والوطن لايغيبه الموت والأحباب أوطان

بشار دولة      

 

 

حين تتلعثم الذاكرة بتفاصي ل من نحب …
ليست محاولاتي هذه محاولة استدرار دمو ع كم كما تفعل المنظما ت الإنسانية المسيسة الكاذبة ،أو
استثارة عواط ف كم تجاهي، بقدر مايلّ ح قلمي عليَّ محرضني على إحا ط ت كم بما تتحمل روحي من ألم
الغربة وال ح رمان ،كشا ب أنا اغترب عن أهله بقص د الدراسة ،طبعا هذه ليست معاناتي أو نقصي
وحدي فقط وإنما معاناة الكثير ممن حذوا حذوي .
فقد ينقصني ما ت بَّذر به أنت أحيانا ،وتحتاج ما أ ب ط ر به أنا ،وهو صعب المنال عليك ،هاهي الحياة
متناقضة كما ترامب
الشتا ء قار ص هنا بلياليه الثلجية ،الك ل يعلم ماهية فص ل الشتاء ، مؤم ن أنا بما يسمى الحتمية أو
اللاعبثية ، يعني أنا لا أعر ف شيئا في هذه المعمورة يعم ل أو يصير عبث ا،ً فلك ل شي ئ غاية وهدف
والشتاء رغم كل مافيه آنف الذكر، إلا أنه يجم ع الأحباء على جلس ة دافئة بقرب وقود مجمرة بنيران
الحب والطمأنينة ،يستنك ف الأحلا م العائلية بأجوا ء لطالما تفتقدها الأسرة طيلة أيام الفصول الأخرى
،وهذا مايتفرد به الشتا ء وحده
طري ق المج د يصنعه الشقاء …
استيقظ صباحا ،أحاول أن أخل ع اللحا ف عني ،ما إن أزيحه قليلاً حتى يتهج م عليَّ البر د كالكلاب
المسعورة ،أين أمي ؟كانت تشَّ غل لي المدفأة قبل أن استيقظ للذهاب للمدرسة ،تحدثني نفسي
فأجيب أنا بنيامين: أنت كبرت على هذا الهراء وستتخرج عما قريب ولا زلت تستذكر حنانين أمك
!!؟
بقدمين متباطئتين يغلبهم الكس ل الممتز ج بالسرع ة ،وبأسنا ن مصطكة إثر البرد أمشي
للمغسلة ،افتح الصنبو ر ، اغلقه على الفور ،يالله الماء بار د مثلج ،نسيت أن أشغ ل
الحرَّ اق البارحة بالليل ،حينما كنت أقطن مع عائلتي كان أبي يحرص على أن يتر ك
السخَّان للصباح حتى تكون الماء ساخنة لي ولأخوتي عندما نستيقظ للدوام .
نفسي هي مرة أخرى ،فأجيبها :رجعنا للاتكال يانفسي ؟؟
كفى ،كن قويا ،أنت لم ترى من قساوة الحياة إلا مثقال ذرة بعد
أرتدي ملابسي بالكثير من اللامبلاة ،دون أن أ سَّ ر ح شعري حتى، ولا أمسح حذائي ،حرصي دائما أن لاأصل للكلية متأخراً ،لكني في كل مرة أتأخر ،متعهداً للدكتور أنها المرة الأخيرة ولن أتأخر
بعدها أبدا ،على فكرة كانت أمي لاتدعني أن أذه ب للمدرس ة دون أن تعطيني قطعة حلوى أو
صندويشة زعتر كانت ترغمني على ذلك ،وتقول لايجوز أن تذهب خاوي المعدة ،كيف ستقوى
على التفكير ؟
أيتها النفس الحمقاء !!
أجيب :آسف آسف نسيت أنه يتعين علي أن أكون قوي ا قد يكون من السهل نقل الإنسان من وطنه، ولكن من الصعب نقل وطنه منه . ..
أنهي الدوام بتعب يثقله الجو ع الكافر، إلى المطع م الشعبي ذاته ،أذهب وصح ن الفتة المعتاد و
صندويشة البطاطا ،التهمهما على الفو ر ، أتذكر طبخات أمي اللذيذة بموادها الريفية ،ونفسها الحلبي
،تكاد الدموع تحرق وجنتي ،أخر ج على الفور واتمشى بين الناس مستذكراً كل تفاصيلي مع أهلي
سابقا ،يلاحقني بنيامين العاقل ويقول بنبرة غاضبة :كفى ،السنوات الأربع التي مضيتها وحيداً في
هذه المدينة ، أما اعتدت الوحدة ؟اما امتطيت خي ل الاتكال على النفس؟
استيقظ ياحبيبي استيقظ، الماضي ما ض ونحن أبنا ء اليوم ،متى ستكف عن الرجعية الوجدانية ؟
تجيبه نفسي :عندما يتوقف العجو ز الكهل عن استذكار شبابه البالي ،وحين تتوق ف الفتاة الجميلة عن
الأحلام الوردية بأميرها الشاب ،وعندما تتوقف دموع أ م على ابنها الشهيد ،وحينما ي ك ب ر الولد
ويدرك أن والده ذهب إلى الجن ة ميتا ولن يعد حاملاً معه هدايا العيد كما كانت تكذب عليه أمه
ف ص ع ق بنيامين وقال :
تبا لاعتياد الأشياء كم هو مضني؟ّ!!
فتجيب نفسي بغص ة مؤلمة :فما بالك باعتياد الأحباء ؟؟
فقد الأحبة غربة
علي أبن أبي طالب

شاهد أيضاً

إبراهيم أمين مؤمن

رسائل الأمهات

إبراهيم أمين مؤمن           رسائل الأمهات تعالتْ صرخات أمه فاطمة بنت الحق …

اترك تعليق

  Subscribe  
نبّهني عن