مقالات دينية

لاهوت الزواج والتبتل

لاهوت الزواج والتبتل

بقلم / وردا إسحاق قلّو

   قال بولس الرسول ( .. من زوج فتاته فعل حسناً  ، ومن إمتنع عن ذلك فعل أحسن ) ” 1 قور 38:7″

    الزواج سر من أسرار الكنيسة السبعة المقدسة . برز هدف الزواج بين ذكر وإنثى بعد سقوط الأبوين ، لأنهما قبل السقوط كانا يعيشا بالنعمة والقداسة مع الله بعيديدين عن شهوات الجسد . لهذا شدّدَ آلاف الآباء للعيش كتلك الحياة وللعودة إلى ذلك الفردوس ، وذلك بتسليم الذات إلى الخالق والعيش معه وله في حياة البتولية رجالاً ونساءً ، والإستفادة من مزايا الحياة الرهبانية وفضائلها التي تقربهم من الخالق كما كان الإنسان قبل السقوط . فكل الآباء الغربيون في الكنيسة الكاثوليكية أظهروا ميولهم الشديد إلى البتولية لكي يبقى كل الأكليروس متبتلاً منذوراً للمسيح الذي عاش البتولية .

أما الآباء الشرقيين من الكنيسة الأرثوذكسية فيرون ذلك مخالفاً لتعليم الكتاب لأن الهدف من الزواج سيؤدي أيضاً إلى الكمال الروحي ، لأن الزواج لا يشكل حجة أو عقبة في مسيرة الإيمان ، أو يقلل الجهاد في العمل الروحي . كما أن الزواج لا يشكل عائق في طريق القداسة المسيحية . فموسى النبي كان متزوجاً بينما إيليا كان بتولاً ، وكانت حياة الأثنين مقبولة عند الله وظهرالإثنان في المجد مع يسوع على جبل التجلي .

   الله بعد أن خلق آدم ، قال ( ليس جيداً أن يكون آدم وحدهُ ، فأصنع له معيناً بأزائه ) ” تك 18:2 ” . والمسيح بارك سر الزواج في عرس قانا الجليل ، وينتهي برؤيا ” عرس الحمل ” ( طالع رؤ 9:19 ) .

    الزواج بلا شك حسن ، وهو من حكمة الله لكي يتكاثر الإنسان ويملأ الأرض وخاصةً بعد السقوط بات الزواج ضرورياً ، أما قبل السقوط فكانت المحبة الطاهرة بين آدم وحواء تغلب على موضوع الشهوة . وكان العيش المشترك بتوافق مع القريب ، لكن بعد الفشل أنحدر الإنسان إلى الأنانية الفردية ، فإنطوى حبه للآخر إلى حب الذات والشهوات الجسدية فتمزقت روابط الوحدة وتضعضعت أوامر المحبة الصادقة .

   أدخل الله الشهوة الجنسية في الإنسان لتصبح دعوة أساسية وفطرية في كل إنسان وذلك لأجل المحافظة على إستمرار وجود البشرية ، أي لأجل الخصب . لأن الإنسان ما بعد الخطيئة لا بد أن يموت ، لأن إجرة الخطيئة هي الموت . فبالزواج أعاد روابط الوحدة ليشكل من الأثنين جسداً واحداً ، وعائلة واحدة متوحدة ومُحِبة ، كما كانا في الفردوس بحسب الآية ( وقال الرب الإله هوذا الإنسان قد صار كواحد منا عارفاً الخير والشر ) : تك 22:3 ” هنا لم يقول آدم وحواء ، إنما جمعهما بكلمة ( إنسان ) ليصبحا واحد . وهذه الوحدة أعادها سر الزواج ليجعل مرة أخرى من الأثنين واحد ، فعلى الرجل أن يحب إمرأته كمحبة المسيح لكنيسته .

   الشهوة الجنسية حسنة كدواء هادف وشافِ يؤول إلى رباط مشترك للمحبة ، والذي يقود الإثنان في طريق النضوج والكمال الروحي ، فالمحبة في سر الزواج تأتي من الطهارة ، عكس الزنى التي تبرز نتيجة نقص المحبة وبروز الأنانية .

    للزواج إيجابياته ، فهو يحفظ الإنسان في حياة التعفف والتعقل والقداسة  فيتجنب الشهوة الرديئة وحتى في النظر . يصوم الإنسان من ممارسة الجنس مع شريكه لفترة زمنية لأجل التفرغ إلى الصلاة ، ثم يعود كالسابق لكي لا يجربه الشيطان  ( طالع 1 قور 5:7 ) .

   مستقبل الإنسان ليس على هذه الأرض ، بل في السماء ، فعليه أن يعمل ما للروح أولاً ، فعدم الزواج أيضاً مطلوب من الكثيرين لكي يتفرغوا للعمل الروحي أكثر من العمل لصالح الجسد ، بل يترك الإنسان كل شىء ليهاجر العالم وينذر نفسه لحياة البتولية ، وهذا أفضل من الزواج بحسب رأي الرسول بولس .

 الزواج يحافظ الإنسان من خطيئة الزنى ، أما إذا زنى الرجل المتزوج أو زنت إمرأة متزوجة ، فعقوبة زنى المتزوجين تدان أكثر بكثير من زنى غير المتزوج . وتدعى هذه الخطيئة ب ( الفجور ) لأن هذا الأمر لا يشكل فقط تدنيساً للجسد ، وإنما إستغلالاً لجسد لا يملكه ، وإنما هو ملك للآخر الذي يسكنه وهو روح الله الساكن فيهِ ، كما أن جسده هو حق الذي أرتبط معه في الزواج . فزنى المتزوج يتحول إلى سرقة وإقتناص وإختلاس ، فالفجور هو أبشع من الزنى لأنه يلغي العفة ويقتل المحبة والحب ، وينكر سر الزواج المقدس ، وحقوق الجانب الآخر منه ، بل يتعدى على رباط الله الذي جعل الآثنين واحد .

البتولية لأجل الملكوت أفضل من الزواج . فعند بدء المسيحية برز رجال ونساء متبتلين كالرسول يوحنا وبولس وغيرهما ، أختاروا البتولية على الزواج لأنهم أقتدوا بسيدهم في كل شىء ولم يهتموا إلا ما هو للرب فنذروا أنفسهم كالعذراى الحكيمات ينتظرن قدوم العريس . والمسيح نفسه دعا بعضاً لأتباعه ليعيشوا على مثاله ( مت 12:19 ) فالبتولية تسمو العلاقة بين الإنسان والمسيح . علماً بأن سر الزواج والبتولية لأجل ملكوت الله كلاهما من الرب نفسه يصدران ، فهو الذي يؤتيهما قيمة ويجدد عليهما بالنعمة التي لا بد منها لممارستهما طبقاً لإرادتهِ . إحترام البتولية لأجل الملكوت ، والزواج في مفهوم المسيحي صوان لا يفترقان ، بل يتكاملان .

       التوقع ( لأني لا أستحي بالبشارة . فهي قدرة الله لخلاص كل مؤمن ) ” رو 16:1 “

Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
التقيمات المضمنة
عرض جميع التعليقات

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

يستخدم موقعنا الإلكتروني ملفات تعريف الارتباط وبالتالي يجمع معلومات حول زيارتك لتحسين موقعنا (عن طريق التحليل) ، وإظهار محتوى الوسائط الاجتماعية والإعلانات ذات الصلة. يرجى الاطلاع على صفحة سياسة الخصوصية الخاصة بنا للحصول على مزيد من التفاصيل أو الموافقة عن طريق النقر على الزر "موافق".

إعدادات ملفات تعريف الارتباط
أدناه يمكنك اختيار نوع ملفات تعريف الارتباط التي تسمح بها على هذا الموقع. انقر فوق الزر "حفظ إعدادات ملفات تعريف الارتباط" لتطبيق اختيارك.

وظائفيستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط الوظيفية. ملفات تعريف الارتباط هذه ضرورية للسماح لموقعنا بالعمل.

وسائل التواصل الاجتماعييستخدم موقعنا الإلكتروني ملفات تعريف الارتباط الخاصة بوسائل التواصل الاجتماعي لعرض محتوى تابع لجهة خارجية مثل YouTube و FaceBook. قد تتعقب ملفات تعريف الارتباط هذه بياناتك الشخصية.

أعلاناتيستخدم موقعنا الإلكتروني ملفات تعريف ارتباط إعلانية لعرض إعلانات الجهات الخارجية بناءً على اهتماماتك. قد تتعقب ملفات تعريف الارتباط هذه بياناتك الشخصية.