المنطقة العربية وإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية – حسين علي
إن الحديث عن مشروع تقسيم كبير في الشرق الأوسط ليس جديداً لكنه يعود اليوم بصياغات مختلفة تعكس حجم القلق والتحولات الجارية في المنطقة.
وبين ما هو واقعي وما هو متخيل، يبقى السؤال الأهم هل نحن أمام إعادة تشكيل حقيقية للخرائط، أم أمام إعادة ترتيب موازين القوى داخل نفس الحدود؟!
منذ اتفاقية سايكس بيكو ظلت فكرة إعادة رسم حدود المنطقة حاضرة في الوعي السياسي العربي لكنها اليوم تطرح في سياق مختلف تماماً، فالعالم لم يعد كما كان قبل قرن والدول لم تعد تقسم فقط بخطوط على الورق، بل عبر تفكيك تدريجي لوظائفها الداخلية وتآكل قدرتها على فرض السيادة.
ما يجري في دول مثل سوريا والعراق واليمن لا يشير بالضرورة إلى وجود مخطط جاهز ومتكامل لتقسيمها بقدر ما يعكس حالة من التفكك الوظيفي حيث تتراجع السلطة المركزية لصالح قوى محلية أو إقليمية.
هذا النوع من الانهيار البطيء قد يفتح الباب أمام كيانات شبه مستقلة أو مناطق نفوذ لكنه يختلف عن التقسيم الكلاسيكي الذي ترعاه قوى دولية عبر اتفاقيات رسمية.
هنا يصبح التقسيم نتيجة أكثر منه مشروعاً ومحصلة لتراكم الأزمات الداخلية والتدخلات الخارجية.
في هذا السياقيبرز دور بنيامين نتنياهو الذي يسعى إلى تعزيز موقع إس*رائي*ل كقوة إقليمية مركزية مستفيدة من التحولات الجاريةخاصة بعد اتفاقيات أبراهام التي فتحت المجال أمام علاقات علنية مع عدد من الدول العربية.
تتحرك إس*رائي*ل بمنطق براغماتي واضح، فهي لا تحتاج بالضرورة إلى تقسيم الدول رسمياً كي تعزز نفوذها، بل يكفيها وجود بيئات ضعيفة ومجزأة وظيفياً لتوسيع حضورها السياسي والأمني والاقتصادي.
لذلك فإن الحديث عن قيادتها لمشروع تقسيم شامل قد يكون مبالغاً فيه بينما الأدق هو القول إنها تستثمر في الفراغات وتعيد تشكيل ميزان القوى بما يخدم مصالحها.
أما الإمارات، فإن تحركاتها تقرأ غالباً من زاوية الشك لكنها في الواقع تعكس تحولاً نحو سياسة خارجية أكثر استقلالية وبراغماتية.
أما عن علاقتها بمنظمة أوبك أو غيرها من المنظمات الإقليمية لا تفهم فقط بمنطق الانسحاب أو البقاء، بل ضمن سعيها لإعادة تعريف دورها كفاعل يتجاوز الإطار الإقليمي التقليدي.
بناء علاقات مع قوى متباينة بما في ذلك إس*رائي*ل، قد لا يعني بالضرورة الانخراط في مشروع لإعادة رسم المنطقة بقدر ما يعكس رغبة في تنويع التحالفات وتقليل الاعتماد على منظومات جماعية أصبحت أقل فاعلية.
في المقابل تطرح فكرة إنشاء محور ثلاثي يضم تركيا وباكستان والسعودية بوصفه بديلاً استراتيجياً قادراً على موازنة التحولات الجارية.
يبدو هذا الطرح منطقياً من حيث الإمكانيات، فهناك تكامل نظري بين القوة العسكرية والصناعية التركية والقدرات النووية والبشرية الباكستانية والثقل الاقتصادي والديني السعودي.
لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في الموارد، بل في القدرة على تحقيق توافق سياسي عميق ومستدام بين هذه الدول خاصة في ظل اختلاف أولوياتها وتباين علاقاتها الإقليمية والدولية.
فالتجارب السابقة تظهر أن التحالفات لا تقوم فقط على المصالح المشتركة، بل تحتاج أيضاً إلى مستوى عالٍ من الثقة والتنسيق وهو أمر لم يتبلور بعد بشكل كافٍ.
في ضوء كل ذلك يبدو أن المنطقة لا تتجه نحو إعادة رسم خرائطها بالمعنى التقليدي، بل نحو حالة أكثر تعقيداً من إعادة توزيع النفوذ داخل نفس الحدود.
قد تبقى الدول قائمة شكلياً لكن قدرتها على التحكم الكامل بأراضيها ستظل متفاوتة فيما تتصاعد أدوار الفاعلين غير الحكوميين وتتوسع تدخلات القوى الإقليمية.
كما أن دور المنظمات التقليدية مثل جامعة الدول العربية يتراجع تدريجياً لصالح تحالفات مرنة ومؤقتة تتشكل وفق المصالح الآنية.
بهذا المعنى، فإن تصوير المشهد على أنه مشروع تقسيم متكامل تقوده جهة واحدة قد يبسط الواقع أكثر مما يفسره. ما يحدث أقرب إلى فوضى مصالح تتداخل فيها حسابات الدول الكبرى والإقليمية مع أزمات الداخل في كل بلد.
وفي ظل هذه الفوضى، تصبح القدرة على بناء دولة مستقرة ومتماسكة هي العامل الحاسم لا مجرد الانخراط في محاور أو التحذير من مخططات.
فالشرق الأوسط لا يعاد تشكيله فقط عبر قرارات سياسية من الخارج، بل عبر ما تفعله دوله وشعوبه في الداخل حيث تتحدد في النهاية ملامح المستقبل سواء بقيت الخرائط كما هي أو تغيرت وظائفها وحدود تأثيرها.
الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.