آراء متنوعة

الطابور: تأملات في ثقافة الانتظار

الطابور: تأملات في ثقافة الانتظار

في انتظار الدور
ما زلت أذكر قدمي الصغيرتين المتعبتين ووجوه الناس المتوترة التي تحيط بي وأنا في العاشرة من عمري، أقف ساعات طويلة كي أحضر ربطة خبز لأسرتي. تلك الذكرى، رغم مرور أكثر من ستة عقود، لا تزال حية في ذهني كأنها حدثت البارحة. والغريب أن المشهد نفسه يتكرر اليوم بأدق تفاصيله، وكأن الزمن قد قرر أن يقف ساكنًا عند باب الفرن. هذه المفارقة بين الماضي والحاضر لا تعكس مجرد بقاء لظاهرة، بل تكشف عن حقيقة أعمق: الطابور ليس ظاهرة عابرة، بل هو مؤسسة اجتماعية راسخة، تجسّد علاقتنا المعقّدة بالزمن والدولة والمجتمع، ولا تحتاج إلى دستور مكتوب لأن قوانينها مُتأصلة في وجداننا.

في هذا الصف الطويل، يتحول المكان العادي إلى مسرح حي. ترى فيه صبر الأمهات المتجذر، وغضب الشباب المكبوت، وفوضى الازدحام التي تتحول أحيانًا إلى نظام بدائي خاص. هناك دائمًا من يبتكر طرقًا للالتفاف على “الدور” بحجة ذاهب ويعود، أو بإرسال طفل ليحفظ المكان. وفي المقابل، هناك من يتشبث بحقه في الدور كأنه يتشبث بكرامته، فيجادل ويصرّ حتى لو لم يره أحد في البداية. إنه مشهد يختزل ثقافة كاملة من العلاقات والصراعات والأخلاق اليومية، ويكشف عن روح المجتمع أكثر من أي استطلاع رأي أو تحليل أكاديمي.

الطابور أيضًا هو المرآة السياسية التي تعكس صحة الدولة وسقمها دون مواربة. فطوابير الخبز في الصباح الباكر ليست سوى تقرير حي عن الأزمة الاقتصادية، وطوابير الانتخابات الطويلة أو القصيرة بشكل مريب تحكي قصة الثقة أو انعدامها في النظام، وطوابير السفارات التي تمتد لشوارع كاملة هي صورة مرئية عن أزمة الأمل والهروب. في كل حالة، يشير طول الطابور أو قصره إلى مدى قربنا أو بعدنا عن الإصلاح الموعود. إنه المؤشر الشعبي الأمين الذي لا يحتاج إلى تعليق خبير.

وفي خضم هذا الجد والانتظار والضجر، تبرز لمحات من طرافة لا يمكن إنكارها، كأنها آلية دفاع جماعية ضد عبثية الوضع. هناك الفكاهة السوداء في جدال شخصين حول “من كان أولا”، أو حين يكتشف الجميع في اللحظة الحاسمة أن النافذة الموعودة لن تفتح لأن الموظف قد غادر.

وحتى في عصر السرعة الافتراضية، لم نستطع الفكاك من قبضة الطابور. ها نحن نقف في طوابير لدفع فاتورة اشتراك بالإنترنت أو فاتورة الكهرباء، هذا إذا كانت لدينا كهرباء أصلا، نحدق في الشاشة التي تخبرنا بأننا الرقم عشرة آلاف في قائمة الانتظار. وكأن القدر يهزأ بنا، مؤكدًا أننا محكومون بثقافة الانتظار، سواء كنا أمام فرن شعبي أو أمام أحدث منصة رقمية.

في النهاية، الطابور في عالمنا العربي هو أكثر من مشهد روتيني، إنه طقس يختزل فلسفة كاملة في العيش المشترك. هو المكان النادر الذي تتساوى فيه الأقدام المتعبة على الأرض، بغض النظر عن من يحملها. قد يكون علامة على خلل متراكم، ولكنه أيضًا مساحة للإنسانية المشتركة، حيث نلتقي وجهاً لوجه مع الغريب ونشاركه نفس الهواء ونفس الترقب. ربما يكون في هذا الالتقاء القسري فرصة للتفكير في معنى العدالة، وأيضًا فرصة نادرة لنرى أنفسنا في عيون الآخرين.

علي قاسم

كاتب سوري مقيم في تونس

 

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.

Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
التقيمات المضمنة
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى