كرم الصمت
قد يختار الإنسان في كثير من الأحيان أن يخفي ألمه خلف ابتسامة هادئة، وأن يدفن حزنه في أعماق قلبه لا خوفاً من الناس أو رهبة من نظرات المجتمع، بل حباً ورحمة بمن حوله، حتى لا يثقل على أحبته بمشاعره أو يُقلق قلوبهم بوجعه، وكأن في كتمانه للألم نوعاً من الكرم الروحي، وجوداً بالنفس لا يُدركه إلا من ذاق مرارة الصمت وهو يتلوّى من الداخل. إن هذا السلوك، وإن بدا للبعض ضعفاً أو تكلّفاً، إلا أنه في جوهره صورة راقية من صور الإيثار الإنساني، إذ يفضّل الإنسان أن يتحمّل وحده الألم على أن ينقله إلى من يحب. غير أن التساؤل المشروع الذي يثور هنا هو: هل يُدرك الطرف الآخر هذا الجود؟ هل يعلم أن ذلك الوجه الصامت يخفي وراءه معاناة عميقة؟ أم أن الإنسان الذي يخفي حزنه يُدان أحياناً بأنه بارد، أو غير مبالٍ، أو خالٍ من العاطفة؟
لقد تحدّث الفيلسوف الألماني نيتشه عن هذا النوع من البشر حين قال: “أعمق الأحزان لا يمكن أن تُقال، فهي تسكن في أعماق النفس مثل لؤلؤة في صدفة مغلقة”. فصاحب الحزن العميق لا يصرّح به عادةً، لأنه يعلم أن لا أحد يستطيع أن يشعر بمرارة وجعه تماماً كما يشعر هو. وكذلك كتب الفيلسوف الروسي دوستويفسكي قائلاً: “هناك أشخاص يخفون ألمهم بابتسامة، لأنهم يكرهون أن يشفق عليهم أحد”. هؤلاء الناس لا يطلبون مواساة، ولا يسعون لاهتمام زائف، بل يخشون أن يتحوّل حزنهم إلى عبء على غيرهم.
في الحياة الواقعية نرى أمثلة كثيرة على هذا النوع من الجود بالنفس، فالأم التي تبتسم أمام أطفالها وهي تتألّم داخلياً خوفاً عليهم، أو الأب الذي يخفي عجزه المالي كي لا يشعر أبناؤه بالنقص، أو الصديق الذي يواسي الجميع بينما ينام ليلاً مثقلاً بالهموم، كلهم يمارسون هذا الكرم الصامت. إنهم يمنحون الطمأنينة للآخرين على حساب راحتهم، ويُخفون كسورهم كي لا تتهشّم قلوب من يحبون.
إلا أن المشكلة تكمن في أن المقابل لا يدرك دوماً عمق هذا الجود، فالصمت يُساء فهمه في كثير من الأحيان. قد يُظنّ أن الهادئ لا يتألم، وأن المتماسك لا يحتاج، وأن الصامت مكتفٍ، بينما الحقيقة أنه ربما يعيش معركة داخلية قاسية. يقول المفكر جبران خليل جبران: “من برع في إخفاء حزنه أتقن فن النقاء الزائف في أعين الناس”. وهذا يعني أن من يخفي وجعه يخلق حوله صورة من القوة قد تجعله وحيداً في لحظات احتياجه الحقيقي، لأن الآخرين لن يشعروا بحاجته للعون.
إن الفلاسفة يرون أن هذا الإخفاء المفرط للألم قد يكون فضيلة في موضع، ورذيلة في موضع آخر. فهو فضيلة عندما يكون بدافع الرحمة والإيثار، ورذيلة عندما يتحوّل إلى إنكار للذات وتدمير داخلي. فالحكيم الصيني لاوتسو قال: “من يدفن ألمه في أعماقه، يسقي جذور الحزن دون أن يدري”. أي أن الألم المكبوت لا يختفي، بل ينمو بصمت حتى يُرهق النفس. ولهذا يحتاج الإنسان إلى توازن دقيق بين أن يصون مشاعر أحبّته، وأن لا يق*ت*ل ذاته بالصمت الطويل.
ومع ذلك يبقى هذا الفعل ـ إخفاء الألم عن الآخرين حباً لهم ـ من أسمى صور التضحية الإنسانية، لأن فيه بعداً أخلاقياً نبيلاً يعكس الرحمة والكرم الداخلي، حتى لو لم يُفهم تماماً من الطرف المقابل. فالعظماء لا ينتظرون فهماً ولا شكراً، يكفيهم أنهم أدّوا ما تمليه إنسانيتهم. كما قال الفيلسوف طاغور: “الكرم ليس في أن تعطي مما تملك، بل أن تعطي مما تؤلمك خسارته”. وهنا، من يخفي ألمه عن أحبته قد منحهم راحة على حساب روحه، وذلك أبلغ الكرم.
وهكذا، يظل الإنسان بين خيارين متناقضين: أن يُظهر حزنه فيُخفّف عن نفسه ويُحزن من يحب، أو أن يخفيه فيحفظ قلوب الآخرين ويُثقل قلبه هو. لكن ربما في هذا الصراع يكمن جوهر الإنسانية، لأن من يختار الصمت حفاظاً على الآخرين، إنما يعبّر عن أرقى معاني الحب الذي لا يُقال بالكلمات بل يُثبت بالفعل، بالدمعة المكبوتة، والابتسامة الصادقة رغم الألم.