حين تتحول المتعة إلى صراع: التعصب الرياضي بين شغف الانتماء
في الأصل وجدت الرياضة لتكون مساحة نقية تجمع البشر على قيم التنافس الشريف والتسامح والاحترام المتبادل فهي ليست مجرد مباريات تلعب داخل المستطيل الأخضر بل منظومة إنسانية متكاملة تسهم في بناء الفرد جسدياً وعقلياً ونفسياً وتقرب بين الشعوب أكثر مما تفعل السياسة أحياناً غير أن هذا الوجه المشرق بدأ يتلاشى في بعض البيئات حينما خرجت الرياضة عن إطارها القيمي لتتحول إلى ساحة صراع تغذيها مشاعر التعصب والانفعال الأعمى.
فالتعصب الرياضي ليس مجرد انتماء قوي لفريق معين بل هو حالة نفسية متطرفة يتغلب فيها الانفعال على العقل فيفقد الفرد قدرته على التفكير الموضوعي في هذه الحالة يرى المتعصب ما يريد أن يراه فقط ويغض الطرف عن الحقائق التي تتعارض مع قناعاته وهنا تكمن الخطورة إذ يتحول التشجيع من حالة حضارية إلى سلوك عدواني قد يتجسد في ألفاظ مسيئة أو شجارات أو حتى أعمال عن*ف.
ومع تطور المجتمعات لم يعد التعصب الرياضي ظاهرة محدودة داخل الملاعب بل امتد ليشمل الفضاء الرقمي خاصة عبر منصات مثل Facebook) وTwitter وYouTube) حيث أصبح بإمكان أي فرد التعبير عن رأيه دون ضوابط مما أدى إلى انتشار خطاب الكراهية والسخرية بين الجماهير هذه المنصات رغم دورها في التقريب بين الناس أصبحت في كثير من الأحيان بيئة خصبة لتغذية التعصب وتأجيج النزاعات.
ولا يمكن الحديث عن نتائج التعصب الرياضي دون التوقف عند الأحداث المأساوية التي شهدها التاريخ مثل كارثة بورسعيد التي راح ضحيتها عشرات المشجعين نتيجة الشحن الجماهيري والتوتر بين الجماهير هذه الحادثة لم تكن مجرد مباراة خرجت عن السيطرة بل كانت دليلاً صارخاً على كيف يمكن للتعصب أن يتحول إلى كارثة إنسانية تترك آثاراً نفسية واجتماعية واقتصادية طويلة الأمد.
إن جذور هذه الظاهرة لا تنفصل عن السياق الاجتماعي العام فهي نتاج تداخل عوامل متعددة منها الضغوط النفسية والظروف الاقتصادية وضعف الوعي الثقافي إضافة إلى تأثير الإعلام الذي قد يسهم أحياناً في تأجيج المنافسة بشكل غير مسؤول كما أن بعض الجماعات تستغل هذا التعصب لتحقيق مصالح ضيقة سواء كانت سياسية أو اقتصادية عبر توجيه الجماهير وإثارة الانقسام بينها.
المشكلة تتفاقم أكثر عندما يتحول التعصب من سلوك فردي إلى ظاهرة جماعية حيث تتشكل مجموعات تتبنى أفكاراً متشددة وتتعامل مع الآخرين بمنطق (نحن وهم) في هذه الحالة يصبح الاختلاف في تشجيع فريق رياضي سبباً للعداء وقد يمتد إلى العلاقات الاجتماعية فيؤثر على الصداقات بل وحتى الروابط الأسرية.
ورغم قتامة هذا المشهد فإن معالجة التعصب الرياضي ليست مستحيلة بل تبدأ من إعادة ترسيخ القيم الأساسية للرياضة وتعزيز ثقافة الاحترام والتسامح خاصة لدى فئة الشباب كما أن للإعلام دوراً محورياً في توجيه الخطاب الرياضي نحو الاعتدال والابتعاد عن الإثارة السلبية كذلك ينبغي استثمار منصات التواصل الاجتماعي لنشر الوعي بدلاً من أن تكون أدوات لنشر التعصب.
في النهاية، تبقى الرياضة مرآة للمجتمع فإذا صلحت قيم المجتمع انعكس ذلك على سلوك جماهيره وبين شغف الانتماء وخطر التعصب تبقى المسؤولية مشتركة بين الفرد والمؤسسات للحفاظ على الرياضة كمساحة للفرح والوحدة لا ساحة للصراع والانقسام.
الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.