آراء متنوعة

رسالة إلى بغداد… من قلبٍ لم يغادرها يومًا

رملة عبد المنعم البياتي

لا الدار داري
ولا الرفاق رفاقي
ولا الأمكنة تعرف خطاي كما كانت تفعل حين كنتُ أعود إليها مطمئنّة.

كلّ شيءٍ تغيّر يا بغداد… حتى أنا.
غادرتُكِ كما يُغادر المرء جلده
وتركْتُ هناك طفولتي وشيئًا من مراهقتي
تركتُ صوتي وضحكتي التي كانت تملأ بيتنا في المساء.
تركْتُ قلبي بين دجلةَ وذاك الحيّ الذي كبرَت فيه أحلامي الصغيرة.
أكتب إليكِ من مدينةٍ شوارعها باردة…والوجوه فيها تمضي دون أن تُلقي السلام.
مدينة لا تعرف مذاق الشاي العراقي
ولا تحفظ رائحة الخبز حين يُخبز على نار الحنين.
السماء ليست سماءك
والأصوات بلا ذاكرة
أكتب وفي داخلي نهران:
نهرٌ من شوقٍ لا يجف
ونهرٌ من وجعٍ لا يهدأ
أكتب لأتذكّر أنني كنتُ يومًا أستنشق صباحي من هوائك.
فكل صباحٍ بعيدٍ عنكِ هو محاولةُ نجاةٍ صغيرة
وكل ليلةٍ دونكِ تشبه شتاءً بلا دفء.
الغربة يا بغداد ليست بعد المسافة..
بل فراغ الروح حين لا تجد من تشاركه تفاصيلها الصغيرة
يا وجعي الجميل
يا مدينةً تسكنني أكثر مما أسكنها
يا ريحة هليّ
كم تغيّر العالم يا مدينة السلام
لكن وجهكِ كما هو…
ما زال نقيًّا كصلاة أمي
ودافئًا ككفّ أبي.
رحلا كلاهما
وترابكِ اليوم يحتضنهما برفق
فصرتِ لي وطنًا ومقبرةً ومأوى للحبّ المفقود.
بعيداً عنكِ ياحلوتي
لا أشرب القهوة إلّا وأراكِ في البخار المتصاعد منها..
لا أسمع فيض المطر إلّا وأتذكّر شوارعكِ وهي تبتسم تحت البلل
ولا أرى نهرًا إلّا وأقارن صفاءه بدجلة الذي كان يروي حكاياتنا كل مساء.
أشتاق إليكِ كما يشتاق الحرف إلى المعنى
أشتاق إليكِ كما يشتاق القلب إلى نبضه.
إلى الجدران التي تعرف اسمي
إلى النخل الذي يلوّح كأنه يودّعني كلما رحلت.
أتذكّر صوت الجيران وهم يتبادلون الدعاء والسوالف
أتذكّر أيامنا حين كانت السماء أقرب
والأحلام أبسط
والقلوب أنقى.
كنتي … تتألّقين حتى في حزّنك
تغنّي رغم الوجع
وتنحني قليلاً لتنهضي من جديد
كأنك أُمّ لا تعرف الانكسار.
في الغربة
يتعلّم المرء أن الحنين عبادةٌ لا تنتهي..
وأنّ الاشتياق لغةٌ لا تحتاج ترجمة.
أجلس على نافذتي كل مساء
أطالع الأفق الغريب عني
واتساءل “هل تسمعينني يا بغداد؟”

فأنا لم اعتدّ غربتي..كل صباح ومساء اشعر بأنّ الوجع يتجدد
لو تعلمين كم يُرهقني هذا الغياب
وأنتِ …رغم تعبكِ …ما زلتِ الأجمل
كأنّ النور خُلق من ملامحك
وكأنّ التاريخ ما زال ينحني إجلالًا لكِ.
فيكِ كل ما يُدهش
كل ما يُشبه الأصالة والكرامة والعزّة التي لا تنكسر.

الغربة يا بغداد علّمتني أن أقدّرك أكثر
أن أفهم أن الدفء لا يُشترى
وأنّ لا شيء يعوّض ضحكة أمي
ولا حكايات أبي
ولا رائحة القداح والرازقي..
كلّ المدن جميلة
لكنّكِ وحدكِ تسكنين القلب بلا استئذان
وحدكِ تملكين الوجع والحنين معًا.
سأعود إليكِ يومًا
ليس لأسترجع ما كان
بل لأصافح ذاكرتي
وأتلو دعوتي عند قبر أبي وأمي..

حتى يحين ذلك اليوم
سأكتبكِ في كل صباحٍ جديد
سأُحدّث عنكِ الغرباء حتى يعرفوا أن في الأرض مدينةً اسمها بغداد
لا تموت
ولا تُنسى
ولا تُغادر القلب مهما ابتعدنا عنها.

بغداد يا قصيدتي الأولى
يا وجعي الأجمل
سلامٌ عليكِ ما دام في القلب نبضٌ
وما دام الحنين طريقًا لا يعرف النهاية.

 

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.

Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
التقيمات المضمنة
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى