هل ثمة امرأة تبوأت منصب المختار في منكَيش؟

حنا شمعون

حنا شمعون

 

هل ثمة امرأة تبوأت منصب المختار في منكَيش؟

قرى السوراي في سهل نينوى والجبال المحيطة عرفت نظاماً رئاسياً مختلفاً عن قرى السواريي في هكاري التركية، ففي الثانية  العشيرة الواحدة كانت تسكن القرية كان لكل قرية او مجموعة قرى “مليك ” معين وكان المنصب هذا وراثياً يدير شوؤن العشيرة . لم يكن للسلطة العثمانية امر ونهي على العشيرة ومليكها فكانت العشيرة شبه مستقلة ولكن هذا لم يمنع الآغوات الكردية او السلطة العثمانية من الأعتداء على هذه القرى بين حين وآخر. اما في قرى سهل نينوى والجبال المحيطة فكان الأمر مختلفاً فقد كان لكل قرية رجلاً متفقاً عليه من قبل اهل القرية  ليمثلها امام السلطة الحكومية التي كانت اولاً عثمانية ثم تحولت الى عراقية. الرجل المتفق عليه اوالمنتخب كن من وجهاء  القرية كان يسمى المختار لدى السلطة الرسمية وذلك لأن العربية كانت اللغة الرسمية في الدوائر الحكومية اما عامة الناس فلأن لغتهم هي السورث فكانوا غالباً ما يسمون المختار “ريس”.

في كل الكتب التي قرأتها عن بعض هذه القرى مثل تلكيف ، القوش، منكيش وأرادن فـأن المختارين كانوا من الذكور ولم اقرأ عن مختار ظهر في هذه القرى قبل العام 1800 م. وفي منكيش مدار بحثنا هذا لا زال المختار ذي اهمية كبيرة ويمثل دور الوسيط بين اهل القرية والسلطات الحكومية ومنهم مدير الناحية الذي اعتماده كبير على مختار القرية. والسيد حنا كلو يوسف ( جوبيو ) شغل هذا المنصب منذ تسعينات القرن الماضي ويشار له بالبنان والحكمة  في تمثيل اهل القرية التي مرت بظروف عصيبة خلال هذه الفترة.

الدكتور عبدالله  مرقس رابي في كتابه الموسوم ” منكيش بين الماضي والحاضر” الصادر عام 1999 م يعترف ان المعلومات حول الرئاسة في منكيش هي ضئيلة ولم يصلنا تسلسل المختارين ولذا فهو يحسب هرمز خنجرخان اول مختار ورد ذكره وكان في غالب الظن معاصراً لحاكم العمادية اسماعيل باشا والذي ولايته كانت في النصف الأول من القرن التاسع عشر. والمعروف عن هذا الحاكم  قساوته وميله الى الرشوة و حب المال. يذكر الدكتور عبدالله في كتابه هذا ان حاكم العمادية هذا زج في السجون الكثير من رهبان دير الربان هرمز وذلك بوشاية من المطران يوحنا هرمز من آل ابونا. الغريب ان هذا المطران فيما بعد انقلب على عمه البطريك النسطوري في القوش لتختاره روما اول بطريرك تحت المسمى ” بطريرك الكلدان ” وكان ذلك عام  1830 م واستمرت بطريركيته لغاية 1838 م.

تسلل مختاري قرية منكَيش كما اورده الدكتور عبدالله وحسب المعلومات المتوفرة لديه كما اخبرنا في كتابه المنوه اعلاه هو كا يلي:

هرمز آل خنجرخان ،  حنكَرا الأول  آل نازي ، ميخو نانو الأول آل داويذ، ميا خراكَة الأول ، يوسف آل نازي، داوث آل نازي، حنا آل مقدو، ميخو بكو آل صنا، حنا ميخو آل بكو صنا، عيسى ايشو قلو، ايشو ميخوآل موكَا، كَلو اسحق آل تبو، منصور يونان آل نازي، توما كَوركِيس آل نازي، وأخيرأ حنا كلو كَلكَلا ( حالياً ).

الذي طرق مسمعي ومن المنقول ” سبيثا ” ان ثمة امرأة من آل شلي قد تبوأت منصب المختار وكان ذلك قبل مختارية حنكَرا الأول  وسمعت ايضاً من آخرين ان ناقل الخبر هذا هو شمعون ( شمون ) كُكَي والذي اعرفه عن هذا الشخص الذي عاش في اوائل القرن العشرين كان له كثير من الأهتمام في تاريخ منكَيش وكان يحكيه للعامة وعلى منواله كان ابن أخيه الدكتور بطرس حنا كُكَي المتوفي في شيكاغو عام 2015م الذي هو الآخر كان له اهتمام بتاريخ منكَيش وكان يريويه لنا في الجلسات العائلية والجميع كان يستمع اليه بشغف يحكي قصصه كأنه كان حاضراً في احداث سبقت زمنه بأمد بعيد.

نعود الى ما قد يكون حدث تاريخي اول من نوعه وهو تسنم  المخترة سيدة اسمها مسكو شلي والكلمة الأخيرة تعني العرجاء باللغة العربية، لنتجاوز الكلام المنقول الذي قد تشوبه بعض الشبهات لأنه غير موثق في زمانه كما ان الترويج له قد تتدخل فيه عوامل المفاخرة والأنحياز العاطفي او العشائري. فقط في هذا الصدد اود ان اذكر هنا ان احد افراد هذه العائلة واتذكره السيد هومي شلي كان متمرساً في اصلاح كسور العظام وهذا قد يوحي ان العائلة كانت مشهورة في هذه المهنة مما قد يلغي صفة العرج من مسكو لتكن من بدل ذلك خبيرة في كسورالعظام والعرج!!

الدكتور عبدالله رابي مرة اخرى يذكر في كتابه المنوه اعلاه عن عائلة آل شلي ما يلي: “وهي من قرية (  قلاجي الأثرية ) الواقعة شرق منكيش وسميت بتسمية ( شلي ) لأن الأم الأولى لهذه العائلة كانت عرجاء وأصلها  من قرية ( كربل ).”

وفيما بعد يذكر الكاتب ان كربل تقع خلف جبل منكَيش من الناحية الجنوبية حيث دشتا دشمرخ المذكورة في كتاب الرؤساء لتوما المركَي على ان فيها دير مار اوراهم وآثاره كانت باقية حتى امد قريب.

في منكَيش كان ثمة طبخة معروفة وتسمى بوشالة دبي شلي وهي في الحقيقة شوربة الرز مع الخرطمان وحديثاً يضاف اليها اللحم والكبيبات الرزية . الرز لم يكن متوفراً في منكَيش وفقط العائلات الميسورة كان بأمكانها طبخه وفي الستينات من القرن الماضي كانت غالبية الوجبات هي البرغل ” كَركَر ” اما الرز فلم يكن طبخه الا مرة في الأسبوع وذلك يوم الأحد بسبب عدم توفره وغلائه. بوشالة دبي شلي اشتهرت بها عائلة شلي لأن هذه العائلة كانت تملك اراضي واسعة في شرق القرية الصالحة لزراعة الرز بسبب وفرة مياه الينابيع التي منها نهر منكَيش الذي كان الى فترة اتذكرها زاخراً بالماء صيفاً وأكثر في الشتاء بحيث كان يصعب عبوره أوقات الفيضان. اما سبب امتلاك هذه العائلة لأراضي شاسعة– كانت تصل تخوم مجلمختي او مرجومختي كما يلفظها المنكَيشيون — في هذه المنطقة والمسماه ” قلّاجي ” هو لأنها منذ القدم كانت تسكن فيها وغالب الظن ان ثمة قرية صغيرة كانت قائمة في هذه المنطقة لحين اكتشاف منكَيش الحالية التي كانت غابة وحين اكتشف الصيادون كما هو منقول هيكل كنيسة ادركوا انها كانت قرية متروكة وهكذا انتقل اليها سكنة قلاجي وبقية القرى المجاورة وتم اختيار الأسم منكَيش وهناك عدة تأويلات لذلك وهذا ليس موضوع بحثنا حالياً لكن غايتي في سرد هذه الحكاية للتنويه ان عائلة شلي كانت معروفة وميسورة بسب املاكها الكثيرة. وفي السنين الأخيرة استطاعت هذه العائلة ان تسند اثنان من ابنائها ليصبحا من المعلمين الأوائل في منكَيش والمنطقة وذلك في اوائل الخمسينات من القرن الماضي ، وهما كل من المرحوم شابو هومي شلي و مرقس ايشو شلي أطال الرب في عمره.

المسألة الأخرى التي اريد تناولها في هذا الموضوع هي الفترة التي نظن ان مسكو شلي اصبحت فيها مختارة منكَيش انها كانت فترة عصيبة  تحولت فيها منكَيش من النسطورية الى الكثلكة ويخطئ من يظن ان هذا التحول جاء سلساً من غير اعتراض المؤمنين بتقليد لا تقل ممارسته عن الف سنة. وفي هذا الصدد يذكر بهنام حبابة في مقالته الموسومة ” منكَيش ” والمنشورة عام 1945 في مجلة النجم ان حائكا من منكَيش اسمه توما سافر الى تلكيف لشراء نول لآلة الحياكة وهناك تشاجر مع البائع بعد ان اكتشف ان الأخير قد باعه نولاً مكسوراً وهنا الجبلي النسطوري العصبي صفع البائع التلكيفي بكفه فما كان من البائع الا وان اعطاه الخد الأخر حسب وصية المسيح ، وهنا تعجب وتأثر توما وهدأت عصبيته وسأل عن مذهب البائع الذي أجاب انه كاثوليكي. وبسبب ذلك طلب توما المنكَيشي تحوله الى الكثلكة فأقيمت المراسيم المناسبة وأصبح كاثوليكياً. ويضيف حبابة انه بعد ذلك طلب مختار منكَيش في ذلك الوقت هرمز خنجرخان الزواج من ابنة توما الحائك ولكن هذا الأخير رفض بحجة اختلاف المذهب فما كان من المختار اِلا ان يتحول هو الآخر الى الكثلكة.

في غالب الظن ان تحول منكَيش الى الكثلكة لم يكن سلساً كما اسلفنا واستغرق فترة سنين وشهدت منكَيش نزاعات بين اهلها من اجل ذلك، وفي مثل هذه الحالة ليس من مانع من ان تظهر امرأة قديرة اجدر من رجال يتنازعون على المذهب فيما بينهم وما اوردناه من وجاهة وعراقة عائلة شلي كانت ضمانات لهكذا امرأة ان تتبوأ منصب المختار لحل الأشكال الحاصل.

وبعد ذلك كانت الوشاية من قبل المعارضين ومرة اخرى نقول نتيجة للصراع المذهبي ان يصل وفد المعارضين الى العمادية ويوشون بها على انها امرأة لا تقيم وزناً للسلطة العثمانية ما اسهلها من وشاية يقبل بها حاكم العمادية وهو الظالم وهو الذي يسيل لعابه لفدية مالية تزيد ثروته وميزانية السطة العثمانية الجائرة، وكما وصلنا المنقول ” سبيثا ” انه امر ان يسجن ابن مسكو الوحيد واسمه كَكَو ويعذب ولا يطلق سراحه الا اذا دفعت مسكو غرامة مالية قدرها خمسة وعشرون ليرة ذهبية اضافة الى التنازل عن المخترة. لبت مسكو شروط الحاكم الظالم وذلك التعجيزي المتمثل بالغرامة المالية، فقد باعت القسم الأكبر من املاك العائلة واستدانت البعض من مختار تلكيف وبعض آخر من المتمكنين المعروفين لديها في المنطقة. هكذا اطلق سراح ابنها الوحيد وتنازلت مرغمة عن المخترة ليستلمها واحد من ابناء حنكَرا من عائلة نازي. وهنا احب ان اضيف ان نازي هي امرأة اخرى عُرِفت العشيرة بأسمها. وعودة الى الوراء قليلاً اقول ان من دلائل الأنقسام المذهبي في منكَيش هو ان مقبرة القرية كانت قسمين الشمالي منها أصبح للكاثوليك المتزايد عددهم والقسم الجنوبي هو للنساطرة المنحسرعددهم وهذا امر مؤكد كان معروفاً لدى اهل القرية من الكبار.

قد لاتكون القصة المذكورة والمنقولة صحيحة مائة بالمائة ، ولكن المنقول هو مثل رماد لنار او رميم  لفخار وللأسف ان منكيش كغالبية القرى لم تكن تعرف الكتابة والقراءة وان عرفتها فجُمها كان ضمن اطار الكنيسة وشعائرها وهكذا فان اعتمادنا هو على المنقول وما قاله الآباء وفي هذا ايضاً نحن  في الأجيال المتأخرة مُعاتَبون ومُقصِرون لأنا لم نوثق ما سمعناه ولم نعطيه الأهمية اما بسبب ضعف الشعور القومي او بسبب اللامبالاة بأهمية هكذا قصص سمعناها.

اني هنا ادعو كل من سمع هكذا حكايات ان يكتبها وينشرها قبل فوات الآوان وشخصياً انا مستعد لكل من يرغب ان انقح المكتوب ونشره بعد التمحيص والتحليل.

                                                   حنا شمعون / شيكاغو

                                                   تشرين الأول، 2018

شاهد أيضاً

لماذا مناقشة “ما هكذا نقدم انتحار شباب العراق”/1

عبد الرضا حمد جاسم            لماذا مناقشة ” ما هكذا نقدم …

1
اترك تعليق

1 Comment threads
0 Thread replies
0 Followers
 
Most reacted comment
Hottest comment thread
1 Comment authors
  Subscribe  
الأحدث الأقدم
نبّهني عن
محرر الاخبار

Dear Hanna
A fascinating historical topic about our home town Mangeshi “The Light of My Eyes.” It is a wonderful travel back in history based on traditions of our forefathers. We have to carry these facts for the future generations. I agree that there are many Mangeshnayi who has the flair for writing. They do not know how to write or they fear that their work may go unnoticed. I believe it is our duty to search and document such stories.

Again thank you and commend you on your writing.

Francis K. Khosho