مِروحة كهربائيَّة ــ قِصَّة قَصيرَة ــ
مِرْوحة كهْربائيَّة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ــ قِصَّة قَصيرَة ــ
بِقلَم : شذى توما مرقوس
الأَحد 22 / مايس / 2016 م
ما الَّذِي تَفْعلَهُ النَوايا الطيَّبة ؟
إِنَّها تَجْعلُ الفرَد مِنّا أَعْمى لا يُبْصِرُ إِلا حدُود قلْبِهِ وعملِهِ ….
لقَدْ كانَ العمّ سليمان رَجُلاً صالِحاً مُتْخماً بِالنَوايا الحسَنَة الَّتي تُحرِّكهُ في كُلِّ فِعْلٍ يَصْدُرُ عنْهُ .
اشْتَهرَ في الحي بِطيبةِ قَلْبِهِ ، لكِنَّ ذلِك لَمْ يَنْفعهُ في كسْبِ حُبِّ النَّاس ، بَلْ على العكْسِ كانَ يُمثِّلُ مَصْدَرَ إِزْعاجٍ لَهُم وثِقلٍ وهمّ ، فكانَ الكثيرون حِيْن يَلْتَقون بِهِ يُحاوِلون مِنْهُ فكاكاً والتَملُّص مِنْ اهْتِمامِهِ فهو يَسْأَلهُم وبِإلحاحٍ وبِتَفْصيلٍ عنْ أَحْوالِهِم وأُمورِهِم العائليَّة ، الوَظيفيَّة والاجْتِماعيَّة ، دوْنَ أَنْ يَخْطُرَ لهُ على بَال إِنَّهم رُبَّما يُريدون أَنْ يَحْتَفِظوا بِهمومِهِم لأَنْفُسِهِم وإِنَّهم لا يَطْمعون في مُسَاعدتِهِ ، لَمْ يكُنْ فضوليَّاً ، لكِنَّ قلْبَهُ الطيّب جعلَهُ رَجُلاً لَحُوحاً يَدُسُّ أَنْفهُ في شؤونِ الآخرِين دوْنَ أَنْ يَنْتَبِه لِذَلِك ، فهو إِنْ شَعرَ بأنَّ شَيْئاً ما يُضايقهم ذَهبَ كُلَّ يَوْمٍ إِلَيْهم في زِيارةٍ بغْية التَخْفيفِ عنْهم وشدِّ أَزْرِهِم ومُسَاعدَتِهِم ، وإِنْ احْتَاجوا شَيْئاً قلَبَ الدُنْيا وأَقْعدَها لِيَأْتي بِهِ إِلَيْهِم .
البَعْض كانوا يَحيدون عنْ طرِيقِهِ حتَّى لا يَلْتَقونَ بِهِ ويَتَجنَّبون مُصادفتِهِ ، لكِنَّ الكُلّ كانوا مُتَفقين إنَّهُ ذو قلْبٍ صالِحٍ غاصٍ بِالنَوايا الطيَّبة الحسَنَة ، وبَعْدَ أَنْ كانوا يَتفِقون على هذا يَبْدأون بِنَفْضِ ما في قلُوبِهِم عنْهُ ويَنْتَقِدون تَصرُفاتِهِ وتَعامُلِهِ مع الأُمورِ ، وإِنْ كانتْ كُلّها صادِرَة عنْ حُسنِ نيّة وطيبَةِ خاطِر ، ورَغْم اتفاقِ الكُلِّ فهذا لَمْ يَمْنَعْ مِنْ أَنْ تُراوِد الشُكوك بَعْضاً مِنْهم ( وإِنْ فيما نَدر ) في نَواياه وحقِيقَةِ طيبتِهِ ، لكِنَّ لا أَحدَ مِنْهم كانَ يُصارِحهُ بِما يُغيظُ الآخرين مِنْهُ ، والعمّ سليمان سادِرٌ في عالَمِهِ يَحْلمُ بِتَخْليصِ الجميعِ مِنْ همُومِهِم وإِسْعادِهِم ، وتَوْفيرِ وإِنْ بَعْضاً مِمَّا يَحْتَاجون إِلَيْه مِنْ الضرُوريَّات ، رَغْم إنّهُ كانَ فقيرُ الحالِ مِثْلَ مُعْظمهم إِنْ لَمْ يكُنْ أَفْقَرَ مِنْهُم …
وذاتَ يَوْم ، وبيْنما كانَ في السوق تَعرَّفَ على أَبو نعمان مِنْ حيٍّ آخر ، وحديثُ العهدِ بِالسَكنِ فيهِ ، فجلسَا في المَقْهى القرِيب يَرْتَشِفان سَويَّةً الشَاي رغْمَ الصيف القَائض ويَتَبادلانِ أَطْرَافَ الحدِيث ، وبَعْدَ أَنْ تَكرَّرتْ اللِقاءات بَيْنَهُما دعا أَبو نعمان صدِيقَهُ العمّ سليمان لِزِيَارتِهِ وعائلتِهِ فوَعدَهُ بِذَلِك .
زَوْجة العمّ سليمان وأَوْلادِهِ ما كانوا يُوافِقونهُ على إِلْحاحِهِ وسلوكِهِ ، لكِنَّ حُبَّهم لَهُ واحْتِرامهُم إيَّاهُ جعلَهُم يَصْطَّفون خلْفهُ بِغضِّ النَظَرِ عنْ قَناعاتِهِم فهو والِدهم ، ولطالَما دخلَتْ معهُ زَوْجتهُ في نِقاشَاتٍ وجِدالاتٍ علَّها تُغيّر مِنْ أَمْرِهِ حيْداً ، ولكِنْ كُلّ مُحاولاتِها تَبعْثرَتْ هباءً أَمام عِنَادهِ وإِصْرارِهِ ، فما تَرَكَ لَها مِنْ خيارٍ غيْرَ أَنْ تَقِفَ إِلى جانِبِهِ غاضّةً الطرْف عن احْتِجاجِها على كُلِّ ذَلِك .
حيْنَ بدأَ المسَاء يَزْحفُ في سَماءِ يَوْمِهِ على آثارِ العصْرِ الحارِق ذو الشَمْسِ اللاهِبَة ، وأَرْصِفةُ الشَوارِعِ تلْتَهِبُ ناراً حتَّى إِنْ الأَسْفلْت فيها يَصِيرُ ليناً رَخْواً بِفِعْلِ الحرارَةِ ، اسْتَعَّدَ العمّ سليمان وأَهلِ بَيْتِهِ لِزِيارَةِ صدِيقِهِ الجدِيد ، وكانَ على العائلة أَنْ تَقْطعَ مسِيرَة نِصْفِ سَاعةٍ سيْراً على الأَقْدامِ وتَحْتَ وطْأَةِ الحرِّ اللاهِبِ لِيَبْلغوا المآل ، ورَغْمَ تَذمُّرِ جمِيعِ أَفْرادِ العائلَة لكِنّهُ أَفْلَح وككُلِّ مَرَّة في قِيادتِهِم إِلى حيْث يُرِيد ، فخرَجوا معهُ وبَدأوا المسِير، والشَمْسُ تَسْلُقُ رؤوسَهُم وتصْليهم بِحرارَتِها دوْنَ رَحْمَة ، بَدأَ العرَقُ يَتَصبَّبُ مِنْ أَجْسَامِهِم وصارَتْ إِبْنَتهُ الصُغْرى تَبْكي تُرِيدُ العوْدَة إِلى المَنْزلِ ، لكِنَّ الأَبُّ الطيِّب وعدَها بِأَنَّ لِصدِيقِهِ إِبْنةً في عُمُرِها وبِالتَأْكيد ستُصْبِحان صدِيقتَان وتَلْعبان معاً ، فكفَّتْ عنِ البُكاءِ على أَملِ اللِقاءِ بِالصدِيقَةِ الجدِيدة واللَعِبِ معها .
أَيْضاً زَوْجتهُ والَّتي كانَتْ تُعبِّرُ عنْ احْتِجاجِها على كُلِّ هذا الأَمْرِ بيْنَ الحِيْنِ والحِيْن وانْزِعاجِها مُعْلِنةً إنَّهُ بِهذا يُؤْذي صِغارَهُما ، فكيْفَ سيكونُ الحال إِنْ وقعَ أَحدُ أَوْلادِها صرِيع الحرِّ ، أَوْ أُغْمي علَيْهِ مِنْ جراءِ الحرِّ اللاهِب ، فهذِهِ مُجازَفةٌ ما بَعْدَها مُجازفة ، فصارَ يَمْتَّصُ غضَبَها واحْتِجاجها بِلطيفِ كلامِهِ مُعلِناً لَها إِنَّها إِنَّما بعملِها هذا تفْعلُ صنِيعاً سيُجازِيها عليهِ الله حتْماً بِأَضْعافِ الخيْرِ في أَوْلادِهِما فهذِهِ العائلَة تَحْتَاجُ لِلسَلْوى والعون ، فهي عائلَةٌ فقِيرةٌ جدَّاً وتُعاني الإِحْباط والصعُوبات والمَشقَّات ، وإِنْ هذِهِ الزِيارَة ستُسْعِدهُم حتْماً …. فقالَتْ لهُ :
ــ يا رَجُل ، لا تَتْرُك طيبَةَ قلْبك تَسْلُبكَ البَصيرَة ، فمِنْ أَيْنَ لِهذِهِ العائلَة الفَقِيرَة تكالِيفَ ضيَافة سَبْعة أَفْراد ، رُبَّما لَيْسَ لديهِم ما يُقدِّمونهُ لَنا ، رُبَّما سيَضْطُّرون لِتَقْدِيم طعامِهِم لَنا كحُسْنٍ لِلضيَافةِ وسنُرْغِمهُم على مُقَاسمتِنا ما لَهم ، أَيْ إِنَّنا بِهذا العمَل سنُؤْذيهم ونُزِيدُهم فقْراً ونُكلِّفهُم فَوْقَ ما يَسْتَطيعون ونَجْعلُ حياتَهُم أَصْعب بَدلاً مِنْ أَنْ نُسَاعِدَهُم على حالِهِم وبلْواهم بِفَقْرِهِم ، أَلَمْ يكُنْ مِنْ الأَفْضلِ لَوْ إنَّكَ ذَهبْتَ لِزِيارَتِهِم لِوَحْدِك …
ــ لا يا إِمْرأَة لا …. الرَجُل دعاني مَع عائلَتي لِزِيارَتِهِم ، فإِنْ ذهبْتُ لِوَحْدي إِلَيْهِم كانَتْ هذِهِ إهانَة بالِغة لَهُم ، وأَنْتِ خيْرُ العارِفاتِ بأنَّ هذا مُعِيب ….
ــ يا أَبو فرج لا يَجُوز ما أَنْتَ علْيهِ ، الخيْر أَنْ تَتْرُكَ النَّاس لأَحْوالِهِم ، فما تَفْعلهُ هو تَدخُّلٌ في شُؤونِهِم ….
ــ عجباً لكِ يا إِمْرأَة … تُرِيدينَ أَنْ نَكُونَ كالغُرْبَان ، لا يَزورَنا أَحدٌ ولا نَزورُ أَحداً …. وأَنْ نَكُونَ أَنانيين لا تَهُّمنا سِوى أَحْوالَنا ….
ــ يا زَوْجي العزِيز … انظُرْ إِلى الأَوْلاد كيْفَ آلَتْ إِلَيْهِ أَحْوالهُم بِفِعْلِ الحرِّ …
ــ سيَنْسونَ ذلِك بِمُجردِ وصولنا البَيْت ، إِنَّهُ لَيْسَ بِبَعيد ، رُبَّما بِضْعة دقائق أُخْرَى ….
مرَّتْ النِصْفُ سَاعةٍ على الكُلِّ طوِيلَةٌ كدَهْر ، حتَّى لاحَ رَقْمُ المَنْزِلِ ، فتَنَفَّسَ الكُلُّ الصعْداء ، دقَّ العمُّ سليمان الجرَس ، ودخلُوا الدار ، اسْتُقْبِلوا بِتَرْحيبٍ وحفَاوةٍ ، وقُدِّمتْ أَقْداحُ المَاءِ البَارِد للكُلّ ….
أَجالَتْ أُمُّ فرج بَصَرَها فيما حوْلها وكانَتْ آثارُ الفُقْرِ تَصيحُ في كُلِّ زَاويَةٍ مِنْ زَوايَا المكانِ ، وفي كُلِّ وَجْهٍ مِنْ وجُوهِ أَفْرادِ الدارِ ، فقْرٌ مُدْقع … خجِلَتْ في نَفْسِها مِنْ هذِهِ الزِيارَةِ والَّتِي لا تَزِيدُ هذِهِ العائلَة المسْكينَة الفَقيرَة إِلاَّ إِحْراجاً فَوْقَ شَقائها وبُؤْسِها ، حتَّى إِنَّ هذِهِ العائلَة لَمْ تَكُنْ تَمْلُكُ ولا حتَّى مَهفَّات الخُوْصِ المَصْنُوعةِ مِنْ سَعْفِ النَخيلِ والَّتِي كانَ امْتِلاكها أَمْراً عاديَّاً في كُلِّ البيُوت ، وكانَ كُلُّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرادِها قَدْ اسْتَعانَ بِقِطْعةِ ورَقِيَّةٍ ، أَوْ كارتُون ، أَوْ قِطْعةٍ بلاستِيكيَّة يَهُزُّها يَميناً وشِمالاً لإِحْداثِ تَيْارٍ هوائيِّ قَدْ يُخفِّفُ مِنْ شِدَّة الحرِّ وإِنْ هوْناً ، وزَادتْ الزِيارَةُ مِنْ مُعاناةِ هذِهِ العائلَةِ فلَقَدْ اضْطَّروا لِلتَضْحيَةِ بِمَهفَّاتِهِم الورَقِيَّة الكارتُونيَّة البلاستِيكيَّة لِلضيوفِ الَّذِين شَواهُم الحرّ ، وكانَ تَضايُق العائلَةِ مِنْ الزِيارَةِ مَحْسُوساً رُغْمَ مُحاوَلَةِ اخْفاءِ ذَلِك الشعُور ورُغْمَ اسْتِقْبالِهِم لِلضيوفِ بِحفَاوةٍ ظاهِرةٍ نتِيجةَ الحرِّ والإِحْرَاجِ مِنْ فَقْرِهِم الشَدِيد بِحيْث ضَحُّوا بِحفْنَةِ الشَاي الأَخيرَةِ المُتَبقيَّة في مَطْبَخِهِم لِلضيوفِ ثَقيليّ الظلّ ، فالضِيافَة واجِبٌ ولَيْسَ كرَمٌ …..
حاوَلَتْ أُمُّ فرج بِحصافَةٍ وحِكْمَةٍ تَقْليصَ أَمَدِ الزِيارَةِ طالِبَةً مِنْ زَوْجِها المُغادرَة بلطيفِ الكلامِ مرَّة ، وبِالحُجةِ أُخْرَى ، وبِالإِيماءَةِ ثالِثَة ، بِالهَمْسِ أَحْياناً أُخْرَى وغَيْرِها ، لكِنَّ العمّ سليمان لا يَتزْحزَّحُ عنَ مكانِهِ ، وكانَ يَهْمِسُ لَها في كُلِّ مرَّةٍ :
ــ الوَقْتُ مُبكِّرٌ يا إِمْرأَة ، لا يجوزُ المُغادرَة الآن فهذِهِ إِهانةٌ لَهُم …
وطالَتِ الزِيارَة خَمْس سَاعاتٍ أُخْرَى وأَكْثَرْ ، نَظرَتْ أُمُّ فرج إِلى أَوْلادِها وقَدْ إِحْمرَتْ سَحْناتهُم مِنْ شِدَّة الحرِّ ، وبدوا وكأَنَّهُم قد سُلِقوا في قِدْرِ ماءٍ مغْلِي ، وكانَ أَوْلادُها يَتَملْمَّلُون في أَماكنِهِم ضَجراً غيْر قَادرين على مُطالبِة والِدَهُم إنْهاء الزِيَارة ، ويَتَوسَّلُونَ إِلَيْها بِنَظراتِهِم لِتُنْقِذَهُم ، وتَألَّمتْ جدَّاً لِحالِ أَوْلادِها ومُعاناتِهِم ، كما كانَتْ مُتَألِّمةً لِحالِ هذِهِ العائلَةِ الفقِيرَة ، ولَمْ يكُنْ أَمامَها غيْرَ أَنْ تُجْبِرَ زَوْجها على إِنْهاءِ الزِيارَة ، فخرَج غاضِباً يُعاتِبُها على قِلَّةِ ذَوْقِها …
أَمَّا عائلَة أَبو نعمان فلَقَدْ أَسْعدَها مُغادرَة ضيوفِها ثَقيليّ الظِلِّ أَخِيراً إِيَّما سَعادة وتَنَفَّسوا الصعْداء وكأَنَّهُم قَدْ تَحرَّروا مِنْ همٍّ ثَقيل ، فلَقَدْ تَقيَّدتْ حرَكتهُم طيلَة فَتْرَةِ وجودِ الضِيوف والمَنْزِل الصغِير الضَيق الَّذِي يَسْكنُونهُ لا يَسْمحُ لَهُم بِالانْزِواءِ إِنْ أَرادوا ذَلِك ، بَلْ هُم طيلَة الوَقْتِ تَحْتَ أَنْظارِ الضيوفِ وحرَكاتِهِم كُلّها مُمْكِّنٌ مُلاحظتَها ورَصْدها ، وكانَ هذا مَدْعاةُ إِزْعاجٍ بَليغٍ وعدَمِ ارْتياحٍ ….
بَعْدَ هذِهِ الزِيارَة بَدأَتْ مسَاعي العمّ سليمان لأَجْلِ جمْعِ تَبرُعاتٍ مِنْ كُلِّ مَنْ يَلْتَقيهِ واصِفاً حال تِلْكَ الأُسْرَةِ الفَقيرَة وضَرُورَةِ شِراءِ مِرْوحةٍ كهْربائيَّة لَها لِلتَقْليلِ مِنْ مَشَقَّاتِ حياتِها ، فصارَتْ هذِهِ العائلَة حدِيثَ الداني والقَاصي حتَّى وَصلَ الحدِيثُ مسَامِع المعْنيّ بِهِ فأَخذَهُ الغضَبْ مِنْ العمِّ سليمان لكِنَّهُ حاولَ كتْمَهُ والسيْطرَةِ علَيْهِ ، وتَكرَّرَتْ زِياراتُ العمِّ سليمان كما في أَوَّلِ مرَّة ، ورَغْم أَنَّهُ كانَ يشْعُرُ ببَعْضِ التَغْيير في مُعاملَةِ أَبو نعمان لَهُ لكِنَّهُ لَمْ يَأْبه لِذَلِك ظنَّاً مِنْهُ بِأَنَّهُ واهِم .
ظلَّ أَبو نعمان صابِراً على كُلِّ ما يَطْرُقُ أَسْماعهُ مِنْ أَحادِيثِ النَّاس عنْهُ وعنْ أَحْوالِ أُسْرتِهِ ، حتَّى كانَتِ المرَّة الأَخِيرَة حيْثُ جاءَ العمّ سليمان لِوَحْدِهِ زَائراً لَهُ وهو يكادُ يطيرُ فَرَحاً حامِلاً المِرْوحة الكهْربائيَّة بِفخْرٍ وسَعادةٍ فهذِهِ المِرْوحة ستُخفِّفُ مِنْ مُعاناةِ العائلَةِ مِنْ الحرِّ وإِنْ قليلاً ، لكِنْ داخلَهُ شُعورٌ غرِيبٌ وكُلُّ العيونِ تُحمْلِقُ فيه بِغضَبٍ وكُرْهٍ ، حتَّى صدِيقهُ أَبو نعمان لَمْ يكُنْ لطيفاً مَعهُ ، بَلْ انْفَجرَ في وَجْهِهِ صائحاً بِغضَبٍ لا يُوصف :
ــ لقَدْ فَضحتْنا عِنْد القاصي والداني ، فَضحتْ فَقْرنا وكأَنَّنا الفُقراءُ فقَطْ ، انْظُرْ حالكَ فأَنْتَ لَسْتَ بِالثَري ، رُبَّما لأَنَّك تَمْلُك مِرْوحةً كهْربائيَّة تَظنُ نَفْسَكَ أَغْنَى ، مَنْ قالَ لكَ إِنَّنا نَرْجو مُسَاعدتكَ ، اتْرُكنا لِحالِنا ، لا بُورِكت ، لقَدْ جعلْتَ مِنّا حدِيثاً لِلقاصي والداني ، وما عُدْنا نَقْوى على مُواجهةِ الآخرِين خجلاً …..
صُدِم العمّ سليمان صدْمةً كبيرَة حسَرَتْ عنْهُ الكلِمات وانْعقَدَ لِسَانهُ ، فوَضَعَ المِرْوحةَ على المِنْضدَةِ الصغيرَةِ القَرِيبةِ مِنْ البابِ وخرَج مكْسُورَ القَلْبِ حزِيناً ، لكِنَّ أَبو نعمان كانَ غاضِباً جدَّاً جدَّاً فخرَج لاحِقاً بِصدِيقِهِ ورَمى بِالمِرْوحةِ إِلَيْهِ بِكُلِّ قُوَّة فارْتَطمتْ بِبلاطِ الشَارِع وتَكسَّرَتْ أَجْزاءٌ مِنْها ، الْتَفتَ العمُّ سليمان إِلى مَصْدَرِ الصوْتِ ، فإِذا بِهِ يَرى المِرْوحة قَدْ تَبعْثرَتْ مِنْها بَعْض أَجْزائها في الشَارِع وأَبو نعمان يَرْمقهُ بِنَظراتٍ غاضبَةٍ تَقْدحُ شَرراً ، تَلاقتْ نَظراتُ الصدِيقينِ لِبُرْهةٍ ، نَظراتٌ غاضبَة تَقْدحُ شَرراً تُقابِلُها نَظراتٌ حزِينةٌ مُتَسائلَة لا تَعي أَسْبابَ ما يَجْرِي ومُتعجِّبة …
اسْتدارَ أَبو نعمان داخِلاً المنْزِل وأَطْبقَ البابَ خلْفهُ بِقُوَّةٍ وعُنْفٍ تُلازِمان شِدَّة غضَبِهِ ، وغادرَ العمُّ سليمان المَكان بِخُطىٍ حزِينةٍ مُتثاقِلة ، بَيْنَما تَجمَّع أَطْفالُ الحيّ حوْلَ المِرْوحةِ يتَفحَّصونَها ويَقْذِفونَ بِأَجْزائها المُتكسِّرَة في الهواءِ عالياً ويَدورونَ حوْلَها ويلْعبونَ بِها …
بَعْضُ الرؤوسِ تَدلَّتْ مِنْ فوْقِ أَسْوارِ المَنازِلِ المُجاورَةِ بِفضُولٍ ….
ــ انْتَهتْ ــ