هل يحتاج العراق إلى مديريات الأوقاف؟

قيصر حرب

بعد أن كانت إدارة المؤسسات الدينية في العراق حصرا بيد وزارة الشؤون الدينية والاوقاف والتي كانت الراعي الرسمي للاسلام السني في العراق, أصبح العراق يمتلك اليوم مديريات أوقاف خاصة بكل ديانة وطائفة. ولكن واقع العراق يبين عدم وجود صلة بين المؤسسات السابقة الذكر والمجتمع العراقي بتركيبته المعقدة طائفيا. فهل العراق بحاجة إلى مؤسسات تذكره وتؤكد اختلاف طوائفه وتحدده في حيز محدود الافق, أكثر مماهو عليه اليوم من تفرقة طائفية؟
في عهد الانظمة السابقة التي حكمت العراق, منذ تاسيس الدولة في 1921 ولغاية سقوط الدكتاتورية في 2003, كانت الحكومة العراقية تحتوي مؤسسة رسمية وحيدة تعنى بالممارسات الدينية وهي وزارة الشؤون الدينية والاوقاف, من شأنها إدارة وتقنين النشاطات الدينية بكافة أنواعها وسائر طوائفها, ولايخفى على أحد تعدد ديانات وطوائف الشعب العراقي من مسلمين ومسيحيين وأيزيديين وسنة وشيعة وصابئة وكلدان وأرمن وآثوريين وشبك وبهائيين… وربما يفوق عدد المذاهب والمعتقدات مايمكن حصره في مقال قصير. لكن الوزارة المعنية لم تكن في واقع الحال تعير اهتماما لغير مذهب واحد, يمكن حصره في الاسلام السني, أما باقي الديانات والمذاهب فكانت علاقة الوزارة بطوائفها تقتصر على التواصل الشكلي بها لغرض إظهار صورة التآخي والود للدولة المتسامحة مع باقي الطوائف بغض النظر عن اختلافها الجزئي أو الجذري مع التوجه العقائدي للحكومة.
وقد يكون مرجع هذه العلاقة الدستور العراقي نفسه والذي تضمنت كل نسخه المؤرخة منذ العهد الملكي إلى غاية الدستور المؤقت في 2005 فقرتان مثيرتان للجدل وهما “الإسلام دين الدولة” و “ضمان حرية الممارسات الدينية”, فإذا كان الإسلام دين الدولة فهذا يعني أن الغالبية الحاكمة مسلمة وأن بقية المعتقدات هي للأقليات , وأن باقي الممارسات لاتمثل التوجه الديني للدولة, وهومايفرض بشكل أو بآخر دكتاتورية الأغلبية التي ذكرتها الكاتبة دنيز ناتالي في حديثها عن كتابة الدستور العراقي الذي حاول مصمموه تفادي وقوع دكتاتورية جديدة عندما تحكم الأغلبية الشيعية العراق.
لكن حقيقة الأمر أن العراق كانت تحكمه أقلية من مذهب وعرق محددين؛ فقد كان الملك فيصل يسعى إلى تثبيت ملك عربي سني, واستمر هذا النهج لغاية نهاية حكم صدام حسين, باستثناء فترة حكم عبدالكريم قاسم القصيرة والتي تميزت إلى حد ما بالعلمانية المعتدلة بالرغم من أنها لم تهمل مسألة الغالبية المسلمة في العراق. إلا أن الإحصاءات التي قدمت منذ العهد الملكي ولغاية اليوم, تؤكد غالبية الطائفة الشيعية والتي حرمت من جل ممارساتها العقائدية وخاصة نشر فكرها, كون ذلك قد يشكل خطرا محتملا على استمرار حكم الاقلية السنية. وهو من الاسباب التي أوصلت العراق إلى مرحلة الدكتاتورية وقمع الحريات.
ومنذ سقوط نظام صدام حسين الدكتاتوري في 2003, باتت طريقة الحكم تعتمد على مبدأ المحاصصة وإشراك جميع المكونات في الحكم بدرجات مختلفة بحسب نسبها السكانية ومدى تأثيرها السياسي, والذي اتخذ تسمية “مبدأ الشراكة الوطنية” إلا أنه لم يكن يتعد كونه شراكة طائفية-عرقية فقد تم تقسيم الحكم بين ثلاث فئات رئيسة هي السنة والشيعة و الكرد, ولو أريد لها أن تكون شراكة وطنية بحق لروعي في ذلك مبدأ المناطقية والحدود الإدارية للمحافظات.
وفي هذا السياق تم اعتماد مديريات أوقاف بدل وزارة أوقاف وذلك لتفادي سيطرة طائفة على ممارسات الطائفة الأخرى ومايجلبه ذلك من حساسيات, فكانت مديرية الوقف الشيعي والوقف السني والوقف المسيحي. إلا أن هذه المديريات ليست سوى ترسيخ لمبدأ التفرقة الطائفية والتمييز بين أفراد المجتمع, إضافة إلى ماتستهلكه من ميزانية الدولة, وشبهات الفساد التي لاتفارق عناوين المسؤولين فيها. وفوق كل هذا فهي لاتمثل فعليا الطوائف المنظوية, فالشيعة فيهم الجعفرية والزيدية على سبيل المثال, كما في السنة هناك الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية, وكما في المسيحية الكاثوليك والأرمن والكدان, بغض الظر عن وجود كل أوبعض ماسبق ذكره في العراق.
لكن ماذا عن الطوائف والجماعات الأخرى, التي قد تعتبر نفسها مضطهدة أو مهمشة, كالصابئة والبهائية وخاصة الأيزيدية, والتي احتلت صدارة الأخبار لفترة معتبرة من الزمن بعد الإعتداءات الوحشية لتنظيم داعش الإرهابي على أفرادها, والذي أصبح عددهم يزداد أويظهر للعلن بعد أن أصبحت قضيتهم قضية رأي عام وحتى دولية… فماذا لوأجمع ممثلو المكون الأيزيدي على ضرورة إقامة مديرية أوقاف خاصة بهم؟ وهو مطلب لايمكن لأحد الإنتقاص من أهميته لما في لك من إثراء لثقافة واحد من مكونات المجتمع العراقي.
إن مايشهده العراق اليوم من توتر طائفي وإرهاب فكري لا يمكن حله من خلال مؤسات مبنية على أساس طائفي في الوقت الذي يبدي جميع الشركاء في العملية السياسية نبذهم لأي شكل من أشكال الطائفي أو التفرقة الدينية, بل إن مديريات الأوقاف قد تكون إحدى الاسباب المساهمة في التفرقة بين أفراد المجتمع العراقي, فمجرد القول بوجود هكذا مؤسسات هو دليل على الاختلاف الموجود بين مكونات المجتمع وممارساتهم الدينية.
لذا فإن القضاء على التوتر الطائفي لايمكن أن ينجح إلا إذا تم فصل الدين عن الدولة فعليا, فالدولة المدنية لايمكنها أن تقاد بحكومة ذات توجه ديني, بغض النظر عن معتقد الأفراد الذين يتقلدون المناصب فتلك حرية شخصية, ولايمكن أن يكون هناك وجود لمؤسسة دينية حكومية, لأن المعتقد حرية شخصية لايمكن جعلها مشروطة بالانضواء تحت مظلة حكومية ذات معتقد محدد.
وقد يتساء البعض عن مصير دور العبادة التي تتولى حاليا مديريات الأوقاف إدارتها كالجوامع والحسينيات والكنائس, والجواب هنا بسيط, فهي حاليا لاتدار فعليا من قبل مديريات الأوقاف أو بالأحرى لاتحتاج مديريات الأوقاف, فتمويل معظمها ذاتي أو من خلال تبرعات الأفراد الذين يرتادونها, بل قد تشكل مديريات الأوقاف عبئا أمام تطورها.
أما بالنسبة للأضرحة التي تمتلك شهرة وطنية أو أحيانا دولية بانظر لعدد الزائرين من نفس الطائفة والذين يحضرون لزيارتها من خارج العراق كالأضرحة أئمة الشيعة أو الجوامع السنية الكبيرة أو الكنائس القديمة أو غيرها, فيجب اعتبارها إرثا حضاريا وطنيا تكون إدامتها وإدارتها أشبه بالمواقع الأثرية التي تصان كجزء من الهوية الوطنية, وربما الذهاب أبعد من ذلك, ففي وضع أفضل من الذي يعيشه العراق اليوم بسبب الحرب على الإرهاب, قد يكون الإقبال المحلي والأجنبي على هذه المواقع سببا وجيها لإدراجها ضمن التراث العالمي, وهو إنجاز إن تحقق منح العراق مكانة أرقى واقتصادا أقوى ناهيك عن إظهار تلك المواقع بأبهى حلة خلال مواسم الزيارة وإقامة الشعائر الدينية.
وختاما فإن ماسبق ذكره يمثل وجهة نظر لمسألة قد يراها البعض جزءا من المشكلة بينما يراها البعض الآخر جزءا من الحل, لكن مايشكل الفرق هنا هو مدى مقدرة الحكومة على إثبات تجاوزها للطائفية, من خلال إلغاء مديريات الأوقاف وتحويل ميزانياتها إلى مشاريع تعود بالنفع على كل العراقيين وليس على أباع هذه الطائفة أو تلك دون البقية.

قيصر حرب
19-01-2017

شاهد أيضاً

صباح قيا مقال تحت عنوان هامش على البيان الختامي وتوصيات السينودس الكلداني

يوحنا بيداويد           كتب د. صباح قيا مقال تحت عنوان ”  هامش …

اترك تعليق

  Subscribe  
نبّهني عن