عندما يُستخدم لإضعاف مقاومة الضحية ودفعها لتسليم أموالها وممتلكاتها دون إدراك كامل للحقيقة.

سادساً: الدلالة القانونية… توسع مفهوم “الخداع” في جرائم الاحتيال

تكمن أهمية هذا القرار في أنه يبعث برسالة قضائية واضحة مفادها:
أن “الخداع” في ج#ريم*ة الاحتيال لا يقتصر على الكذب اللفظي أو الوسائل التقليدية، بل يمكن أن يتحقق عبر أساليب نفسية تؤدي ذات النتيجة القانونية، وهي تسليم المال نتيجة التغرير والإيهام.

وبذلك فإن القضاء العراقي ـ من خلال هذا القرار ـ يضع إطاراً عملياً لمواجهة الجرائم التي تتطور أدواتها دون أن يتغير جوهرها: الاستيلاء على مال الغير بغير حق عبر وسائل خداع مؤثرة.

سابعاً: الدلالة الاجتماعية… الضحية ليست “ساذجة”

في الكثير من قضايا الاحتيال، تُواجه الضحية أحياناً بنوع من اللوم الاجتماعي: “كيف صدّقت؟”، “لماذا سلّمت؟”، “كيف انخدعت؟”.
لكن الوقائع التي تقوم على التأثير النفسي والإيحاء تفرض وعياً مختلفاً: فالمسألة لا تتعلق بالسذاجة وحدها، بل قد تكون مرتبطة بآليات نفسية معقدة يستغلها الجاني بمهارة.

ولهذا فإن تثبيت هذا النوع من الجرائم قضائياً يساهم في رفع الحرج عن الضحايا، ويعزز مبدأ أن العدالة لا تقف عند شكل الفعل، بل تبحث في جوهره وأثره ووسيلته.

الخاتمة: حين يسرقك البعض وأنت لا تشعر

إن هذا القرار لا يمثل واقعة عابرة، بل يمثل “جرس إنذار” قانونياً ومجتمعياً:
فليس كل من يسرق المال يحتاج إلى قوة أو سلاح… بعضهم قد يسرقه عبر اختراق الإرادة بإيحاء نفسي.

ومن هنا تتأكد أهمية تطوير الوعي العام، والتعامل مع الاحتيال كج#ريم*ة قد ترتدي أشكالاً جديدة، بينما يبقى القانون ـ والقضاء ـ قادراً على مواجهتها متى ما توفرت الأدلة وتساندت القرائن وثبتت الحقيقة.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.

Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
التقيمات المضمنة
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى