آراء متنوعة

فكرةَ الأقاليم — كيانات ادارية لاستغلال السلطة

نهاد الحديثي

فكرة الاقاليم — تجربةٌ عراقيةٌ تمتدُّ لنحوِ عقدين مع فيدراليةٍ غيرِ متوازنة. دراساتٌ متخصّصة تشيرُ إلى أنّ تحويلَ الدّولةِ العراقية من نموذجٍ مركزيٍّ صارم إلى دولةٍ اتحاديةٍ كان أحدَ الأهدافِ الرئيسة لمهندسي ما بعد 2003، سواء داخلَ جزءٍ من الطّبقةِ السياسيةِ العراقية، أو لدى دوائرَ أمريكيةٍ وغربيةٍ رأت في الفيدراليةِ وسيلةً لإدارةِ التعدّدِ القوميِّ والطائفيِّ ومنعِ عودةِ نظامٍ شموليٍّ قوي. الدستورُ أقرَّ بشكلٍ صريح حقَّ تكوينِ الأقاليم، واعترف بإقليمِ كردستان ككيانٍ اتحاديٍّ قائم، وترك البابَ مفتوحًا أمام محافظاتٍ أخرى لتلتحقَ بالمشروع عبر آليةٍ واضحة، لكنّ التطبيق ظلَّ منقوصًا؛ إقليمٌ واحدٌ فعليٌّ في الشمال، ومحافظاتٌ في الوسطِ والجنوبِ والغرب تُدارُ بقانونِ المحافظاتِ غيرِ المنتظمةِ في إقليم، مع خلافاتٍ مستمرةٍ على الصلاحياتِ والموارد

نظام الأقاليم في العراق هو نظام فيدرالي دستوري يتيح للمحافظات الاتحادية (مثل كردستان العراق) تشكيل أقاليم ذاتية الحكم، عبر استفتاء شعبي أو طلب ثلثي أعضاء مجالس المحافظات، لتنظيم شؤون إدارية وقانونية خاصة بها، مع تأكيد الدستور (المادة 117) على الاعتراف بالأقاليم المؤسسة وفقاً له، بينما يواجه تطبيق هذا النظام تحديات سياسية وقانونية، خاصة فيما يتعلق بتحديد الصلاحيات وتوزيع الثروات النفطية.

لم تكن هناك دولة مستقلة باسم العراق تاريخيًا بل كانت هناك مدن، وأمصار، وولايات تحت حكم الأمويين، والعباسيين، والعثمانيين، إن الدولة العراقية هي دولة حديثة التكوين، وقد جاء قرار تأسيس هذا الكيان في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وبموجب مؤتمر القاهرة الذي عقدته بريطانيا بالقاهرة في عام (1921) لبحث شؤون الشرق الأدنى، إذ توصل المشاركون في المؤتمر إلى قرار ينصّ على إنشاء دولة ملكية في العراق برئاسة الأمير (فيصل بن الحسين) الذي نصّب ملكًا على العراق في (23آب1921) بعد استفتاء لم يرحب به أغلب الكورد , ولم تكن ولاية الموصل ذات الغالبية الكوردية جزءًا من كيان الدولة العراقية الحديثة، ولم تكن هناك روابط تاريخية، وجغرافية، واجتماعية بين ولاية الموصل، وولايتي (بغداد والبصرة)، وقد عارض وجهاء ولاية البصرة الانضمام إلى الدولة العراقية الحديثة، وقاموا بإرسال عريضة إلى المندوب السامي البريطاني السير (برسي كوكس) في (13حزيران 1921) أي قبل وصول الأمير (فيصل) إلى العراق بعشرة أيام طالبوا فيها بإنشاء إدارة سياسية مستقلة في البصرة!

بعد إلحاق ولاية الموصل بالعراق اكتملت رسم الخارطة السياسية للعراق لتشمل الولايات الثلاث (بغداد، والبصرة، والموصل)، ومن هذا التشكيل الجنوني بين الولايات الثلاث للعراق جاء بشكل يتلاءم مع المصالح الدولية، والرغبات السياسية للموظفين البريطانيين الذين كان لهم تأثير على مجريات الأحداث السياسية في حقبة العشرينيات من القرن الماضي.

إن الدولة العراقية بحدودها السياسية هي من صنع وزير المستعمرات البريطاني (برسي كوكس) جمع بين الحقول النفطية المتباعدة، ودمج بين المكونات (الكوردية، والسنية،

وبدأت مرحلة انتقالية في العراق بعد عام (2003) من دولة استبدادية (دكتاتورية) إلى دولة اتحادية فيدرالية، وقد تبنّى الدستور العراقي النظام الفيدرالي بالنسبة للأقاليم الذي صوّت عليه مكونات الشعوب العراقية في عام (2005)، والأقاليم هي وحدات سياسية في الدولة الاتحادية، وليست أقسامًا إدارية , وقد تطرّق بنود الدستور العراقي في عام (2005) لمشروعية الأقاليم في النظام الاتحادي (الفيدرالي)، ويعدّ إقليم كوردستان هو الإقليم الوحيد المعترف به في العراق الاتحادي، علمًا أن إقليم كوردستان شكّل بعد الانتفاضة الشعبية في عام (1991)
استنادا لدستور العراق 2205 يعتبر إنشاء الأقاليم مظهرا قانونيا, وينص دستور العراق في إحدى مواده على حق “كل محافظة أو أكثر، في تكوين إقليم بناء على طلب بالاستفتاء عليه, ويعتبره البعض الحدّ من الفساد وتسيير الشؤون الإدارية محليا وتحريك عجلة التنمية، خصوصا وأنّ الأمر متاح أصلا بفعل دستور البلاد، لكن المحاذير تكمن في الخلفيات المناطقية وحتى العرقية والطائفية التي يمكن أن تحرّك المزيد من المطالبات بإنشاء أقاليم جديدة. وقد تعالت في وقت سابق أصوات مطالبة بإنشاء إقليم للأنبار الموطن الرئيسي للمكوّن السني العراقي، ومن المنتظر أن تظهر تلك الأصوات وبشكل أقوى في حال تم التوجّه بالفعل لإنشاء إقليم البصرة, وتعود موجة المطالبة بإنشاء إقليم البصرة من جديد مدفوعة بمفارقة كبيرة تتمثّل في أن المحافظة هي الأغنى بالنفط، وبالتالي، الأكثر تمويلا لميزانية الدولة فيما الأوضاع الاجتماعية لسكانها ما تنفك تزداد ترديا في ظل ظهور معضلات جديدة تتمثّل في التلوث الصناعي الناتج عن استخراج النفط وتحويله، جنبا إلى جنب تناقص المياه وندرتها بفعل التغيرات المناخية, الأطروحة البصرية في ملف الإقليم تقوم على فكرة أن المحافظة أولى بثرواتها. لكن الدستور العراقي ينصّ على أن التصرف في الثروات الطبيعية هو حق حصري للحكومة الاتحادية في بغداد.

سكان المحافظة يقولون إن ثراءها بالنفط تحول من نعمة إلى نقمة عليهم، ولذلك هم يؤيدون تحويلها إلى إقليم على أساس تمكنّها من التحكم بشكل أفضل في مواردها , ويقول سكان المحافظة إن ثراءها بالنفط تحولّ من نعمة إلى نقمة عليهم، ولذلك هم يؤيدون تحويلها إلى إقليم على أساس تمكنّها من التحكم بشكل أفضل في مواردها , ورغم غناها المادي الكبير إلاّ أن المحافظة التي تتولّى أحزاب شيعية إدارة حكومتها المحلّية تعاني مشاكل كبيرة مترتّبة عن تعثّر التنمية فيربوعها طوال أكثر من عشريتين من الزمن حيث تعرف تهالكا كبيرا في بناها التحتية وارتفاعا في معدّلات البطالة والفقر وكذلك التلوث البيئي وما يترتّب عنه من مشاكل صحية للسكان.

وسبق أن أخذت المطالبات بإنشاء إقليم البصرة بعدا عمليا حين أعلنت كتل سياسية في المحافظة صيف سنة 2025 عن تشكيل تحالف باسم “تجمع الفيحاء الفيدرالي” بهدف تطبيق ما نص عليه الدستور بشأن الأقاليم , كما سبق لمجلس المحافظة أن أعلن في أبريل 2019 عن إمهاله مجلس الوزراء العراقي من أجل إحالة طلب استفتاء إقليم البصرة إلى مفوضية الانتخابات، إلا أن الطلب تمّ أهماله بسبب اعتراض جهات في الحكومة الاتحادية تخشى ما سيجرّه ذلك الإجراء من مطالبات مماثلة في محافظات أخرى، وتخشى خصوصا مواجهة مشاكل في تمويل موازنة الدولة المعتمدة بشكل أساسي على النفط.

والبصرة، وفقا لتقديرات عام 2022، هي ثاني أكبر محافظة في العراق إذ يبلغ عدد سكانها خمسة ملايين نسمة، بعد بغداد التي يبلغ عدد سكانها قرابة التسعة ملايين , ووفقًا لتقرير البنك الدولي لعام 2022 تبلغ نسبة الفقر في البصرة 18.7 في المئة. وهو ما يعني أن نحو مليون من مواطنيها يعيشون على أقل من 1.90 دولار أميركي في اليوم , وفي المقابل تساهم البصرة بأكثر من 20 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي العراقي. وتتمتع بالعديد من الموارد الطبيعية، وهي مصدر 70 في المئة من صادرات العراق النفطية، وإلى جانب الغاز هناك موارد أخرى مثل الفوسفات، والكيماويات والحديد والصلب والنسيج والمواد الغذائية. كما أنها مركز للتجارة مع دول الخليج العربي ودول أخرى في العالم.
ويعد ميناء البصرة منفذ العراق الوحيد على البحر، وهو أحد أكبر الموانئ في الخليج العربي. ويلعب الميناء دورا مهما في التجارة الخارجية العراقية، حيث ينقل أكثر من 50 في المئة من صادرات العراق ووارداته.

إقليم كوردستان مثال شاخص لحكم فيدرالي ضمنت حكومته لجميع المواطنين عيشا كريما واصبحت مدن الاقليم مثالا يحتذى به بين محافظات العراق ,يؤكد أكاديميون ومحللون سياسيون ان بعض الاحزاب السياسية تقف بالضد من قرارات وقوانين قد تمس مصالحهم الشخصية، وهذا ما حدث في محافظتي البصرة والانبار الذين تتمتعان بموارد اقتصادية كبيرة، اذ قمعت الاصوات المطالبة بانشاء اقليم اتحادي, مع اعتراض قوى مقربة من إيران على الفكرة / اقليم الانبار / منعا لقيام أي عائق في طريق طهران – بيروت عبر الأراضي العراقية, ودعم شديد لاقامة اقليم البصرة.

إن ما يُطرح اليوم تحت عنوان “إقليم البصرة” لا يمتّ بصلة لا من قريب ولا من بعيد إلى النماذج الفيدرالية في العالم، كما أنه غير مرتبط بتحسين الأوضاع الاقتصادية لجماهير البصرة. بل إنه مشروع يُطرح كتحصيل حاصل لحرف الأنظار عن فساد النهب المنظّم الذي مارسته وما زالت تمارسه الأحزاب والشخصيات المروّجة لهذا الإقليم , فعلى امتداد سنوات حكم هذه القوى، لم تقدّم تلك الأحزاب، ولا من يدور في فلكها أو يشاركها أفقها السياسي، أي مشروع اقتصادي حقيقي لمعالجة البطالة أو إيجاد حلول جذرية لمشكلة العاطلين عن العمل. بل على العكس، تعرّض المحتجون من العاطلين في البصرة، منذ حكومة حيدر العبادي ومرورًا بحكومة عادل عبدالمهدي اللاحقة وصولًا إلى حكومة السوداني الحالية، إلى القمع والضرب والاعتقالات , كما شهدت البصرة موجات من الاغتيالات السياسية التي استهدفت المعارضين، وخصوصًا في صفوف النساء، في ظلّ مناخ أمني هشّ تُستخدم فيه القوة لإسكات الأصوات المنتقدة ,, وإذا ما دققنا في الأبعاد السياسية والاجتماعية لهذا المشروع، نجد الآتي: على الصعيد السياسي، وفي ظل كل احتدام للصراع على النفوذ السياسي والاقتصادي، يطلّ سيف المناطقية ليُستخدم أداة في الصراع، ليس فقط داخل البصرة، بل أيضًا للتأثير على وعي جماهير المحافظات الأخرى، عبر تصوير التنافس بين القوى المتنفذة وكأنه تناقض بين سكان المدن والمحافظات، لا بين طبقة فاسدة مستحوذة وجماهير محرومة.

ويقول مراقبون إن إنشاء إقليم البصرة سيكون محفّزا للمحافظات السنية للشروع في إقامة إقليمها المستقل, الأنبار عن بكرة أبيها صوتت سابقاً لرفض الدستور؛ لموقفها الثابت والدائم من وحدة العراق، ولم يتغير موقف شيوخها وأبنائها، ولا يزال تجار الحروب ومأجِّجو الفتن من الأحزاب المتأسلمة يحاولون تشويه صورتها والعبث باستقرارها، ولن يفلحوا، ونسوا ما تسببوا به من تهجير وتدمير وخراب وشهداء, وتفيد الأنباء المتواترة من محافظة الأنبار (غرب) بأن الحديث عن إقامة الإقليم بات على كل لسان هناك، ويستمد قوته من مشاعر الإحباط المتعاظمة لدى سكان المحافظات ذات الأغلبية السنية، وفي مقدمتها الأنبار، من السياسات التي ينتهجها الفاعل السياسي الشيعي ,,

إمكانية إقامة إقليم الأنبار من الناحية النظرية «سهلة جداً» بالنسبة للحلبوسي وحزبه، بعد هيمنتهم على مقاعد المجلس المحلي؛ نظراً لأن خطوات إنشاء الإقليم بحاجة إلى طلب يتقدم به ثلث أعضاء المجلس أو طلب من عشر الناخبين في المحافظة»، وهذان أمران في متناول يد الحلبوسي وحزبه،عودة فكرة إقليم الأنبار والإقليم السنّي عموما إلى البروز بين حين وآخر لا تنفصل عن حالة الغضب التي تسود مناطق سنة العراق من طريقة الأحزاب الشيعية في حكم البلاد والتصرّف بمواردها، لكنّها لا تنفصل أيضا عن الصراعات المحتدمة بين القوى السياسية السنية بحدّ ذاتها, وتتهم دوائر سياسية شيعية الولايات المتّحدة بالوقوف وراء إحياء فكرة إقليم الأنبار، أو الإقليم السنّي عموما، حتى تضمن لها موطئ قدم فيه وتؤسس لوجود عسكري مستدام على أرضه، خصوصا وأنّ إحدى أهم نقاط التواجد العسكري الأميركي في العراق موجودة حاليا في محافظة الأنبار ويتعلّق الأمر بقاعدة عين الأسد الواقعة في ناحية البغدادي. ولا تخلو الاعتراضات الشديدة على مطالبة البعض بتحويل الأنبار إلى إقليم, يتمتّع بوضع شبيه بحالة إقليم كردستان العراق المتمتّع بحكم ذاتي، من مفارقة تتمثّل في أنّ مطلب هؤلاء لا يخرج عن الدستور العراقي الذي نص في الفصل الأوّل من بابه الخامس على أنّ “النظام الاتحادي في جمهورية العراق يتكوّن من عاصمة وأقاليم ومحافظات لامركزية وإدارات محلية”، مشيرا إلى إقراره “إقليم كردستان وسلطاته القائمة إِقْليمًا اتحاديا”، وكذلك “الأقاليم الجديدة التي تؤسس وفقا لأحكامه”. كما أشار الدستور إلى “حق كل محافظة أو أكثر في تكوين إقليم.

وتشير إحصاءات لمراكز بحثية إلى ارتفاع نسب المؤيدين لإقامة إقليم الأنبار في الآونة الأخيرة بين سكان المحافظة، ويعتقد بعض الكتاب والمحللين بأن أغلب الأطراف المحلية من عشائر وقوى سياسية في المحافظة، “باستثناء بعض الشخصيات المحسوبة على أطراف في الحكومة المركزية، تؤيد خيار الإقليم أو اللامركزية الإدارية، خاصة بعد فشل جميع الحلول السابقة في إعادة التوازن السياسي والشراكة في السلطة وتنفيذ المطالب الشعبية

في كردستان، اشتغل المشروعُ مبكرًا. الحركةُ الكردية سعت إلى تثبيتِ إقليمِ كردستان بوصفه كيانًا اتحاديًا واسعَ الصلاحيات، مستندةً إلى تجربةِ ما قبل 2003، ثمّ إلى النصِّ الدستوريّ بعد ذلك، مطالِبةً بتنفيذِ ما ورد في بابِ الأقاليم، بما في ذلك آليةِ ضمِّ محافظاتٍ أخرى إلى الإقليم عبرَ استفتاء. نجاحُ هذا النموذج، رغم مشكلاته مع بغداد، جعل الإقليمَ الكرديَّ مرجعًا لكلِّ نقاشٍ لاحقٍ عن الفيدرالية داخل العراق.

في الجنوب، كان مشروعُ “الإقليمِ الشيعي” الذي طرحه عبدُ العزيز الحكيم عام 2005 أحدَ أكثرِ المشاريعِ إثارةً للجدل. المشروعُ دعا إلى إقليمٍ واسعٍ يضمُّ عددًا كبيرًا من المحافظاتِ ذاتِ الأغلبيّة الشيعية في الجنوبِ والفراتِ الأوسط. داخليًا، انقسمَ البيتُ الشيعيُّ نفسُه؛ قوى مثل حزبِ الدّعوة وتياراتٍ أخرى رأت في هذه الفكرة تفكيكًا لوحدةِ العراق ومصدرًا لصراعٍ داخليٍّ على الثروةِ والقرار، فيما تبنّتْها أطرافٌ أخرى بوصفِها وسيلةً لحمايةِ الأغلبيّةِ الشيعية من عودةِ الاستبداد وضمانِ إدارةٍ محليةٍ للثروات. على الضفّة المقابلة، قرأ جزءٌ كبيرٌ من المكوّنِ السُّنيِّ المشروعَ باعتبارِه محاولةً لاحتكارِ النفطِ الجنوبي ضمنَ إقليمٍ واحد، وتعميقَ الفاصلِ الطائفيّ بين “جنوبٍ شيعيٍّ” و”غربٍ وشمالٍ سنّي”. ومع أنّ مشروع “الإقليمِ الشيعي” بصيغته تلك لم يتحوّل إلى واقعٍ على الأرض، إلّا أنّ آثاره بقيت حاضرةً في الخطاب؛ وعادت في السنواتِ الأخيرة، بين حينٍ وآخر، دعواتٌ من أطرافٍ شيعيةٍ مختلفةٍ لإحياءِ فكرةِ إقليمٍ جنوبيٍّ بصيغٍ مُعدَّلة، تربطُ بين ثروةِ النفط في البصرةِ والمحافظاتِ المجاورة، وبين شعورٍ عميقٍ بالغبنِ من طريقةِ إدارةِ بغداد للمركزِ الاقتصاديِّ للبلاد.

في المحافظاتِ السُّنية، جاءت محاولاتُ صلاح الدين وديالى بعد 2010 في لحظةِ احتقانٍ سياسيٍّ وأمنيٍّ، وبعد سنواتٍ من صراعٍ مع تنظيماتٍ متطرّفةٍ وسياساتٍ أمنيةٍ مركزية. قادةٌ محلّيون استخدموا المادّة (119) للمطالبةِ بإقامةِ أقاليم، بحثًا عن هامشٍ أوسع من الإدارةِ المحليّة وحمايةِ المكوّنِ السُّني من التهميش، لكنّ قوى سياسيةً في بغداد رأت في هذه الخطوة محاولةً لإضعافِ الحكومةِ الاتحادية وفتحِ الباب أمام ترسيمِ حدودٍ طائفيةٍ داخل الدولة، فرفضت المضيّ في الاستفتاءاتِ المطلوبة. تلك اللحظةُ خلقت صورةً ذهنيةً لدى كثيرٍ من السُّنة بأنّ حقّهم في الفيدرالية “معلّق”، بينما يُسمَح في المقابل بتوسّعِ صلاحياتِ كوردستان، وتبقى فكرةُ “الإقليمِ الشيعي” حاضرةً، ولو بشكلٍ غيرِ معلن، في الخطابِ السياسيِّ الجنوبي.

النتيجة النهائية ستتوقف على قدرة القوى المحلية في ا الانبار والبصرة على توحيد موقفها والاستمرار في المسار الدستوري، وعلى الطريقة التي ستتعامل بها بغداد مع هذا الملف، وعلى حسابات الأطراف الإقليمية والدولية التي تراقب والمحافظات، وإذا توقّف في منتصف الطريق فسيبقى مثالًا جديدًا على الهوّة بين النص الدستوري والتطبيق الفعلي في أهم المحافظات العراقية

 

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.

Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
التقيمات المضمنة
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى