السياسة بين المفهوم والممارسة.قرأة في الواقع العراقي المعاصر
السياسة، في معناها العام، هي فن تدبير شؤون الناس وإدارة المصالح العامة بما يحقق الأهداف المشتركة، سواء على مستوى الدولة أو الحزب أو الجماعة أو حتى الأفراد الذين يتخذون لأنفسهم منهجاً وخط سيرٍ معيناً في التعامل مع الواقع ومشكلاته. فهي تعني باختصار المنهج الذي يُتّبع لتحقيق غايات محددة وتنظيم العلاقات الداخلية والخارجية ضمن إطارٍ من المبادئ والمصالح. أما السياسي فهو الشخص الذي يتولى تنفيذ السياسة ورسم ملامحها العملية، فهو المعبّر الواقعي عن المنهج السياسي، والمترجم لأفكاره إلى قرارات ومواقف وإجراءات ملموسة. وإذا كانت السياسة هي الفكر والخطة، فإن السياسي هو الأداة التنفيذية التي تُظهر ذلك الفكر على أرض الواقع. ومن هنا ينشأ الفرق بين الاثنين؛ فـالسياسة تمثل الإطار النظري أو الرؤية الشاملة، بينما السياسي يمثل الجانب العملي والتطبيقي لتلك الرؤية.
نجاح السياسة أو فشلها يتوقف على مجموعة من الأدوات والعوامل، من أبرزها: وضوح الرؤية والأهداف، إذ إن كل سياسة غامضة أو متناقضة في غاياتها محكوم عليها بالاضطراب. كذلك القدرة على قراءة الواقع بدقة، فنجاح السياسي في تقييم الظروف الداخلية والخارجية يجعله أقدر على اتخاذ القرارات المناسبة في الوقت المناسب. كما أن الأخلاق والشفافية من الركائز الأساسية في كل عمل سياسي ناجح، فكل سياسة تخلو من المبدأ سرعان ما تنهار أمام أول اختبار حقيقي. ويُضاف إلى ذلك حسن القيادة والإدارة، لأن ضعف الإدارة قد يفسد حتى أعظم الأفكار، فضلاً عن أهمية الانفتاح والتواصل مع الشعب، فحين تنعزل السياسة عن الناس وتتعالى عليهم تتحول إلى سلطة قهر لا إلى وسيلة خدمة.
أما أسباب الفشل السياسي فتتمثل غالباً في غياب التخطيط، وتغليب المصالح الشخصية والحزبية على المصلحة العامة، وضعف الكفاءة الإدارية، والانقسام الداخلي، وفساد البنية الأخلاقية والسياسية للنخب. وعند النظر إلى الساحة السياسية العراقية المعاصرة نجد أنها مثال حي لتقاطع هذه العوامل. فمنذ عام 2003 وحتى اليوم، لم تستقر السياسة في العراق على خط واضح أو مشروع وطني جامع، إذ تعددت الولاءات والانتماءات الحزبية والطائفية والقومية حتى غابت الهوية الوطنية الواحدة التي يمكن أن تشكل أساساً لسياسة مستقلة. السياسي العراقي اليوم – في كثير من الحالات – أصبح أسير التحالفات المؤقتة والمصالح الفئوية أكثر مما هو ممثل لمشروع وطني شامل، وهذا ما جعل السياسة العراقية تدور في دائرة مغلقة من الأزمات المتكررة، وانعدام الثقة بين الشعب والطبقة الحاكمة، وضعف المؤسسات.
ورغم وجود كفاءات وطنية تحاول استعادة المسار الصحيح، إلا أن غلبة منطق المحاصصة والفساد الإداري والسياسي تجعل من الصعب تحقيق نجاح مستدام. فالسياسة – كفكر ومنهج – قد تكون سليمة في أصلها، لكن السياسيين الذين يُفترض بهم تنفيذها قد يفرغونها من مضمونها إذا ما غابت عنهم روح المسؤولية والولاء للوطن. وفي الختام يمكن القول إن السياسة بلا أخلاق تتحول إلى سلطة قهر، والسياسي بلا رؤية يتحول إلى موظف مصالح. فنجاح الأمم لا يتحقق بالخطط وحدها، بل برجال صادقين يحولون الفكر إلى واقع والمبدأ إلى سلوك. والعراق، كساحة مليئة بالفرص والتحديات، ما زال ينتظر تزاوجاً حقيقياً بين السياسة الراشدة والسياسي النزيه ليبدأ صفحة جديدة من تاريخه المعاصر.