مقالات

الإعلام المأسور والصراع على الهوية الوطنية في العراق: قراءة

الإعلام المأسور والصراع على الهوية الوطنية في العراق: قراءة في دور الصحافة بين الاستقطاب السياسي والسلم الأهلي
بقلم: عدي حاتم
صحفي وكاتب عاقي مغترب
تُجمع الأدبيات المعاصرة في علوم الإعلام والاتصال السياسي على أن وظيفة الصحافة في المجتمعات الديمقراطية لا تقتصر على نقل الأخبار، بل تمتد إلى أداء دور الوسيط بين الدولة والمجتمع، ومراقبة السلطة، والمساهمة في تشكيل فضاء عام يسمح بتداول الأفكار والمصالح بصورة سلمية. غير أن هذه الوظائف تتعرض للتشويه عندما تقع المؤسسات الإعلامية تحت هيمنة القوى السياسية أو الاقتصادية أو الأيديولوجية، وهي الحالة التي يصفها الباحثون بمفهوم “أسر الإعلام” (Media Capture).
وفي الحالة العراقية، تبدو هذه الإشكالية أكثر تعقيداً بسبب طبيعة النظام السياسي الذي تشكل بعد عام 2003، وما رافقه من صعود قوى حزبية وطائفية وإثنية امتلكت، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، شبكات إعلامية واسعة. وبدلاً من تطور المجال الإعلامي بوصفه فضاءً مستقلاً عن مراكز القوة، أصبح جزء مهم منه مندمجاً في بنية الصراع السياسي ذاته، الأمر الذي انعكس على طبيعة الخطاب الإعلامي وعلى دوره المجتمعي.
إن المشكلة الأساسية لا تكمن في وجود وسائل إعلام ذات توجهات سياسية، فهذه ظاهرة معروفة في معظم دول العالم، وإنما في غياب الحدود الفاصلة بين العمل الصحفي والعمل الدعائي. فحين تتحول المؤسسة الإعلامية إلى أداة تعبئة سياسية، وتتراجع المعايير المهنية أمام اعتبارات الولاء والانتماء، يصبح إنتاج المعرفة العامة خاضعاً لموازين القوة أكثر من خضوعه لمعايير الحقيقة والتحقق.
وتزداد خطورة هذه الظاهرة في المجتمعات المنقسمة أو الخارجة من النزاعات، حيث يمتلك الإعلام قدرة استثنائية على إعادة تشكيل الهويات الجماعية وتوجيه الإدراك العام. وقد أظهرت تجارب دولية عديدة أن الخطاب الإعلامي يمكن أن يكون عاملاً حاسماً في بناء السلام كما يمكن أن يصبح أداة لتأجيج الصراعات. ففي تجربة البلقان خلال تسعينيات القرن الماضي، لعبت بعض وسائل الإعلام دوراً بارزاً في تعزيز النزعات القومية المتطرفة وتغذية الكراهية المتبادلة بين المكونات العرقية، الأمر الذي ساهم في تعميق الانقسامات المجتمعية خلال الحروب التي شهدتها المنطقة.
أما المثال الأكثر حضوراً في الأدبيات الأكاديمية فهو تجربة رواندا، حيث أظهرت الدراسات اللاحقة أن بعض المنابر الإعلامية لم تكن مجرد ناقل للأحداث، بل تحولت إلى أدوات تعبئة وتحريض ساهمت في خلق المناخ النفسي والاجتماعي الذي سبق أعمال العن*ف الجماعي. ولهذا السبب اعتُبر التحريض الإعلامي جزءاً من منظومة المسؤولية التي خضعت للمساءلة القانونية بعد انتهاء المأساة.
وفي ضوء هذه التجارب، يصبح من المشروع التساؤل عن طبيعة الدور الذي يؤديه الإعلام العراقي اليوم في ظل الاستقطاب السياسي الحاد والتنافس الإقليمي على النفوذ داخل العراق. فالكثير من المؤسسات الإعلامية لا تعمل في بيئة وطنية خالصة، بل تتحرك ضمن شبكات معقدة من التمويل والولاءات والارتباطات السياسية التي تتقاطع أحياناً مع مشاريع إقليمية متنافسة. ونتيجة لذلك، يتحول الخطاب الإعلامي في بعض الأحيان إلى انعكاس لصراعات المحاور الخارجية أكثر من كونه تعبيراً عن المصالح الوطنية العراقية.
وتتمثل إحدى النتائج الخطيرة لهذه الحالة في إعادة إنتاج الانقسامات الطائفية والإثنية داخل المجال العام. فبدلاً من تعزيز مفهوم المواطنة الجامعة، يجري أحياناً تكريس الهويات الفرعية بوصفها الإطار الأساسي لفهم السياسة والمجتمع. كما يُستخدم خطاب التخوين والشيطنة والتعبئة العاطفية بطريقة تؤدي إلى تقويض الثقة المتبادلة بين الجماعات المختلفة، وهو ما يتعارض مع المتطلبات الأساسية لبناء دولة مستقرة ومجتمع متماسك.
ولا يعني ذلك التقليل من أهمية حرية التعبير أو الدعوة إلى فرض قيود على التعددية الإعلامية، بل على العكس. فالتجارب المقارنة تشير إلى أن الحل لا يكمن في تقييد الإعلام، وإنما في تعزيز استقلاليته المؤسسية، وترسيخ أخلاقيات المهنة، وتطوير الأطر القانونية التي توازن بين حرية التعبير ومنع التحريض على الكراهية والعن*ف. فالمجتمعات الديمقراطية لا تحاسب الصحفي على رأيه السياسي، لكنها تضع حدوداً واضحة أمام الخطابات التي تهدد السلم الأهلي أو تحرض على التمييز والعن*ف ضد الأفراد والجماعات.
إن مستقبل الاستقرار في العراق لا يرتبط بالإصلاح السياسي وحده، بل يتوقف أيضاً على طبيعة المجال الإعلامي الذي يشكل وعي المواطنين وإدراكهم للواقع. فكلما ازداد استقلال الإعلام عن مراكز النفوذ الضيقة، ارتفعت قدرته على أداء دوره بوصفه مؤسسة عامة تخدم المجتمع بأكمله. أما استمرار حالة الأسر السياسي والطائفي للإعلام، فإنه لا يهدد فقط مهنية الصحافة، بل يهدد كذلك فرص بناء هوية وطنية جامعة قادرة على تجاوز الانقسامات والصراعات التي أثقلت كاهل الدولة العراقية لعقود طويلة.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.

Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
زر الذهاب إلى الأعلى