مقالات

مواجهة دبلوماسية أم اعتراض شكلي؟ – علي ابوحبله

بقلم: المحامي علي أبو حبلة
في تطور سياسي لافت، أعلنت حكومة الاحتلال الإ*سر*ائي*لي رفضها للتركيبة التي أعلنتها الولايات المتحدة للمجلس التنفيذي لغ*ز*ة المنبثق عن “مجلس السلام”، معتبرة أن تشكيله جرى من دون تنسيق معها ويتعارض مع سياساتها. وجاء بيان مكتب رئيس حكومة الاحتلال، بنيامين نتنياهو، مساء السبت، ليؤكد وجود خلاف علني مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن إدارة ملف غ*ز*ة بعد الحرب، رغم أن تل أبيب كانت الطرف الأشد استفادة من المسار الأميركي خلال الأشهر الماضية.
ولم تمضِ ساعات على إعلان البيت الأبيض عن أسماء المجلس التنفيذي، حتى أوعز نتنياهو لوزير خارجيته غدعون ساعر بالتحرك دبلوماسياً والتحدث مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو. وبحسب مصادر إعلامية عبرية، فإن التركيبة التي ضمت شخصيات من تركيا وقطر ومصر، أثارت غضب تل أبيب التي طالما سعت إلى تحييد أنقرة والدوحة عن أي مسار سياسي يرتبط بغ*ز*ة.
هذا في وقت أكد فيه مصدر أميركي رفيع للقناة 12 العبرية أن واشنطن لم تنسق مع نتنياهو، قائلاً إن “غ*ز*ة الآن شأننا وليست شأنه”، وإن على تل أبيب أن “تركز على إيران وتترك لواشنطن إدارة غ*ز*ة”. ويكشف هذا التصريح عن تحوّل نوعي في السياسة الأميركية تجاه الاحتلال، و يشير إلى انتقال واشنطن من مرحلة التنسيق والتشاور إلى الإملاء وفرض الإيقاع السياسي على تل أبيب.
ورغم ذلك، نقلت صحيفة “هآرتس” عن مصدر مطلع أن اعتراض نتنياهو “شكلي”، وأن التركيبة الأميركية تتماشى في الجوهر مع رؤيته، ما يفتح الباب أمام فرضية أن الاعتراض الإ*سر*ائي*لي يهدف إلى تجنب اتهامات داخلية بالتفريط أو التنازل أمام الإدارة الأميركية.
وبين التفسيرين، تبدو واشنطن مصممة على قيادة المرحلة الانتقالية في غ*ز*ة، بما يتجاوز حسابات الاحتلال ومتطلبات حكومته اليمينية، التي باتت محاصرة بين ضغط المعارضة الداخلية واشتراطات اليمين المتطرف والاستحقاقات الأمنية والعسكرية.
وفي السياق ذاته، حمّل رئيس المعارضة الإ*سر*ائي*لية يائير لبيد نتنياهو المسؤولية قائلاً إن “هذا فشل سياسي ذريع لحكومة نتنياهو بعد تضحيات الجنود وقادة الجيش”، منتقداً استمرار غياب رؤية سياسية للحكومة بعد الحرب على غ*ز*ة.
ومع أن تصريح لبيد يأتي في إطار المزايدة الداخلية، إلا أنه يعيد تسليط الضوء على عمق المأزق الإ*سر*ائي*لي في مرحلة ما بعد الحرب، في ظل عجز تل أبيب عن بلورة نموذج حكم بديل أو استراتيجية لما يسمى “اليوم التالي”، الأمر الذي سمح لواشنطن بملء الفراغ.
يتزامن الاعتراض الإ*سر*ائي*لي مع إعلان واشنطن عن تركيبة “مجلس السلام” المتوافق عليها دولياً بموجب قرار مجلس الأمن (2803/2025)، الذي أقرّ خطة ترامب ذات البنود العشرين لإنهاء الحرب في القطاع، والشروع بمرحلة إعادة الإعمار، وتعبئة الموارد الدولية، وتوفير الإشراف السياسي والدبلوماسي على المرحلة الانتقالية.
وضمت الهيئة التنفيذية التأسيسية شخصيات ذات حضور وتأثير في ملفات الشرق الأوسط، من بينها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ووزير خارجيته ماركو روبيو، والمبعوث ستيف ويتكوف، وجاريد كوشنر، ورئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، والملياردير الأميركي مارك روان، ورئيس البنك الدولي أجاي بانغا، إلى جانب نائب مستشار الأمن القومي الأميركي روبرت غابرييل.
كما ضمت تركيبة المجلس التنفيذي لغ*ز*ة شخصيات من تركيا وقطر ومصر والإمارات وقبرص والأمم المتحدة، بينها وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، ومدير المخابرات المصرية حسن رشاد، والوزيرة الإماراتية ريم الهاشمي، والمبعوثة الأممية سيغريد كاغ.
ومن الواضح أن هذه التركيبة تعكس شبكة مصالح أميركية واسعة تمتد بين السياسي والاستثماري والأمني والدبلوماسي، بما يؤكد أن الإدارة الأميركية تتجه لإدارة ملف غ*ز*ة على قاعدة الاستثمار السياسي والاقتصادي طويل الأمد، وليس مجرد وقف للحرب أو إعادة للتأهيل الإنساني.
هذا في الوقت الذي يجري فيه الحديث عن “نزع السلاح” و”إعادة الإعمار” و”التنمية”، يغيب السؤال الجوهري: هل تفضي هذه الهندسة السياسية إلى دولة فلسطينية كاملة السيادة أم إلى إدارة انتقالية تحت الوصاية الدولية والإقليمية؟
وعليه ووفق كل ذلك إن الاعتراض الإ*سر*ائي*لي على تركيبة مجلس السلام لا يعكس خلافاً بنيوياً بقدر ما يؤشر إلى صراع على من يملك قرار غ*ز*ة في المرحلة المقبلة.
وأن واشنطن تطرح رؤية تتجاوز الاحتلال، لكنها لا تتجاوز مصالحه؛ إذ تمنحه الأمن وتدير السياسة بدلاً عنه. وأن إس*رائي*ل تواجه ارتباك مرحلة ما بعد الحرب، بينما تحاول الولايات المتحدة حصد ثمار الانتصار الدبلوماسي لا العسكري.
وبحسب الوجهة النهائية للمسار الأميركي ستتحكم بها غاية السؤال حول الدولة ا*لفلس*طينية: هل هي نهاية المسار أم مجرد ذريعة لإدارة صراع طويل الأمد؟
وبين الواقعية السياسية والطموح الأميركي والاستعصاء الإ*سر*ائي*لي، تبقى غ*ز*ة عنواناً لصراع تاريخي لا يمكن إنهاءه بتفاهمات أمنية أو هندسة استثمارية، بل بحل سياسي يضمن العدالة وحق الشعب الفلسطيني في الحرية وتقرير المصير.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.

Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
التقيمات المضمنة
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى