آراء متنوعة

عندما صدّق البغل أنه أسد الغابة

ما بعد 2003: كيف صُنعت دولة الوكلاء في العراق؟

زياد الشيخلي

لم يكن عام 2003 مجرد أحتلال و سقوط نظام بل انكسار فكرة الدولة. فمنذ تلك اللحظة لم يُفتح باب السيادة بل فُتحت أبواب الفوضى و الوصاية و الاستعمار على مصراعيها. دخل الاحتلال عسكريًا لكنه خرج جزئياً بعد سنوات تاركًا خلفه ما هو أخطر: طبقة حكم هجينة و مُصنّعة بلا جذور وطنية ولا مشروع دولة ولا فهم لمعنى السيادة.
في تلك المرحلة، وُلد “البغل السياسي” العراقي:

قويّ بدعم الخارج
كثير النهيق صاخب في الإعلام
عقيم في الإنتاج الوطني
كثير الرفس و السباب والشتم واللعن
مقدس عند البعض
ومطيع في تنفيذ الأجندات الخارجية.

لم تأتِ هذه الطبقة عبر نضال أو استحقاق بل عبر تاريخ مخزي من العمالة والخيانة و ترتيبات ما بعد الاحتلال: مجالس مُعيّنة محاصصة مفروضة دستور كُتب تحت رعاية المحتل ومؤسسات صُمّمت لتمنع قيام دولة قوية ذات سيادة.

كان المطلوب واضحًا:

إدارة وسرقة مقدرات بلد لا بناؤه.
ضبط مجتمع وفق فوضى طائفية و عنصرية من اجل تفكيكه لا توحيده.
تهميش الجيش واضعافه لا إعادة تأسيسه على عقيدة طائفية وبناء فصائل مسلحة اقوى منه.

رفعت هذه القوى شعارات “الديمقراطية” بينما كانت تُفرغها من مضمونها عبر التزوير وشراء الأصوات والذمم وتحدثت عن “السيادة” فيما القرار موزّع بين سفارات ايران وامريكا وغرف عمليات خارج الحدود. لم يكن العراق دولة قرار بل ساحة توازنات يُدار بالنيابة ويُستنزف بلا حساب.

بعد الانسحاب العسكري الأميركي لم يأتِ الاستقلال بل جاء الانهيار .
جاء تعدد الأوصياء.
تغيّرت مراكز التأثير وتبدّلت لغة الخطاب لكن جوهر الحكم بقي تابعًا. خطاب ناري للاستهلاك الداخلي وعود كاذبة وممارسة منبطحة في الخارج. صراخ في المنابر وهدوء مطلق وخضوع عند حدود القرار الحقيقي.
الأخطر أن هذه الطبقة لم تفشل صدفة بل فشلت وظيفةً و برغبة و ارادة دولة الجوار.
فهي لم تُنتج اقتصادًا
ولم تبنِ مؤسسات
ولم تحمِ سيادة
لأن قيام دولة حقيقية يعني انتهاء دورها.
حوّلت المحاصصة إلى نظام حكم دائم
والفساد إلى أداة إدارة
والأمن إلى ملف مساومات
والجيش إلى توازن داخلي لا درع وطني.
كل أزمة كانت فرصة للبقاء والسرقة والثراء
وكل فشل كان مبررًا لتمديد العمر السياسي
وكل احتجاج كان يُقابل بالتخوين أو القمع أو الاحتواء.
وعندما سُئلوا عن الخراب قالوا “الإرث الثقيل”.
وعندما انهار الأمن قالوا: “الظروف الإقليمية”.
وعندما طالب الناس بدولة قالوا: “لا بديل”.
لكن الحقيقة أبسط وأقسى:
أن من صُنِع بعد 2003 لإدارة مرحلة انتقالية لا يصلح لحكم دولة.
ومن عاش عمره يستمد شرعيته من الخارج لا يستطيع اتخاذ قرار سيادي.
ومن بنى سلطته على الانقسام سيخاف دائمًا من الوحدة الوطنية.

ثم جاءت ذروة الوهم:

أن هؤلاء وقد طال بقاؤهم تصورا أنهم
ضباع لا تقهر؟
والضباع لا تولد الا في مغارات الاحتلال
ولا يترعرع في ظل الوصاية
ولا يحكم الا وهو يخشى الهاتف الخارجي وتغريدات سافايا.

العراق بعد 2003 لم يُحكم بالأسود
بل ببغال سياسية:

تحمل الأثقال
تنفّذ الأوامر
وتنهق عاليًا… لكنها لا تقود .

والوطن مهما طال العبث به لا يعترف إلا بمن يملك القرار ومن يدفع ثمن السيادة ومن يفهم أن الدولة لا تُدار بالإنابة.
أما من صدّق أنه أسد لأنه جلس طويلًا على الكرسي فسيكتشف متأخرًا أن التاريخ لا يرحم الهُجُن السياسية ولا يكتب المجد للوكلاء.
وأن الغابة لا تعترف بنهيق البغال بل بمن يملك القرار .

أما البغال السياسية فمصيرها واحد في كل العصور:

تُستخدم حتى تَهرم
ثم تُترك كجيف على جانب الطريق

 

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.

Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
التقيمات المضمنة
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى