مقالات دينيةمنوعات

البطريرك عبديشو الرابع: عهد تثبيت الهوية الكلدانية الكاثوليكية

يُعد مار عبديشو الرابع مارون (1555–1570) الشخصية الأبرز في استمرارية الاتحاد بين كنيسة المشرق وكرسي روما. فبعد الاستشهاد الدرامي للبطريرك الأول يوحنا سولاقا، وقعت على عاتق عبديشو مسؤولية الحفاظ على هذا الكيان الناشئ ومنع اندثاره.

1. النشأة والخلفية الرهبانية
ولد عبديشو في مدينة جزيرة ابن عمر (Gazarta) الواقعة على نهر دجلة. انخرط في الحياة الرهبانية مبكراً، حيث تتلمذ في أديرة عريقة مثل دير القديس أنطونيوس ودير مار أحا ويوحنا. عُرف عنه سعة العلم والتبحر في اللغة السريانية وتراث الكنيسة. في عام 1554، سامه البطريرك يوحنا سولاقا مطراناً على مسقط رأسه (جزيرة ابن عمر).

2. اعتلاء الكرسي البطريركي (1555)
بعد مق*ت*ل يوحنا سولاقا في أوائل عام 1555، انتخبه الأساقفة المتحدون مع روما خلفاً له. واجه عبديشو صعوبات لوجستية وسياسية هائلة منعته من السفر إلى روما لتثبيت انتخابه فوراً، فانتظر حتى عام 1561 ليبدأ رحلته الطويلة والشاقة نحو الفاتيكان.

3. الرحلة إلى روما ومجمع ترينت (1561-1562)
كانت زيارة عبديشو الرابع لروما نقطة تحول في الاعتراف الدولي بالكنيسة الكلدانية:

تثبيت الانتخاب: في 7 آذار 1562، قدّم إقرار الإيمان الكاثوليكي أمام البابا بيوس الرابع. وفي 17 نيسان من العام نفسه، تسلم “الباليوم” (الصدرية البطريركية) التي أعلنته رسمياً “بطريركاً لآشوريي الشرق”.

المشاركة في مجمع ترينت: لم ينتظر عبديشو طويلاً في روما، لكن مبعوثيه حملوا رسائله وإقراره بالإيمان إلى مجمع ترينت (Council of Trent) في جلسته الـ 22 عام 1562. هناك، قُرئت سيرته وإقراره بالإيمان أمام أساقفة العالم الكاثوليكي، مما أعطى الكنيسة الكلدانية شرعية عالمية.

4. الجغرافيا الكنسية والنزاع مع البرتغاليين
في رسالة وجهها إلى البابا عام 1562، ذكر عبديشو وجود 38 أبرشية تحت سلطته، تمتد من الدولة العثمانية إلى بلاد فارس وصولاً إلى الهند.

خلفية تاريخية: رغم أن الباحثين المعاصرين يرجحون أن العدد الفعلي للأبرشيات العاملة كان حوالي 14، إلا أن القائمة عكست طموح البطريرك في استعادة وحدة كنيسة المشرق تحت المظلة الكاثوليكية.

الصدام مع البرتغاليين: احتج الأساقفة البرتغاليون في مجمع ترينت على ادعاءات عبديشو بسلطته على مسيحيي الهند (مسيحيي مار توما)، حيث كان البرتغاليون يسعون لفرض سلطتهم اللاتينية هناك.

5. الإنجازات التشريعية والطقسية
كان عبديشو حريصاً على الهوية الشرقية للكلدان، ومن أبرز إنجازاته:

حماية الطقس الكلداني: حصل في عام 1565 على تأكيد بابوي يسمح للكنيسة الكلدانية بالاحتفاظ بـ طقوسها وتقاليدها الشرقية القديمة، وهو ما وضع الحجر الأساس لخصوصية الكنيسة الكلدانية ككنيسة كاثوليكية شرقية.

نقل المقر البطريركي: نظراً للاضطرابات في “آمد” (ديار بكر)، نقل الكرسي البطريركي إلى دير مار يعقوب الحبيس بالقرب من “سعرت”، ليضمن بيئة أكثر أماناً لإدارة شؤون الكنيسة.

6. وفاته وإرثه
توفي البطريرك عبديشو الرابع في 11 أيلول 1570. يذكره التاريخ الكنسي كقائد حكيم استطاع عبر الدبلوماسية الدينية تثبيت الاعتراف بـ “بطريركية الكلدان” في المحافل الدولية، وضمان بقاء الخط الكاثوليكي حياً في مرحلة كانت تهدد بانهيار الوحدة مع روما.

Subscribe
نبّهني عن
guest

2 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
يوخنا اوديشو دجبرزانا
يوخنا اوديشو دجبرزانا
2026-03-09 21:05

اليس هناك بعضاً من التناقض من اعلانه الرسمي (( بطريركاً لآشوريي الشرق )) وبين عنوان المقال ؟
هذا اذا تبنينا وجهة النظر الداعية الى التمييز بين الاشورية والكلدانية

محرر الاخبار
محرر الاخبار
المدير
2026-03-09 21:14

تحية طيبة،
لا يوجد أي تناقض.
التسمية التي ظهرت في بعض الوثائق اللاتينية في القرن السادس عشر مثل “Patriarcha Assyriorum Orientis” كانت مجرد وصف جغرافي كنسي استخدمه الكتّاب الغربيون للدلالة على مسيحيي كنيسة المشرق بشكل عام، ولم تكن تعبيراً عن قومية بالمعنى الحديث.

في الفترة نفسها استخدمت روما أيضاً تسمية “Patriarcha Chaldaeorum” (بطريرك الكلدان) لوصف الجماعة التي دخلت في الاتحاد مع الكرسي الرسولي بعد اتحاد يوحنا سولاقا سنة 1553، وهو الاسم الذي استقر لاحقاً وأصبح الاسم الرسمي للكنيسة الكلدانية الكاثوليكية.

Last edited 2 شهور by محرر الاخبار
زر الذهاب إلى الأعلى