-حين يصبح التفكير تهمة.. أزمة حرية الاعتقاد في مصر” – علا
يبدأ الإنسان في التفكير منذ ولادته، مايلبث أن يتعلم الكلام حتى يمطر أبويه بالأسئلة عن كل شيء ، فالفضول والتساؤل فطرة خلقها الله فينا
والفكرة بطبيعتها طائرٌ حر، لا يعرف القيود، ولا يعترف بالأبواب المغلقة، حتى مع الإله نفسه!
فأبونا آدم فكر وهداه تفكيره إلى معصية الله وهو معه في الجنة!
سيدنا موسى سأل الإله في امكانتة رؤيته وهو كليم الله ..
قال موسى لربه: «رب أرني أنظر إليك»(143الأعراف)، وفي الآية260 من سورة البقرة ، طلب النبي إبراهيم عليه السلام من الله أن يريه بعينه كيف يحيي الموتى ، حاوره الله وسأله:”أولم تؤمن”؟ فأجاب إبراهيم: “بلى ولكن ليطمئن قلبي”.
ومع ذلك، كثيرًا ما نجد أنفسنا أمام واقعٍ يضيق فيه الهواء على من يطرح سؤالًا، أو يتخذ طريقًا مختلفًا في الإيمان أو الاعتقاد… وكأن التفكير نفسه أصبح مغامرة غير مأمونة العواقب.
في بلدٍ نصّ دستوره بوضوح على أن “حرية الاعتقاد مطلقة”، تتصاعد مفارقة مؤلمة: كيف يتحول الحق الأصيل إلى تهمة؟ وكيف تتداخل السلطة بالدين حتى يصبح الاختلاف عبئًا، والبحث عن الحقيقة جرمًا يستدعي العقاب؟
يقول الله تعالى في الآيه 29 من سورة الكهف: “وقل الحق من ربكم، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر”،مثبتًا أن الإيمان فعل حر لا يكتمل تحت الإكراه، وأن الاختلاف أصلٌ لا إلحاد.
ورغم ذلك، تشهد مصر في السنوات الأخيرة موجات من الملاحقات الأمنية والقضائية للشباب اللاديني لمجرد التعبير عن قناعاتهم أو تساؤلاتهم الفكرية، في تناقض صارخ مع المادة 64 من الدستور التي تؤكد أن حرية الاعتقاد مطلقة.
حين تتحول الفكرة إلى تهمة
بدأت الحملة الأخيرة من ملاحقة اللادينيين يوم 13 سبتمبر 2025 بالقبض على ماجد زكريا عبد الرحمن المعروف بـ“مفتي الإنسانية”، ثم تتابعت العمليات لتشمل أشخاصًا ظهروا معه في برنامجه أو نشروا محتوى فكريًا على مجموعات مفتوحة ومغلقة، منها مجموعة “شبكة ومنتدى الملحدين العرب”.
وفي الأسبوع الأول من نوفمبر، انتشرت أخبار القبض على المدون واليوتيوبر شريف جابر، الذي سبق أن وُجهت له أحكام بالسجن وصلت إلى 9 سنوات بتهمة “ازدراء الأديان” و“التحريض على الإلحاد”.
عام 2025 وحده شهد القبض على 39 شخصًا في ست قضايا مختلفة، من بينهم سبعة عشر من أتباع “الدين الأحمدي للسلام والنور”.
ولم يقتصر الأمر على القبض عليهم و التحقيق معهم، بل امتد لاستجواب المتهمين حول معتقداتهم الشخصية، ودور العبادة التي يرتادونها، فيما يشبه محاكمة دينية لا صلة لها بالقانون الجنائي.
قانون ازدراء الأديان… من حماية الوحدة الوطنية إلى قيد على الفكر
نشأ قانون تجريم ازدراء الأديان في مصر عام 1982 بعد أحداث الزاوية الحمراء عام 1981، وهي أحداث طائفية دامية اعتُبرت تهديدًا للاستقرار الداخلي. فجرى تعديل قانون العقوبات وإضافة المادة 98 (و) بدافع “حماية الوحدة الوطنية” ومنع التحريض الطائفي.
لكن المهم هو أن هذا النص لم يُشرّع لمعاقبة من يفكر أو يجتهد في الدين، ولا لمحاسبة من يخالف رأيًا فقهيًا، بل وضع لمعاقبة من يستغل الدين للتحريض على العن*ف أو التمييز أو الفتنة.
أي أن الاختلاف الفكري—وإن كان صادمًا—ليس ج#ريم*ة إلا إذا اقترن بنية التحريض وبضرر فعلي على المجتمع.
وحتى وإن كان هؤلاء الشباب قد دعوا إلى الإلحاد أو ناقشوا أفكارهم عن الدين في العلن فلا يزال ما قدموه مجرد أفكار يمكن الرد عليها ومناقشتها بل وحتى السخرية منها وفي نفس الفضاء الإلكتروني الذي خرجت منه.
حرية الاعتقاد… بين النص الدستوري والواقع
الدستور المصري واضح: “حرية الاعتقاد مطلقة”.
والمادة 93 تجعل مصر ملتزمة بالعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، الذي يحمي الأفكار الدينية وغير الدينية وحتى الإلحادية، ويحظر أي شكل من أشكال الإكراه الديني.
ومع ذلك، يُجبر بعض المحتجزين على حضور ندوات دينية داخل أماكن الاحتجاز، وهو ما يعد شكلًا من الإكراه على المعتقد، مخالفًا للدستور والقانون الدولي.
الله لم يأمر بإكراه الناس
قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) [المائدة:105].
وهو أمر إلهي للمؤمنين أن يُصلحوا أنفسهم،
مُخبرًا لهم أنَّه مَن أصلح أمره لا يضرّه فساد مَن فسد من الناس، سواء كان قريبًا منه أو بعيدًا.
وقال أيضاً: (لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ۗ) (البقرة: 272) ،فالقرآن لم يأمر بحبس الملحد أو ق*ت*له.
“إن الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا ۗ أَفَمَن يُلْقَىٰ فِي النَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ ۖ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ”
(فصلت: 40)، بل اعتبر الإلحاد ضلالًا فكريًا، يستوجب العقاب الأخروي من الله، أما الإكراه الدنيوي فمرفوض بنصوص صريحة.
موقف الدولة الرسمي
كرر الرئيس عبد الفتاح السيسي في أكثر من مناسبة أن من حق المواطن أن يكون مؤمنًا أو غير مؤمن، وأن موجة اللادينية ناتجة عن تشدد الخطاب الديني.
وحتى هذا التصريح يثبت أن الدولة تعترف – نظريًا – بأن الاعتقاد شأن فردي.
لكن بين هذا الخطاب وبين الواقع فجوة واسعة تكشفها الممارسات الأمنية.
الحرية التي يخشاها البعض
في النهاية، ليست الأزمة أزمة معتقد، ولا صراعًا بين إيمانٍ وكفر، بل أزمة الخوف من المفكرين من كل ماهو مختلف عن المألوف.
لكن الحقيقة أن الأمم لا تنهض إلا حين تعترف بحق أبنائها في أن يبحثوا، أن يتشككوا، أن يعثروا على الله بطريقتهم أو حتى يعجزوا عن العثور عليه.
وأن ظهور هذه الأفكار الإلحادية-من المفترض-أن يزيد من تشبث المؤمن الحق بدينه وربه.
وعلى الرغم من كوني مؤمنة إلا أنني أدافع وبقوة عن هؤلاء الملحدين لكي يصدحوا بأفكارهم التي لن نستطيع وأدها حتى ولو حاولنا.
الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.