مقالات عامة

العدو الصغير والقائد الثائر

في قديم الزمان، كانت هناك مملكة عظيمة تمتد على مساحات واسعة من قارتي آسيا وأفريقيا، يجمع شعبها لسان واحد ودين واحد، وجيش عقائدي يؤمن بأن الدفاع عن اسم المملكة شرف يستحق الموت في سبيله، فكانت مهابتها تسبق راياتها، وكان الأعداء في كل مكان يحسبون لها ألف حساب. لكن العظمة لا تدوم لمن يفرط بها، فقد تراجعت هيبة المملكة وتبخرت ثرواتها وغرق ملوكها في الشهوات والملذات، وتفرّق شمل قادتها وتوالت الانقلابات والثورات، وخاضت حروبًا متلاحقة لم تكسب منها شيئًا سوى الهزائم والانكسار. وعلى حدودها كان هناك عدو صغير في حجمه، كبير في دهائه، انتظر اللحظة المناسبة، فلما ضعفت المملكة باغتها بحرب خاطفة، كان جيشها مستعدًا لها لكنه خسر بشكل غريب، واستسلم قادته بسهولة وكأنهم ينتظرون هذه النتيجة منذ زمن بعيد. بين جنود الهزيمة كان هناك قائد شاب يرفض النوم، قلبه مشتعل بالأسئلة، كيف تخسر مملكة عريقة حربًا كان من المفترض أن تكسبها؟ قرر أن يكسر القيود فادّعى الخيانة وانضم إلى صفوف العدو متظاهرًا بولائه لهم، وبفضل مركزه القيادي استقبله العدو بالأحضان وكشفوا له أسرارًا خطيرة: أسماء العملاء وخطط التآمر وتاريخًا طويلًا من الخيانات التي نخرت جسد المملكة. كانت الصدمة قاسية، فقد اكتشف أن قادته الذين اعتبرهم قدوة هم أول من خان، وأن سقوط المملكة لم يكن صدفة بل صناعة داخلية، فلم يحتمل وقع الحقيقة وانزوى في غرفته ذات ليلة شتوية وعلّق حبلًا يريد أن يشنق نفسه به ليتخلص من عار المعرفة، صعد على الكرسي وأدخل الحبل في عنقه، لكن قبل أن يرفس الكرسي دخل عليه رجال غامضون وأمسكوا به. أخبروه أنهم هم من سهّلوا له الوصول إلى أسرار العدو وهم من كشفوا له الأوراق وهم من خططوا لكل ما جرى، لم يكن بطلًا متمردًا كما ظن، بل أداة يجري إعدادها بعناية، كان الوحيد الذي لم يقع تحت سيطرتهم فأرادوا أن يصنعوا منه القائد الثوري المعارض ليعود إلى الحكم تحت شعارات جديدة، لكنه في الحقيقة سيكون حاكمًا بوصايتهم. وهكذا عاد القائد إلى عرش المملكة لا بصفته منقذًا حرًّا بل أداة في يد من ظنّ يومًا أنهم أعداؤه، وبينما فرح الشعب بعودة القائد الثائر، كانت المملكة قد دخلت فصلًا جديدًا من التبعية يُكتب على أوراق لم يخطها أبناؤها.

Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
التقيمات المضمنة
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى