مقالات

لغة الحوار الثقافي: الجسر الثقافي الروسي العربي 

في عالم تتداخل فيه المصالح وتتباين فيه المواقف السياسية، يبقى الحوار الثقافي والجسر الثقافي واحدًا من أكثر الجسور ثباتًا بين الشعوب. فالثقافة لا تُدار بالبيانات الرسمية ولا تُقاس بتحولات السلطة، بل تُبنى على الذاكرة، واللغة، والفن، والمعرفة المشتركة. وهكذا، تشكّل اللغة الثقافية اليوم جسرًا متينًا بين روسيا والعالم العربي، جسرًا لا تصنعه الصفقات، بل يصنعه الإنسان.

لقد أثبتت السنوات الأخيرة أن العلاقات الروسية العربية ليست مجرد علاقات دبلوماسية عابرة، بل هي علاقة تتغذى من التاريخ، والعلم، والأدب، واللغة، والتبادل الإنساني. الجامعات الروسية التي تستقبل آلاف الطلاب العرب، والمؤسسات الثقافية التي تنظّم معارض وندوات مشتركة، والمترجمون الذين ينقلون الأدب من الروسية إلى العربية والعكس، كلها تصب في بناء هذا الجسر الثقافي الطويل.

لغة الحوار الثقافي بين الروس والعرب لا تقوم على التشابه فقط، بل على الاعتراف بالاختلاف أيضًا. فكل طرف يحمل تاريخًا وحضارة وتجربة خاصة، لكنهما يلتقيان في القيم الإنسانية المشتركة: احترام المعرفة، تقدير الأدب والفن، الإيمان بدور الإنسان في صناعة مستقبله. هذا النوع من الحوار لا يلغي الخصوصيات، بل يحولها إلى مصدر ثراء متبادل.

كما يفتح الجسر الثقافي الروسي العربي المجال أمام فهم أعمق للآخر بعيدًا عن الصور النمطية. الثقافة تجعلنا نرى الإنسان خلف العناوين السياسية؛ نرى الموسيقى والشاعر والعالم والطالب والمثقف والفنان والرسام لا فقط الدولة والنظام.

فالروائيون الروس الكبار الذين تُترجم أعمالهم للعربية، والمفكرون العرب الذين يحاضرون في الجامعات الروسية، يؤكدون أن المعرفة لا تعرف الحدود.

لقد لعبت الترجمة دورًا مركزيًا في هذا الحوار. فكل كتاب ينتقل من العربية إلى الروسية، أو من الروسية إلى العربية، هو سفير صامت بين الشعبين. وكل طالب عربي يعيش تجربة الدراسة في روسيا يحمل معه بعد عودته ليس شهادة فقط، بل رؤية جديدة للعالم، وفهمًا أعمق للثقافة الروسية، تمامًا كما يحمل الطالب الروسي في بلد عربي صورة حيّة عن الثقافة العربية.

ولا يمكن إغفال دور الفنون في ترسيخ هذا الجسر: الموسيقى، المسرح، السينما، والفنون التشكيلية كلها لغات عالمية تتجاوز الجغرافيا والاختلافات السياسية. حين يجلس الروسي والعربي في قاعة واحدة لمشاهدة عرض باليه أو فيلم أو أمسية شعرية، فإنهما يتحدثان لغة واحدة: لغة الإنسان.

إن الجسر الثقافي الروسي العربي لا يُبنى في يوم ولا تهدمه أزمة عابرة. فهو نتاج تراكم طويل من التواصل والتعليم والتبادل الفكري. وربما تختلف السياسات بين زمن وآخر، لكن الثقافة تبقى الأعمق تأثيرًا والأطول عمرًا، لأنها تخاطب القلب والعقل معًا.

في زمن تحتاج فيه الإنسانية إلى مزيد من التفاهم بدل الصراع، تبدو لغة الحوار الثقافي بين روسيا والعالم العربي أكثر أهمية من أي وقت مضى. فهي ليست مجرد خيار فكري، بل ضرورة إنسانية لحماية الذاكرة المشتركة، وبناء مستقبل قائم على المعرفة والاحترام المتبادل.

إن الجسور الحقيقية لا تُبنى من الحجر، بل من الكلمة والفكرة والإنسان وهذا ما يصنعه الحوار الثقافي الروسي العربي اليوم.

بإخلاص: فؤاد أحمد عايش

مؤسس ورئيس مبادرة الجسر الثقافي الروسي العربي

Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
التقيمات المضمنة
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى