قراءة في رواية أحلام مستغانمي (فوضى الحواس)

د.سناء الشعلان

د.سناء الشعلان

 

قراءة في رواية أحلام مستغانمي (فوضى الحواس)

بقلم: نازك ضمرة

كثير من الأدباء هاجموا المتنبي حين لم يستطعيوا الوصول لقدراته الشخصية وموهبته الشعرية، وكثيرون هاجموا طه حسين على انتهاجه التجديد والحداثة، وبعضهم اتهمه بالزندقة او الخروج من الملة، وبعض الشعراء يهاجم محمود درويش لتفوقه عليهم في صوره الشعرية ودمجه التراث في الإدهاش والتجديد الذي حققه في القصيدة العربية، وأكتفي بهذه الأمثلة أنتقل إلى ما أردت قوله.

مازالت الرواية العربية عموما تعتبر في منتصف الطريق للوصول إلى قمم روايات العالم، ليس لقصور في العقل العربي، لكن لتأخر ظهور الرواية العربية الحديثة، والتي نعرف انها ابتدأت في الظهور قبل مائة عام تقريبا، في حين ان الرواية العالمية  كان قد مضى عليها ثلاثة قرون أو أكثر، قبل أن تبدأ الروايات العربية في الظهور، عدا عن تطور الغرب الصناعي والفكري، ونحن في غفلة وكأننا ما زلنا في الحقبة الزراعية والريفية والبداوة.

لقد قرأنا وسمعنا الكثير من التهجمات والنقد الحاد الموجه لشخص احلام مستغانمي عبر ادبها ورواياتها. فالمجتمع العربي كغيره من المجتمعات فيه نساء متحررات من التراث ورجال، فلماذا تقصد الحاقدون على الأدب هذه الروائية الكبيرة والحداثية بدلا من تحديها والإتيان برواية فيها عوالم مترابطة وإسقاطات على كل ما يؤذي مشاعرنا كعرب، وما يعيق تقدم مجتمعاتنا، ودون خطابية مباشرة، وفي اعتقادي أن ما أرادته أحلام مستغانمي هو ما يسمى بالهدم البناء، بالدخول لسراديب النفس البشرية والسلوكيات العربية المرتبطة بالعادات والتراث والتقاليد البالية، ولجوؤها لتصوير مواقف حميمية متخيلة يقوم به شخص من شخوص الرواية، كوسيلة لإغراء الشباب وعشاق الأدب من الغوص في عاداتنا المسكوت عنها او المموهة، وعيوب تاريخنا وسلوكياتنا، فمدخلها لإغراء العربي بالقراءة هو اللعب في المساحات الخاصة والمخفية تراثياً، إنه خيالها الخصب، الذي يجعلك تصدق انها تتحدث عن نفسها، او كأنها تتحدث عن تجربة شخصية صادقة.

إن أحلام مستغانمي في روايتها (فوضى الحواس) أرادت أن تقفز بالرواية العربية إلى الأمام والأعلى للحاق بمستوى أي روائي عالمي، فالتعقيدات والتراكيب والمداخل والمخارج والأجواء الروائية والخيالية والانبعاجات والتشعبات والسرد التاريخي والسياسي التي نجدها في روايتها لهي معجزة في حد ذاتها، وكأنها تمهد طريقا للأديبات والأدباء العرب، للتجرؤ على إطلاق العنان للخيال وللعقل، واستغلال مشاعرهم والتجارب الشخصية او المقروءة في الأعمال الروائية حتى والأخبار الصحفية، لتتشابك أو تشتبك ومنظور القارئ، او لتكون موضع نقاش وجدل، تؤدي إلى تخلخل الموروث، وتحرك المجتمع نحو المستقبل بوعي وثقافة متحررة متنورة، تخدم الإنسان العربي ليصون نفسه واهله بأساليب حديثة بعيدة عن الدفن وثقافة العيب والإخفاء والكبت والإرهاب والغش والخيانة. إن وصف كتابة أحلام مستغانمي في هذه الرواية بأن الهدف منها هو التحرر الجنسي والتبجح بالأباحية والانغماس في الحرام لهو تهمة باطلة وتبسيط للأدب والفن، فالأدب ليس وصفا لحكايات واقعية، او دعوة لفضيلة او نهي عن رذيلة، كخطباء المساجد، بل فيه إدهاش بين الحقيقة والخيال والابتكار والمفاجأة والفضح والكشف والتأويل والإسقاطات،  فمن يقرأ روايات أحلام مستغانمي يظن أنها خلقتها للتسلية والإثارة، وخاصة أولئك الذين عاشوا على كهوف التراث والتزمت والتمثيل، لكن القارئ المنصف والناقد الواعي يدرك أهدافا كثيرة سامية وراء التصرفات المخالفة للعادات الشريفة والنظيفة، والغاية في أسمى معانيها هي التربية الحديثة لبناتنا وأبنائنا كي يتجنبوا الأنماط العتيقة من التربية القاسية والمفروضة بالعنف والإكراه على الأبناء والبنات، أو بفضح التحكم والديكتاتورية وحكم العسكر السائد في جميع أرجاء الوطن العربي، بلا استثناء، فينشأ الأشخاص مكبوتين غير مقتنعين بما شحنوا به، وفي نفوسهم ميول مضادة، تبرز رفضهم للسلوك الذي أنشئوا عليه، وحال توفر فرصة للتمرد أو الضلال يجدون أنفسهم ضحية تصرفاتهم الشاذة والمقاومة، او يقومون بتجارب ومغامرات ليست في صالحهم اولا، ولا في صالح المجتمع والأسرة والوطن، فحين تتجرأ بطلة الرواية بالاعتراف بخيانتها عش الزوجية، فإن القارئ يحكم عليها بخيانة الأمانة، ولا بد من عقاب لاحق عاجل او آجل لها، او لمن ضللها، نتيجة الخروج عن المألوف، ونعتقد ان هذا ما قصدته مستغانمي في جرأتها كي تثير فضول القارئ أولاً، ثم لمعرفتها نفسية الإنسان العربي السوي، ذكرا كان أم أنثى، بأنه محروم من أدنى ظروف الحرية في التعامل مع الجنس الآخر، كصديق وكحبيب وكمكمل لحياته بالطريقة التي تناسبه وحسب اختياره، لهدف أبعد من المتعة الجنسية العابرة، بل لاكتشاف الإنسان المتقارب معه عقلا وروحا وتفكيرا وتخطيطا وتفاهماً. ((ذلك الرجل الوهمي  الذي أقنعني بأن أثق بالقدر، ثم تخلّى عني، كي يلقنني درسا في كتابة القصص)) صفحة 119 فروايات أحلام مستغانمي ليست بهذه السهولة التي يتصورها الناس العاديون، بل هي روايات معقدة، وبلغة ادبية راقية، ومجددة تحمل سمات المرأة الوطنية الحرة، والتي تبدو للوهلة الأولى أنها متصادمة مع التراث، لكن التبريرات والحلول للمواقف المخلة للمألوف تكون في داخل الحبكة، دون أن نجد ولو مرة واحدة، أي دعوة للتعهر والتخلي عن الأخلاق، فنجد البطلة تشرح للقارئ نفسيتها المريضة، والظروف التي تحيط بها وتجبرها على محاولات التملص من سجنها وهمومها وكبتها، كطير يريد النفاذ من القفص الجميل المزين والواسع، وتعترف بنفسها بأنها تفعل ذلك، لأسباب نفسية مرضية،  وأخطاء تربوية في طفولتها، فهي تارة طبيب نفسي وأخرى ضحية تحاول أن تعالج الناس للتخلص من همومهم او اكتشاف عيوبهم عبر جعلهم يعترفون بما فعلوه في حياتهم، وعن ما ما يشغل بالهم او ماينقصهم، من حنان حقيقي، ورغبات مكبوتة حرموا منها في الطفولة او المراهقة، ليكتشفوا الظروف الصعبة القاسية التي فرضت عليهم، وعلى كامل الوطن، فالحرمان من المال او الحنان أو الحرية او الكرامة كلها او بعضها تؤثر في شخصية الإنسان ذكرا كان أم انثى، فتجعله كيانا مكبوتا يحاول التخلص من ذلك الضغط النفسي في أي فرصة مناسبة، فالمواقف التي تخلقها مستغانمي خياليا، تجعل المتلقي يرافقها إلى قلب الحدث بفضول واهتمام، متمنيا معرفة كل التفاصيل حتى النتيجة النهائية، إن تشخيص الكاتبة والسارد والراوي العليم وأسلوب الحلم تارة ومحاولة الكاتبة الدخول للحدث كشخصية من شخوص الرواية، معلنة ذلك بوضوح في النص، بأنها تخلق الموقف الذي يناسب الحكاية، وتخلق البطل الذي ينفذ ما يعتمل في نفس البطلة، ثم العودة إلى وصل تفاصيل متخيلة، وتخترع شخوصها محاولة ان تعيش مع تلك الشخصيات أو تعايشهم، وربط ذلك بحقائق تاريخية ووقائع دونها التاريخ، لتوهمنا وبذكاء بأن المغامرات والمخالفات التي رافقت الحدث هي واقعية، ثم نكتشف بعد ذلك أنها كاتبة أرادت في مخيالها تلك الخطوات والوقوع في فخ الحب الملون المموّه والممنوع. (كلما تقدمت بي الكتابة أزدادت قوة عندي تلك الحاسة التي تجعلني منذ اللحظة الأولى، احكم على هذه الأشياء، او لها بحدس قلما يخطئ) ص 25 من الطبعة الرابعة عشرة عام 2004 ثم تقول في موضع آخر ((إن هذه المدينة لا تكتفي بقتلك يوما بعد آخر، بل تقتل ايضا أحلامك) ص 136

هذه الكاتبة التي تستطيع أن تضعك في تيه وهمي وهي تصف المواقف اللإنسانية  بجميع أنواعها سواء في الحب او الموت او البيت او السرير او الأمومة أوالعقم، ثم وتجعلك تظن أنها تتحدث عن نفسها، وحتى نستبعد أن الأحداث واقعية، اخترعت بطلة للحكاية الأساس متزوجة من ضابط أمن كبير، حتى يكون لها القدرة على تنفيذ الخيانات والتمردات التي تعتمل في كل نفس مريضة، والتي تود الكاتبة عرضها وتبريرها، ولا نستطيع تكذيبها، ولتقنعنا بأن احداث الفوضى والإرهاب التي كادت أن تحطم الجزائر، تشغل زوجها عن التعامل معها بمراعاة مشاعرها بعدالة وانتظام، ودليل أن القصة خيالية، كانت تعرف أن زوجها الضابط متزوج من امرأة اخرى، ولم تأت على اثر ذلك على نفسيتها ولو بوصف نظري عبر الرواية بطولها، بل ظهر بتصرفاتها وبخلق الشخوص الذين يخدمون الأغراض التي سيطرت على عقل كاتبة الرواية او بطلة القصة، وهما يندمجان في هذه الرواية فتقول في صفحة   270 ((بل مارست  صلاحيات الكاتب في التخيل ليس أكثر))، ولم تظهراهتمامها كامرأة كما هي عادة النساء من حسد وغيرة من الضرة، ثم وربما كان زواج البطلة على غير رغبتها، واكتشاف أنها كانت مستسلمة لتعامل الزوج معها حسب ظروفه دون أدنى اعتراض او حتى مناقشة، فعرفنا أن الزوجين ليسا متطابقين ولا متفاهمين على أي شيء سوى استسلامها لحاجة زوجها في السرير، ومن ناحيتها تقبل تهميشها، لتنفيذ الحاجات الداخلية في نفسها، لاستغلالها للظروف الاقتصادية الجيدة والمعيشة الراقية، وسيارة مخصصة لها مع سائق، ثم إنها كانت تجهل إن كان لزوجها عشيقات او صديقات او زوجات أخريات في مدن أخرى، أو  لم تشر في الرواية بأن مثل ذلك يهمها، فالزوج ضابط برتبة عالية، والحكم في البلد حكم عسكر، ولديهم صلاحيات واسعة، وإمكانيات لتحقيق كل ما يخطر ببال الفرد عالي المنصب منهم، فبرغم عدم التقارب الروحي بين الزوجين لكنها تظل خاضعة لسلطانه، وليعرف المتلقي أن ما اعترفت به كان حلما او وهما او خيالا أو وصفا أدبيا لما تتخيله الروائية، لأن من شبه المستحيل أن تعترف امرأة حقيقية باللعب من وراء زوجها إلا في محاكمة قاسية، او تحقيق أمني صارم، فهي في روايتها تظهر مدى عمق افكارها وفلسفتها (الناس لا يطرحون عليك عادة إلا أسئلة غبية، يجبرونك على الرد بأجوبة غبية مثلها)  ص 79 ثم تدلل على تلاعبها باللغة لتزيد من حيرتك وتجذب انتباهك فتقول (دون أن أترك بصماتي على عنق الكلمات) ص 92. وفي موقع آخر تقول (كل روائي لا يشبه أكاذيبه تماما كما يشبه كل امرئ بيته)  ص 95 ، ثم هل سبق واعترف أي كاتب روائي انه يعيش عالم كتابة روايته بصراحة وصدق؟؟(اكتشفت ان كل رواية ليست سوى شقة مفروشة بأكاذيب الديكور الصغيرة الخادعة، قصد إخفاء الحقيقة تلك التي لا تتجاوز في كتاب مساحة اريكة وطاولة، نفرش حولها بيتا من الكلمات منتقاة بنوايا تضليلية حد اختيار لون السجاد، ورسوم الستائر وشكل المزهرية)  ص 95، بعدها وفي خضم الحدث وفي زحام المتابعة نفاجأ بشرودها إلى موضوع آخر او انتقالها الفكري والمادي والمعنوي لموقع تخترعه او يطرأ عليها، مثل زيارة والدتها لتتحدث معها بحب وإخلاص عن الطعام او الحمل والأمومة أو الحج والعمرة، او مشهد قتل سائق سيارتها العسكري العجوز المخلص، هذا الشرود الجميل عن متابعة القص وتحطيم الزمان والمكان بأمور ومسببات منطقية تحسن الكاتبة خلقها والانتقال لها، تجعلنا لا نمل من متابعتها، ولكنها مثيرة لأنها لا تنسى انها تنجح في نقلنا لمرافقتها في الموقف الجديد، فتصف لنا اللباس او العطر والشخصية بحيادية فلسفية معلوماتية. ثم تقول: (هل الحرية في النهاية سوى حقك في أن تكون مختلفا؟) ص 114، فأمثال كل هذه التعبيرات المشابهة تثبت للقارئ المتتبع أن الرواية كلها محض خيال، وهي تفصل الحدث التي تريد لتزيد من دهشة القارئ.

إن روايات أحلام مستغانمي هي وسائل فعالة للبحث عن الذات العربية المضللة والتائهة، يقول الدكتور محمد ربيع في كتابه (الثقافة وأزمة الهوية العربية صفحة 244 (وفي ضوء الانغلاق على الذات ورفض فكر الحداثة وفكرة التحديث وكبت الفكر والمفكرين والمثقفين وتخلف الاقتصاد والثقافة بوجه عام والتخوف من الآخر، كان من الطبيعي أن تدخل الثقافة العربية قلعة الجمود المحصنة بأيديولويجات الدين والتراث والقومية، وتقود الشعوب العربية إلى ما تعيشه اليوم من ازمة هوية جادة ذات أبعاد ثقافية واجتماعية وسياسية عميقة) فروايات أحلام مستغانمي تعبير داعم للحرية ولتعديل الفكر العام للإنسان العربي، ووسيلة من وسائل حل أزمة الهوية العربية، وفي موضع آخر يقول محمد ربيع (إن حل أزمة الهوية العربية لا بد أن يبدأ بخلق إطار اجتماعي سياسي يقبل التنوع الثقافي والاجتماعي والعقائدي، ويعترف بشرعية الاختلاف في الفكر والرأي والموقف والمسلك، ويقوم بتنظيم عملية التعاون والتنافس في جو من الحرية، وعلى أساس الولاء للوطن، وليس لقبيلة او عشيرة ولا لطائفة) ص 269 نفس المصدر، هذه الاختلالات في الثقافة والمفاهيم، مع نقص الحرية، وكثرة الهزائم، تتسبب في حدوث اضطرابات نفسية وشذوذ تزيد من قلق الأفراد وانحصارهم بين تناقضات قديمة لا تناسب روح العصر، وبين رغبات الإنسان وميوله التحررية لتحقيق ذاته او للدخول في تجارب كي يتسلح بحصانة نتيجة أفعاله وخبرته.

يقول إدوارد سعيد في كتابه (العالم والنص والناقد) المترجم للعربية طبعة دمشق عام 2000 ص 28

(فعلى الرغم من أن الكاتب لم يتطرق جهارا إلى أمور عديدة، إلا أن كتابته محاولة رائعة لنبذ السجايا الأخلاقية العامة لنظام يجسد العلاقات ويعريها من مضمون عمقها الاجتماعي) وفي نظرنا أن الكاتبة مستغانمي تعمل على خلخلة نظام الحياة العربية ككل، على أمل بناء منظومة أخلاقية توازن بين مصلحة الفرد ومصلحة المجتمع بطريقة حديثة وفي جو من الحرية والديمقراطية، ولا نعتقد ان في نيتها إفساد المجتمع او تضليل المرأة لتكون عاهرة لا هم لها إلا إرضاء رغبات الجسد، لكن الهدف هو قيام منظومة توفق بين الدين والتطور والمعاصرة والحرية والكرامة والشرف والقانون، فمادام هناك طبقة مكبوتة، ويقابلها طبقة مرفوعة المقام ومتعالية ماديا او اجتماعيا او سلطويا، فسيتواجد في ذلك المجتمع اختلالات كثيرة، تظهر على شكل فســـاد متعدد الوجوه وشذوذ بطريقة ما، او بمغامرات إرهابية قاتلة ومدمرة للفرد وللعائلة وللمنطقة، مما يعيق التطور الطبيعي لأولئك البشر وربما للمجتمع ككل، فما نلحظه كل يوم وكل شهر وكل عام على امتداد الوطن العربي كله من تطورات رجعية وارتدادية وهزائم وتدمير وإرهاب وقتل وتخلف وهجرة وتهجير، إن هو إلا صراع بين الماضي والحاضر، بين الحرية والعبودية، بين الفقر والغنى، بين الجاه والسلطان من جهة، وبين الفئات المظلومة والتي تتململ لنيل بعض حقوقها المهضومة على مدى التاريخ من قبل وارثي السلطة والمال او المنتفعين من الإرهاب والدكتاتورية.

إن نصوص مستغانمي ماهي إلا تعبير عن أزمة، ازمة ذات حدين، أزمة مقاومة ورفض، وازمة تجديد ومصادمة مع التراث لخلق توازنات فلسفية وجمعية وأخلاقية، فعلى الرغم من عدم إنكشاف معظم التصرفات الشاذة لرجال او نساء في مجتمعنا، إلا أن مستغانمي أرادت فضح مثل تلك التصرفات والزيف لإسقاطها على شرائح مختلفة في المجتمع، ولكنها موجودة بشكل أكثر فسادا وانتشارا في مجتمعات الرقي والسلطة والمال والديكتاتورية، إذ المرأة التي تتمرد على أدبيات الزواج العربي والإسلامي والتراثي في رواية (فوضى الحواس) لولا أنها ضمن مجتمع متحكم وذات سلطة وإمكانيات مادية لما استطاعت تحقيق أي رغبة شاذة من رغباتها، فكونها زوجة لضابط كبير، ولديها خادم وخادمة، ثم وسيارة مع سائقها تحت تصرفها، ولديها الحرية والسلطة لتطلب من سائق سيارتها نقلها لأي مكان عام او خاص، للتنفيس عما تعانيه من إهمال وعدم اعتبار لمشاعرها مما يسبب لها كبتا وميولا غير طبيعية. وعودة إلى إدوارد سعيد في كتابه المشار اليه اعلاه، ص 66 (إن اللغة الأدبية على وجه التخصيص، تتضمن غرضها وتنال من خلال جهود القارئ، دلالتها بفضل دنيويتها، ومهما كانت قساوة التأويلات)، فبالرغم من مرور آلاف السنين على الإنسان، وهو يستمع للوعظ والنصيحة والردع، إلا أنه مازال يقع في الأخطاء، بل إن تفادي الوقوع في الأخطاء صعب بعض الشيء، فالقارئ واسع الإدراك يبقى حكاية الرواية مجرد فكرة في ذهنه، قد تفيده لاكتشاف الأخطاء او تبريرها او تفهم أسباب وقوعها، وعلى أساسها يصوغ لنفسه قواعد سلوك تناسب الزمان والمكان.

وقبل اختتام هذه القراءة المحدودة، نشير إلى نجاح أي كاتب او تجدد رواجه، حسبما جاء في كتاب (نظرية الأدب) الأمريكية تأليف أوستن وارين،  ورينيه ويليك، وترجمة محي الدين صبحي الطبعة الثالثة 1962، ففي الصفحة 128 ((إن شهرة الكاتب وسمعته ظاهرة اجتماعية في أساسها، ومادامت السمعة والشهرة يقاسان بالتأثير الفعلي للكاتب على غيره من الكتاب، فالشهرة هي استجابة نقدية، وسبب نجاح هذا العمل، ويكون جمع الأدلة من عدد الطبعات والنسخ المباعة))، ثم إن الكاتب لا يتأثر بالمجتمع فقط، بل إنه يؤثر فيه، والفن ليس مجرد إعادة صنع الحياة فقط، وإنما تكوين لها وإعادة خلق، غير أن السؤال (كيف يؤثر الأدب في عواطف جمهوره)، يقدم الأبطال والبطلات  المغامرات في القصص، إيضاحات هامة من مثل هذه المواقف الاجتماعية، وتؤدي الدراسات باستمرار إلى تاريخ الأفكار الخلقية والدينية، إنها تصرفات روائية تفضح ما قد يحدث من شذوذ في طبقات معينة، لتجعلنا نربط بين تلك التصرفات، وظروف الناس الذين قاموا بها، وفي بعض المراحل التي يكون خلالها الفن في أرقى تقدمه، لا يقف جنباً إلى جنب مع التطور العام للمجتمع، ولا مع الأساس المادي والبنية التخطيطية لتنظيمه، وعلينا ان نؤمن أن قصور الروايات الخيالية يجب ان لا تشغلنا عن المشكلة الفعلية لحياتنا الواقعية عربا كنا او من اي جنس آخر.

هموم الوطن لدرجة الشوفينية

ويعتقد كاتب هذه السطور أن اخلام مستغانمي في روايتها (فوضى الحواس) أظهرت إنغماسها بهموم الوطن لدرجة الشوفينية، وسبب تطرفي في وصف وطنيتها، أن الجزائر ظل همها الأول على طول الرواية، ثم لم نقرأ لامرأة أخرى مثل هذا التكريس في عقلها وكتابتها لدرجة الهوس وفقدان البوصلة لتعديل ظروف حياتها وحياة والدتها الأرملة ولا مستقبلهما، فتعاطفت مع القومية العربية بشكل انفعالي، وتداخلت الرواية في السياسة والتعلق بعبد الناصر وكفاح الفلسطينيين، ومشاركتهم همومهم، وكأنها تريد أن تؤدلج روايتها وتدعو لحزب عربي قوي جديد، إما أن تكون منتمية لتنظيم كهذا او تدعو القراء العرب للتفكير بإنشاء مثل هذا الححزب القومي العربي الوحدوي، على أساس من الحرية والديمقراطية والارتباط بمصالح الوطن بعيدا عن الفردية والقبلية السائدة على مدى الوطن العربي كله بلا استثناء، وأفكارها التي جاءت في الرواية مطابقة لمثل هذا كثيرة، وكل ما جاء مخالفا للتراث العربي والإسلامي، كان تصرفا تعذيبيا لا تمردا، فهي ابنة رجل وطني جهادي،  فدى الجزائر بحياته، وعالية الثقافة وتعرف قيمة والدها وانها ابنة رجل شهيد، ذكرت ذلك في أكثر من موقع، ولم تنس والدها بل كانت تذهب لزيارة قبره دوريا، فكانت تعاني الكثير من الماسوشيزم وتعذيب النفس ، محرومة من ا لاسترخاء والاستقرار والحياة في كنف الحب، فبطلة القصة خطافة تركض وتحلم وتخطط وتلهث من أجل لحظات حب قصيرة، دون ان تعلم ما وراء ذلك، وما قد يسببه لها من متاعب، ومن جملة ما حدث لها أثناء سعيها للوصول لحبيب مجهول، اغتال الأسلاميون سائق سيارتها ظنا منهم انه شخصية مهمة بسبب سيارة الأمن المخصصة لزوجته، مع ان ذلك السائق العجوز بريء من كل ما فعل المتسلطون ومتقاعد، ثم وقتل عبد الحق الرجل الذي ظلت مشغولة بالبحث عنه، فوجدت نفسها مع صديقه الأكتع فظنته انه ضالتها لأنها اشتمت رائحة عطر عبد الحق على ذلك الشخص البديل، وهذا الرجل مشلول الذراع استغل سذاجة البطلة فكان يستخدم عطر عبد الحق وديوان شعر الشاعر ميشو، والذي استعاره من عبد الحق، وكان عبد الحق قد دون على الديوان بعض الملاحظات (كنت أعتقد أن الرواية هي فن التحايل، تماما كما أن الشعر هو فن الدهشة، ولم أفهم كيف أن هذا الرجل الذي لم يكن مهيأ لدور الشاعر، ولا لدور الروائي تمكن من إدهاشي، والتحايل على كل حواسي إلى حدٍّ جعلني أمية أمام الرجولة)   ص 238.فخدعت البطلة وخضعت لذلك الرجل باعترافها، واستمتاعهما معا ظنا منها ان الأكتع هو عبد الحق، وأكبر الكاتبة بأنها وضعت البطلة في موضع الاعتراف بالسذاجة والشبق الجنسي، لأنها تريد ان تقوم بدفاع خفي ضد التسلط، وضد الذين لم ينصفوا والدها الجزائري الوطني الشهيد، وضد تحكم رجال السلطة وأولهم زوجها الضابط برتبة عميد، وكيف اتاح له مركزه من التزوج بامرأتين على الأقل، ولديه القدرة والإمكانيات ليفتح بيتين متباعدين، في حين أن البطلة نفسها لا تعرف أين تقيم الزوجة الأولى، فكونها تواجه تجمع هذه الأفكار والضغوطات، ((فأنا أدري ان كل رجل عفيف يجعل داخله قدرا كافيا من القذارة ))   ص  234 . أرادت الانتقام لنفسها بالحب المحرم مع شخص تظن انه عبد الحق، وبعدها تكتشف ان عبد الحق قتل، وإن الشخص الأكتع خدعها وهو ظل ومخادع استغل رغبتها في التمرد، فقضيا معا اوقات ممتعة وشهية.

أمريكا في 15/11/2017

شاهد أيضاً

علي الوردي في ميزان ( 5 ـ ))الثورة/الانتفاضة/الفتنة ـ عمر بن الخطاب 2

عبد الرضا حمد جاسم   الثورة، الانتفاضة، الفتنة.. عمر بن الخطاب (2) إضافة الى ما …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.