بناء مجتمعات مدنية في مواجهة الهيمنة العالمية
بناء مجتمعات مدنية في مواجهة الهيمنة العالمية
التعليم، الركيزة الأعمق في معركة الاستقلال
مع تسارع وتيرة العولمة وتداخل مصالح الدول والشركات العملاقة والمنظمات العابرة للحدود، تزداد الحاجة إلى إعادة بناء المجتمعات المدنية على أسس متينة، كدرع واقٍ أمام تمدد ما يمكن تسميته بـ”الحكومة العالمية” غير المعلنة. هذه الهيمنة لم تعد مقتصرة على دوائر الاقتصاد والسياسة فحسب، بل تسللت إلى عمق الحياة اليومية: من القيم والعادات الاجتماعية، إلى الأخلاقيات وحقوق العاملين والأفراد، مرورًا بأنماط التفكير والسلوك، وحتى الذوق الشخصي في المأكل والملبس ونمط العيش.
لقد تحولت الكثير من المجتمعات إلى ساحات مفتوحة أمام التدخلات الخارجية، ساحات تُدار فيها المعارك الأمنية والعسكرية بقدر ما تُخاض فيها حروب ناعمة على الثقافة والفكر والهوية. لم يعد الحديث عن بناء مجتمع مدني قوي ترفًا فكريًا أو حلمًا مثاليًا، بل بات ضرورة وجودية للحفاظ على الكرامة والسيادة والقدرة على اتخاذ القرار في مواجهة عالم تتحكم به أقلية تملك المال والتكنولوجيا والنفوذ.
المجتمع المدني الحقيقي لا يقوم على تجمعات عشوائية أو مبادرات فردية متناثرة، بل يتأسس على مؤسسات راسخة: نقابات مستقلة، جمعيات مهنية، منظمات حقوقية، مراكز ثقافية، منصات إعلامية محلية، ومؤسسات تعليمية بحثية. هذه اللبنات تمنح المواطنين القدرة على الدفاع عن حقوقهم والمشاركة في صياغة مستقبلهم، بعيدًا عن الارتهان الكامل للدولة أو الخضوع لإملاءات مؤسسات دولية تمثل مصالح رأس المال أكثر مما تمثل مصالح الناس.
في عالم اليوم، تتحكم موجات “الترند” وذائقة السوق العالمية في أنماط حياتنا: من الملبس إلى المأكل، من ديكور المنازل إلى أسلوب قضاء العطلات، فيما تحوّل وسائل التواصل الاجتماعي الأفراد إلى مستهلكين دائمين تحت ضغط مستمر من الإعلانات والموضات العابرة. هذه المنظومة الاستهلاكية، المدفوعة بمنطق رأسمالي متوحش، تحاصر الإنسان في دائرة لا تنتهي من الرغبات المصطنعة، بينما يُثقل كاهله بالديون البنكية التي تحولت إلى عمود فقري للاقتصاد العالمي.
بناء المجتمعات المدنية القوية ليس ترفًا فكريًا إنه درع للحفاظ على حقوق وهوية الأفراد من جبروت من هم في الأعلى إنه خيار استراتيجي للبقاء في عالم يتجه بسرعة نحو مركزة السلطة
إلى جانب ذلك، تعمل القوى المهيمنة على فرض منظومات موحدة من القيم والقوانين عبر أدوات مثل العولمة الاقتصادية، اتفاقيات التجارة، والمنصات الرقمية التي تتجاوز سيادة الدول. قد تُسوَّق هذه المنظومات تحت عناوين براقة مثل “التحديث” أو “الحرية”، لكنها في جوهرها تسعى إلى تفريغ المجتمعات من خصوصيتها الثقافية والفكرية، وإعادة تشكيلها بما يخدم مصالح الكيانات الكبرى. وحين تضعف جذور المجتمع، يصبح أكثر عرضة للاستباحة، ليس فقط في اقتصاده، بل في لغته وفكره وذاكرته الجمعية.
مواجهة هذا المسار تتطلب إعادة هندسة تمويل المجتمعات المدنية لتكون قادرة على الصمود والاستقلال. يمكن أن يشمل ذلك اشتراكات الأعضاء في النقابات والجمعيات، إنشاء مشاريع إنتاجية تديرها المؤسسات المحلية (كتعاونيات زراعية، ورش حرفية، منصات إعلامية مجتمعية)، شراكات مع القطاع الخاص الوطني وفق عقود تضمن الاستقلالية، أو صناديق تمويل محلية يدعمها رجال أعمال ملتزمون بالمسؤولية الوطنية. الهدف هو الوصول إلى استدامة مالية تحرر هذه المؤسسات من قبضة الممولين الأجانب وتجعلها خاضعة فقط لمساءلة جمهورها.
لكن الاستقلال لا يعني الانغلاق، بل هو القدرة على التفاعل مع العالم بندّية، وفق شروط متكافئة، دون التفريط بالسيادة أو الكرامة. ويتطلب ذلك استثمار الموارد والمهارات المحلية، ودعم الكفاءات الوطنية بدلًا من دفعها إلى الهجرة بحثًا عن فرص خارجية ترفضها بيئاتها الداخلية لصالح أبناء النخب السياسية والمالية. كما يتطلب إنتاج معرفة محلية عبر مراكز أبحاث وجامعات ومفكرين قادرين على صياغة أولوياتنا وسرديتنا الخاصة، بدلًا من الارتهان التام للرؤية الغربية المهيمنة.
في العلاقات الدولية، يصبح من الضروري تنويع الشراكات وعدم الارتهان لمحور واحد، لذا من المهم إقامة توازن في العلاقات مع أكثر من طرف لضمان هامش أوسع من الحركة السياسية والاقتصادية. أما في الفضاء الرقمي، فلا بد من إعادة توجيه التكنولوجيا لخدمة المجتمع المحلي، عبر تطوير منصات وطنية، إنتاج محتوى بلغتنا، وتشجيع الشركات الناشئة التي تراعي خصوصياتنا الثقافية.
المجتمع المدني لا يقوم على تجمعات عشوائية أو مبادرات فردية متناثرة بل يتأسس على مؤسسات راسخة: نقابات مستقلة وجمعيات مهنية ومنظمات حقوقية ومراكز ثقافية ومنصات إعلامية محلية ومؤسسات تعليمية بحثية
الحفاظ على الخصوصية الثقافية ليس ترفًا، بل هو صلب الهوية الوطنية. فالفنون، اللغة، الطعام، اللباس، والعادات الشعبية تمثل الجذور التي تمنح المجتمع تماسكه. انهيار هذه الأعمدة يجعل من السهل ابتلاع المجتمع في تيار ثقافي خارجي لا يعكس قيمه أو تاريخه. هنا يبرز دور المؤسسات الثقافية في التوثيق، التعليم، ورعاية الفنون التي تعزز الانتماء وتعيد الاعتبار لما هو محلي وأصيل.
غير أن الهوية وحدها لا تكفي إن لم تُصن بحرية التعبير والتفكير. فالحريات العامة هي الصمام الذي يمنع الحكومات أو الكيانات الكبرى من احتكار القرار أو فرض رؤى أحادية على المجتمع. أي مشروع جاد لبناء مجتمع مدني قوي يجب أن يترافق مع تشريعات تحمي الصحفيين والناشطين والمدافعين عن الحقوق من القمع والتهميش.
التحدي الاقتصادي يظل عقبة أمام المجتمعات المحلية، في ظل هيمنة الشركات متعددة الجنسيات على الأسواق. الشركات التقنية العملاقة، على سبيل المثال، لا تكتفي بالهيمنة على الاقتصاد الرقمي، بل تستخدم خوارزمياتها لترسيخ أجندات ثقافية وفكرية تصب في مصلحتها. في مواجهة ذلك، يصبح دعم الاقتصاد المحلي والشركات الصغيرة والتعاونيات أداة استراتيجية للاستقلال الاقتصادي، بما ينعكس إيجابًا على الاستقلال الثقافي والسياسي.
التكنولوجيا، وخاصة وسائل التواصل الاجتماعي، سلاح ذو حدين. صحيح أنها تُستخدم لفرض ثقافة عالمية موحدة تسطّح الفوارق، لكنها يمكن أن تتحول أيضًا إلى أداة قوية لتعزيز الوعي المجتمعي، والترويج للغة والثقافة المحلية، وتنظيم الحملات الشعبية للدفاع عن الحقوق. الأمر يتوقف على من يمسك بزمام هذه الأدوات، ولأي غاية تُوجَّه.
وأخيرًا، يبقى التعليم الركيزة الأكثر عمقًا في معركة الاستقلال؛ الاستقلال من غيمة الاستعمار السياسي والفكري والاقتصادي والثقافي التي لم تفارق المنطقة يومًا. فالتعليم الذي يدمج التراث المحلي بالقدرة على التفكير النقدي، ويغرس في الطفل منذ الصغر أن هويته قيمة غير قابلة للمساومة، هو الذي ينتج أجيالًا قادرة على مواجهة استلاب الثقافة والسيادة، وعلى صياغة مستقبلها بوعي وثقة.
إن استمرار الخضوع للمنظومة العالمية السياسية والاقتصادية والفكرية من دون مقاومة حقيقية سيجعل من الإنسان مجرد كائن هامشي، سطحي وتافه، فاقد القدرة على تقرير مصيره أو حتى صياغة أحلامه. لن يكون أكثر من رقم في حسابات قوى عليا تدير اللعبة من وراء الستار. ومن دون مؤسسات محلية مستقلة وواعية وفاعلة، سيختفي التنوع الإنساني لتحل محله نسخة واحدة من الثقافة والاقتصاد والقانون، مفروضة من الأعلى.
بناء المجتمعات المدنية القوية ليس ترفًا فكريًا ولا شعارًا مثاليًا، إنه درع للحفاظ على حقوق وهوية الأفراد من جبروت من هم في الأعلى، إنه خيار استراتيجي للبقاء في عالم يتجه بسرعة نحو مركزة السلطة والثقافة في أيدي قلة لا تمثل الأغلبية الساحقة من البشر.
ربى عياش
إعلامية فلسطينية
الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.