ميلاد يسوع : هو اعلان الذات ألإلهية للبشرية

الكاتب: مشرف المنتدى الديني

 

ميلاد يسوع : هو اعلان الذات ألإلهية للبشرية
نافع البرواري
في هذه ألأيام المباركة وإذ نقترب من ذكرى ميلاد ربنا يسوع المسيح, سنتأمَّل في سرِّ هذا التجسد وكيف أنّ يسوع المسيح الكلمة ألأزلية ألأقنوم الثاني أبن الله ألآب تنازل عن عرشه ونزل الى ألأرض ليصبح بشرا مثلنا ويولد من العذراء مريم “والكلمة صار بشرا وعاش بيننا, فرأينا مجدهُ, مجدٌ يفيضُ بالنعمة والحق”يوحنا 1:14” .
أعطى الله العبرانيين عمود سحاب ونار ليعلموا أنَّ الله معهم  نهارا وليلا, فكُلّما تطلَّع العبرانييون الى عمود السحاب والنار كانوا يطمئنّون على مرافقة الله لهم وهم سائرون في البرية الى أرض الميعاد, هكذا نحن اليوم كُلّما نتطلّع الى كلمة الله (يسوع المسيح المتجسد ) نعرف أنّ الله معنا في مسيرة حياتنا على هذه الأرض وقد تنبّئا بقدومه ألأنبياء أمثال النبي اشعيا بوحي من الروح القدس عندما قال “ولكن السيد الرب نفسَهُ يُعطيكم هذه الآية: ها هي العذراء تحبل وتلد ابنا وتدعو اسمه عمانوئيل (وبالآرامية, الله معنا)“اشعيا 7:14” .
اشتاق موسى أن يُستعلن له مجد الله, كان يريد تأكيدا لحضور الله معه لمعرفة هذا الحضور اختباريا, فبسبب محدوديّتنا وخطايانا فأننا لا نقدر أن نرى الله كما هو ونعيش”فقال موسى (لله) “أرني مجدك”. فقال الرب: سأعرض كُلَّ جلالي أمامك وأُنادي باسمي أنا الرب على مسمعك……أمّا وجهي فلا تقدر أن تراه لأنَّ الذي يراني لايعيش”خروج33:19,20″ .
موسى لم يستطع رؤية وجه الله ولكن الله سمح له أن ينظر موسى الى ظهرالله” خروج33:21 _23″ فالأنسان لا يقدر أن يرى الاّ اثار الله أو ما يحدث بعد أن يمر بنا ونستطيع فقط أن نعرفه من خلال ما يفعله معنا أي ما نختبر وجود الله في حياتنا, لأننا لا نقدر أن نستوعب طبيعة الله وشخصه بدون يسوع المسيح المتجسّد” أنا معكم كُلِّ هذا الوقت, وما عرفتني بعد يافيلبس ؟ من رآني راى الآب “يوحنا 14:9” ويقول الرب أيضا : “من امن بي لايؤمن بي أنا, بل يؤمن بالذي ارسلني, ومن رآني راى الذي ارسلني” يوحنا 12:45″ .
لقد كتب يوحنا البشير الأنجيل الرابع ليعلن للناس حقيقة تجسد” الكلمة “في الجسد صائرا بشرا مثلنا, ليؤمن الناس بهذه الحقيقة, فأن لم نؤمن أو لا نستطيع أن نؤمن بهذه الحقيقة ألأساسية في المسيحية, فلن يكن لدينا ايماناً كافياً أن نُسلم ابديتنا اليه. نعم التجسُّد سر يبقى لغزا للذين لا يعترفوا بأنّ الله العلي تنازل وأصبح طفلا صغيرا متواضعا ليعيش بيننا بينما المؤمنون بالتجسد الألهي يعرفون ومن خلال الكتاب المقدس والنبوات في العهد القديم أنَّ غاية ومقاصد الله لنا هي موجِّه دائما لأعلان ذاته للبشرية ( راجع سفر التكوين 17 والعهد مع ابراهيم), فكيف نعرف الله ان لم يُعلن ذاته لنا؟ وفعلا كان هذا الأعلان لمّا أكتمل الزمان لتدخل الله في تاريخ البشرية ويعلن ذاته بشخص أبنه “كلمة الله” يسوع المسيح. وعن هذا ألأعلان العجيب يقول كاتب الرسالة الى العبرانيين” كلَّم اللهُ ابائنا من قديم الزمان بلسان ألأنبياء مرّاتٍ كثيرة وبمختلف الوسائل , ولكنَّهُ في هذه ألأيّام الأخيرة كلّمنا بابنهِ الذي جعله وارثا لكُلِّ شيئ وبه خلقَ العالم. هو بهاء مجد الله وصورة جوهره “عبرانيين 1:1,2” .
لقد جاء الرب الأله الى هذه الأرض ليهب البشرية رجاء الحياة الأبدية, وبولادة المسيح صار الله  بشرا, وهكذا فهو اله كامل وانسان كامل  يوحنا1:1_18″ .
للأسف  هناك اليوم الملايين من الناس لا تؤمن بتجسد الله أي أن يتخذ الله صورتنا البشرية لأن ذلك صعب الفهم بالعقل والمنطق البشري, وهذا الجهل وعدم الأيمان بالتجسد هو ما يتكلم عنه كاتب الأنجيل الرابع يوحنا الحبيب عندما يقول“وكان في العالم, وبه كان العالم, وما عرفه العالم الى بيته جاء, فما قبله أهل بيته”يوحنا 1:10,11″. انّ  الكثيرين من اليهود كانوا ينتظرون مجيء المسيح, ولكن للأسف لم يعرفوه, بينما وجده الكثيرون من ألأمم الذين لم يعرفوا شيئا عن المسيح ومنهم المجوس الذين جاؤا من الشرق البعيد وهم يتبعون النجمة التي ارشدتهم الى موضع ولادة المسيح”متى 2:11″ .
ماذا يعني تجسد الله؟ ولماذا تجسّد؟ ولماذا يعد ميلاد يسوع المسيح من العذراء مريم  رُكنا هاما من أركان ألأيمان المسيحي؟
“ولا خلافَ أنَّ سِرَّ التقوى عظيمٌ: الذي ظهر في الجسد وتبرَّر في الروح “1تيموثاوس3:14”,
التجسد يعني أنّ الله أختار أن ينزل الى مستوى بشريتنا ليجسِّد لنا حقيقة محبّته اللامتناهية ليشاركنا في آلامنا ومعاناتنا وموتنا لا بل ليرفع عنا الخطيئة التي ابعدتنا عن الله الخالق وشوّهت صورتنا أمامه وكانت حاجزا بيننا وبين واهب الحياة “والحياة تجلَّت فرأيناها والان نشهد لها ونبشركم بالحياة ألأبدية التي كانت عند ألآب وتجلَّت لنا.“1يوحنا1:1,2” .
وليس هذا هو الهدف الرئيسي للتجسد بل كان مشروع الله ألأزلي قبل خلق الأنسان أن يرفعنا الى العلى لنتحد بالوهيته ونشاركه ملكوته “وأنتم تعرفون نعمة ربّنا يسوع المسيح: كيف افتقر لأجلكم, وهو الغني ُّ لتغتنوا أنتم بفقره”عبرانيين 8:9″  فالتجسد هو دلالة على شمولية الخلاص, فليس الهدف فقط التبرير من الخطيئة ولكن تاليه ألأنسان, فكما أنّ الله أتحد بالأنسان هكذا اصبح ألأنسان مهيئا للأتحاد بالله, فبدون سر التجسد لما كنا عرفنا الله الحقيقي ولا عرفنا قيمة انسانيتنا عند الله “سأُخبر باسمك أخوتي, وبين الجماعة أُهلِّلُ لكَ”مزمور22:23″ .
فبالتجسد عرفنا طبيعة الله  بشخص يسوع المسيح كأنسان كامل (كمال الناسوت) واله كامل (كمال اللاهوت) هكذا صار عندنا شخص يسوع المسيح  كمعيار حقيقي أو كمصدر حقيقي ووسيط وحيد  بين السماء والأرض (بين ألأنسان والآب السماوي )“هذا هو أبني الحبيب الذي به رضيتُ, فلهُ اسمعوا”متى 17:5 “فلولا أعلان الله عن نفسه لما استطاع الأنسان أن يعرفه بصورة شخصية. نعم به استطعنا أن نعرف أنَّ الأنسان مدعو الى الصيرورة نحو الكمال بالأقتداء بيسوع المسيح كأنسان كامل, وايضا عن طريق لاهوت الرب يسوع المسيح عرفنا طبيعة الله وصفاته, لأنّ المسيح جسّد هذه الطبيعة (طبيعة الله) بأعماله ومعجزاته وقوة سلطته, ومحبته وفدائه وموته وقيامته وصعوده الى السماء وبهذا فهو الوحيد الذي فتح لنا باب ملكوت الله وأصبح بكر الخليقة الجديدة وباكورة القائمين من بين ألأموات, ولأنَّ يسوع المسيح أخذ بشريّتنا فهو بهذا اصبح أخ البشرية بولادته  من أمرأة (مريم العذراء) التي أختارها وأصطفاها وطهَّرها الله لتكون منزِّهةً عن الخطيئة ( العذراء المحبولة بلا دنس) وعاش انسانا وعرف تماما اختباراتنا في الحياة وكفاحنا فيها دون أن يشترك في الطبيعة الخاطئة للبشرية (الجنس البشري)…هو الذي خضع مثلنا لكلِّ تجربة ما عدا الخطيئة” عبرانيين4:15,16 ”  .
ومن الناحية الثانية لأنّه الله, فله القوّة والسلطان ان يخلِّصنا من الخطيئة “كولوسي2:11_15″ وأن نقيم علاقة معه وننقل له كُلَّ افكارنا ومشاريعنا وأحتياجاتنا ومشاكلنا, فهو اصبح قريبا منا بل يسكن في قلوبنا وهو معنا”عمانوئيل”اشعيا 7:14”, هكذا يسوع المسيح بتجسده أصبح أبن ألأنسان كما هو ابن الله, واستحق أن يكون الشخص الوحيد الذي صالح السماء والأرض أي صالح بين الله وبين ألأنسان لأنّه حمل الطبيعتين الطبيعة ألألهية والطبيعة البشرية .
يحُثُّنا  بولس الرسول على التواضع والأقتداء  بفكر المسيح  فيقول عن المسيح “هو في صورة الله, ما أعتبر مساواتهُ لله غنيمة لهُ, بل اخلى ذاته وأتّخذَ صورة العبد صار شبيها بالبشر وظهر في صورة ألأنسان “فيلبي2:6,7” .
فبدون سر التجسد لما عرفنا الله ولا حقيقة انسانيتنا لأنَّ يسوع المسيح, بولادته البشرية مثلنا, عكس انسانيتنا واعاد صورتنا المشوّهة بسبب الخطيئة الى صورتها الأصليّة, لأنّ الله خلقنا على صورته كمثاله”التكوين1:26″ فلنا  قيمة كبيرة عنده وهو الذي كشَف باقواله وأعماله للبشرية أسرار ملكوت الله والحياة.
الأبدية “والحياة ألأبدية هي أن يعرفوك أنت الاله الحق ويعرفوا يسوع المسيح الذي أرسلتهُ”يوحنا17:3″ .

يمكنك مشاهدة المقال على منتدى مانكيش من هنا

شاهد أيضاً

تاملات يومية الاسبوع الخامس ايليا

الشماس سمير كاكوز          تاملات يومية الاسبوع الخامس ايليا الاحد أشعيا 25: …

اترك تعليق

  Subscribe  
نبّهني عن