مقالات

خارج اسوار الصحيفة .. داخل المعنى – عماد الطيب

لا يمكن ان اتخيل يوما ان ارجع من بناية واسم ومهنة مكسور الوجدان وحزين .. العودة بعد مرور عام على تقاعدي إلى بناية الصحيفة ليست زيارة عابرة، بل امتحان داخلي قاسٍ للذاكرة والمشاعر معاً. فالمكان الذي كان ذات يوم مسرحاً يومياً للركض خلف الخبر، وللجدل المهني، وللسهر مع العناوين، يتحول فجأة إلى مرآة صامتة تعكس ما تبقّى في الروح من حنين وأسئلة مؤجلة.
في تلك الزيارة إلى إحدى الصحف في بغداد، كنتُ أنا وزميلي الأستاذ ملاذ الأمين ندخل البناية بوصفنا متقاعدين بحكم القانون، لا بحكم الرغبة. لم نكن غرباء عن الجدران ولا عن الممرات، بل كنا نعرفها كما يعرف الإنسان تفاصيل بيته القديم. ومع ذلك، بدا كل شيء مختلفاً. الحجر الذي صمت طويلاً كان كأنه ينطق، والممرات التي ضجّت بخطواتنا في سنوات مضت بدت أطول وأبرد. كان ثقل الذكريات يسبقنا، ويجلس معنا على المقاعد التي لم تعد لنا، ويقف عند الزوايا التي شهدت انفعالاتنا الأولى وانكساراتنا المهنية الصغيرة.
توقّفنا عند أماكن جلوسنا السابقة، لا لنستعيد صورة الكرسي والطاولة فقط، بل لنستعيد أنفسنا كما كنّا: صحفيين مشغولين، متوترين، مشحونين بالأسئلة، نؤمن بأن الكلمة قادرة على إحداث فرق مهما كان بسيطاً. النظرة الحزينة التي تبادلتها عيوننا لم تكن حزناً على وظيفة انتهت، بل على زمن كامل غادرنا دون أن نستأذن، وعلى إيقاع حياة كان يفرض علينا المعنى كل صباح.
لقاؤنا بزملاء المهنة حمل دفئاً خاصاً. الوجوه تغيّر بعضها، وبعضها الآخر قاوم الزمن بإصرار لافت. المصافحات لم تكن رسمية، بل كانت أقرب إلى اعتراف صامت بأن ما يجمعنا أكبر من عقد عمل أو بطاقة تعريف. تحدّثنا عن الأيام القديمة، عن الأخبار التي كنا نطاردها، عن أخطاء ارتكبناها وتعلّمنا منها، وعن انتصارات صغيرة كنّا نحتفل بها بصمت.
في تلك الجلسة، طُرحت فكرة العودة إلى الكتابة. لم تأتِ بوصفها دعوة عاطفية فقط، بل بوصفها تذكيراً بالهوية. هنا قالت الصحفية الكبيرة سعاد البياتي جملتها التي استقرت في الذاكرة بعمق: «الصحفي لا يجب أن يتقاعد، فمهنة الصحافة تستمر طيلة الحياة». لم تكن العبارة شعاراً، بل خلاصة تجربة طويلة، ونظرة عميقة إلى جوهر المهنة.
فالصحافة، في معناها الحقيقي، ليست وظيفة تُغلق أبوابها مع بلوغ سن قانوني، بل هي حالة ذهنية وأخلاقية. الصحفي يتقاعد من الدوام، نعم، لكنه لا يتقاعد من القلق، ولا من طرح الأسئلة، ولا من مراقبة الواقع بعين ناقدة. من دخل هذا العالم مرة، يصعب عليه الخروج منه بالكامل، لأن أدواته الأساسية ليست جهاز الحاسوب أو بطاقة الدخول، بل الوعي والحسّ والقدرة على الشكّ.
الحزن الذي رافق تلك الزيارة لم يكن يأساً، بل كان حزناً نبيلاً، يشبه حزن الإنسان على مرحلة جميلة انتهت، مع إدراكه أنها شكّلته وصاغت جزءاً من هويته. هو حزن على ضجيج المكاتب الذي خفت، وعلى العناوين التي لم نعد نكتبها، وعلى النقاشات التي لم نعد نخوضها وجهاً لوجه. لكنه في الوقت نفسه حزن واعٍ، يعرف أن الكتابة لا تُصادر، وأن التجربة لا تُلغى بقرار إداري.
ربما تكون الصحافة من أكثر المهن قسوة في علاقتها بأبنائها. تعطيهم الكثير من القلق، وتسرق منهم الاستقرار، لكنها تمنحهم شيئاً نادراً: الشعور بأنهم جزء من نبض المجتمع. وعندما يُطلب من الصحفي أن يتوقف، يكتشف فجأة أن المسألة أعقد من توقيع على ورقة تقاعد، وأن الأسئلة التي تعوّد طرحها على الآخرين تعود لتطارده شخصياً.
تلك الزيارة أعادت فتح باب التفكير في معنى الاستمرار. ليس بالضرورة العودة إلى المكاتب نفسها، ولا إلى الروتين القديم، بل الاستمرار بوصفه موقفاً: كتابة أكثر هدوءاً، أكثر عمقاً، أقل انفعالاً، لكنها أكثر صدقاً. فالتجربة التي تراكمت عبر السنين لا يجوز أن تُركن جانباً، لأنها قادرة على تقديم قراءة مختلفة، أكثر نضجاً وأقل تسرعاً.
خرجنا من بناية الصحيفة مثقلين بالمشاعر، لكننا لم نخرج مهزومين. كان في كلام سعاد البياتي عزاء مهني وأخلاقي: الصحافة ليست عمراً وظيفياً، بل عمر كامل من الأسئلة. ومن يحمل هذه الأسئلة لا يتقاعد فعلاً، بل يغيّر موقعه فقط. وفي هذا التغيير، ربما تبدأ كتابة من نوع آخر، أكثر حزناً، لكنها أكثر صفاءً وصدقاً.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.

Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
التقيمات المضمنة
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى