الفريق الركن نجيب أبتر عمر قائدٌ جمع بين العلم
اللواء الركن
ضرغام زهير الخفاجي
باحث في قضايا الأمن الإقليمي
خبير في شؤون الدفاع والتدريب والعلاقات الدولية
في مسيرة الجيش العراقي الخالد تبقى أسماءٌ لا تمحى من ذاكرة الوطن رجالٌ لم يكونوا ضباطاً فحسب بل مدارسُ قائمة بذاتها في الفكر والانضباط والمبادرة والمهنية. ومن بين هذه القامات الرفيعة يبرز اسم الفريق الركن نجيب أبتر عمر الضابط الذي اختار طريق الجندية بإرادة لا تعرف التراجع وحمل العلمَ سلاحًا لا يقل قيمة عن البندقية في ميادين الشرف.
هو واحد من أبرز قادة الجيش العراقي الذين جمعوا بين الكفاءة والاحتراف والانضباط وشكّلوا قدوة للأجيال العسكرية المتعاقبة في تاريخ العراق الحديث.
الميلاد والنشأة والتعليم
ولد الفريق الركن نجيب أبتر عمر في كركوك – محلة بكلر لأسرةٍ عسكرية تركمانية عريقة نشأ أبناؤها على أخلاق الجندية وقيم الشرف والانضباط. أنهى دراسته الإعدادية عام 1948 بدرجة ممتاز وكان الأول على مستوى القطر فتم ابتعاثه إلى بريطانيا لدراسة هندسة النفط على نفقة الدولة لكنه ترك الهندسة طوعاً ليجيب نداء الجيش الذي رافقه عشقاً منذ الطفولة متأثراً بمسيرة والده الضابط المهني.
المسيرة العسكرية
• ولد في كركوك – محلة بكلر.
• تخرج من ثانوية كركوك بمعدل 82% وقُبل في بعثة إلى بريطانيا لدراسة الهندسة.
• التحق بالكلية العسكرية عام 1948 – الدورة 27 وكان الأول على الدورة وكرّمه الملك في حينها.
• عُيّن ضابطاً في الفرقة الثانية الجبلية / كركوك.
• اشترك في دورة مدفعية بقيادة الجنرال لاشينكتن لمدة عام ثم أُرسل إلى بريطانيا في دورة ضباط الكت*ائ*ب.
• بعد عودته للعراق عُيّن في معسكر الوشاش لتدريب ضباط المدفعية.
• في أحد المناسبات حضر رئيس الوزراء نوري السعيد باشا إحدى محاضراته فأُعجب بأدائه وأرسله إلى بريطانيا في دورة أركان المدفعية والصواريخ لمدة سنتين شملت:
• أركان عامة 6 أشهر
• أركان الصنوف
• أركان المدفعية
• عاد للعراق تزامناً مع انقلاب 1958 فلم يتم الاعترف بشهادته البريطانية.
• التحق بكلية الأركان العراقية – الدورة 25 وتخرج الأول.
• عُيّن ضابط ركن الفرقة الأولى لمدة عام ثم معلماً في كلية الأركان.
• أُحيل على التقاعد بين 1963 – 1966.
• أُعيد للخدمة عام 1966 معلماً أقدم في كلية الأركان.
• التحق بكلية الدفاع الباكستانية.
• أصبح عميد كلية الأركان 1970 – 1971.
• أكمل كلية الدفاع الوطني في الهند وحصل على ماجستير في العلوم العسكرية.
• تولّى عمادة كلية الأركان مرة أخرى 1972 – 1973.
• تعيّن قائداً للمنطقة الجنوبية.
• تعيّن مديراً للمدفعية و أسس لواء الصواريخ.
• شغل منصب معاون رئيس أركان الجيش للإدارةو الميرة .
• شغل منصب معاون رئيس أركان الجيش للتدريب وغير تدريب الجيش العراقي إلى مستوى الدول المتقدمه.
• أُحيل إلى التقاعد عام 1984.
مآثر وذكريات
من أبرز محطات حياته تولّيه منصب عميد كلية الأركان خلال سنوات مهمة وكان هو من وقّع شهادة تخرج الشهيد الفريق الركن عدنان خيرالله طلفاح برتبة ملازم ثانٍ في مشهدٍ يجمع رمزية الجيلين من كبار قادة العراق.
الكفاءة والانضباط
تميّز الفريق الركن نجيب أبتر عمر بانضباطه العالي والتزامه الأخلاقي والوطني. جمع بين الدقة العلمية والإنسانية في التعامل فكان صارماً في الحق عادلاً مع مرؤوسيه قريباً من هموم الميدان بعيداً عن أي انتماء ضيق.
عرفه زملاؤه كضابط ركن تركماني الأصل عراقي الهوية مخلص لوطنه مؤمن بأن الجيش هو بيت جميع العراقيين بلا استثناء.
أثره في تطوير المؤسسة
بعد عودته من الهند كأول ضابط عراقي يتخرّج من كلية الدفاع الوطني في وقتٍ كانت معظم الدول تمتنع عن منح العراق أي مقعد عاد وهو يحمل رؤية استراتيجية لتطوير التعليم العسكري والمدني في البلاد. بدأت رحلته حين التحق أولًا بـ كلية الدفاع الوطني في باكستان ثم واصل دراسته في كلية الدفاع الوطني الهندية وهناك أدرك بعمق أهمية هذه الكليات في إعداد القيادات القادرة على إدارة الدولة في السلكين العسكري والمدني على حدّ سواء.
ومن هذا الإدراك توصّل إلى ضرورة إنشاء كلية دفاع وطني عراقية أسوة بما هو معمول به في الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وروسيا. وقد أشار على الرئيس الراحل احمد حسن البكر حال عودته من الهند بإنشاء هذه الجامعة واقترح تسميتها جامعة البكر تقديرًا للدعم الذي قدّمه الرئيس أحمد حسن البكر له و الذي تواصل شخصيًا مع السيدة أنديرا غاندي لضمان حصول العراق على المقعد الذي أصبح بوابة لهذه التجربة النوعية.
ومع تأسيس الكلية استُقدم نخبة من الخبراء والمعلمين من الهند والباكستان لبناء قاعدة تعليمية حديثة تُخرّج كوادر مدنية عليا من سفراء ووكلاء ووزراء إلى جانب كوادر عسكرية مؤهلة لقيادة الدولة وإدارة مؤسساتها العليا.
لم يتوقف أثره عند هذا الحد فقد لعب دورًا محوريًا في تطوير مناهج كلية الأركان بإدخال مفاهيم حديثة في القيادة والسيطرة وشارك في ندوات تدريبية أسهمت في تحديث الفكر العسكري العراقي. وبفضل جهوده تكوّن جيل من القادة الميدانيين الذين حملوا قيم الانضباط والاحتراف والانفتاح على التجارب العالمية ليبقى واحدًا من أبرز من رسّخوا أسس التعليم العسكري الحديث في العراق.
ختامًا
يبقى الفريق الركن نجيب أبتر عمر مثالاً للضابط العراقي المثقف والقيادي الواعي الذي أدرك أن العسكرية ليست رتبة تُعلّق على الكتف بل مسؤولية تُعلّق على الضمير.
سلامٌ عليه يوم اختار طريق الجندية ويوم علَّم الأجيال معنى الولاء للوطن… علماً وشرفاً وسلوكاً.
أطال الله عمره وحفظه للعراق وأهله.
كل الشكر والتقدير للأخ أحمد نجل الفريق الركن نجيب أبتر عمر على مساهمته الكريمة في تحقيق و تدقيق هذه السيرة العطرة… سيرةٍ يفوح منها عطر الوطن الواحد العراق.
الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.