على مَن يبكون وعلى مَن يضحكون؟ إنهم أساطين الشرّ والفساد!

لويس إقليمس         

 

بغداد، في 5 كانون أول 2018

على مَن يبكون وعلى مَن يضحكون؟ إنهم أساطين الشرّ والفساد!

“الشجرة الطيبة تثمر ثمارًا طيبة وتبقى طيبة بأصلها”. حكمةٌ قديمة وقولٌ مأثورٌ أثبتته الوقائع في حياة الإنسان. فمَن زرعَ خيرًا، لاقاه في يوم من الأيام في حياته، أو في عيالِه أوبين أهلِه وأقاربِه. هكذا تعوّد الإنسانُ أن يدعو لصاحب الزرع الطيّب بكلّ خير والتكثير من أمثاله. وعكسُه مَن أثقلَ البشرية والأرضَ بالمآسي والآلام، وزرعَ ما بينهما وفيهما من فتن وشرور ومشاكل، واستخدم لأجل إضعافهما وتثقيلهما بمبتكرات شيطانية ليست من عمل الله وأصفيائه وأحبابه بطبيعة الحال، بل من عمل الرجس والشيطان. مثل هذا العنصر الشاذّ والمسيء للبشر تحلّ عليه لعنة الأرض والسماء، على السواء! كان عليه ألاّ ينسى أنَّ الدنيا دوّارة، وأنّ في السماء عدالة تحاسب الأشرار يوم الدّين! فكما سادت حضارات وبادت ولم تدم، هكذا دول الشرّ ومحاورها وتوابعُها، سيأتي يومٌ لتزول وتُحاسب على أفعالها بحق البشرية يومَ الدّين، يومَ لا تنفع الأموال المكتنزة بالسرقة وأفعال الفساد والنصب والاحتيال والفرهود، ولا تشفع الجرائم المقترفة بحق الإنسانية وبحق بسطاء البشر من أحباب الله الخالق، ولا تجدي المجاملات وأصناف الاصطفاف مع الظالم والمتجبّر واللصّ على حساب المقهورين من الذين لا حول ولا قوة لهم بما ابتلوا من ساسة وحكام ورؤساء يقبعون في قمّة اللصوصية والفساد والجور. فلا شيء ثابت ولا أمرَ دائم! هذه شرعة الدنيا وقانون الحياة. ويا ويلَ الأشرار من “البكاء وصرير الأسنان”.

دول الغرب المتقدّم، ومنها زعيمة القطب الواحد أميركا، جاهدت بكلّ الوسائل المتاحة لتقرير مصيرها وبناء قدراتها ومستقبلها على حساب الدول والشعوب المقهورة. وهذا لا أحد يناقش في مدى صحته وواقع حالِه. فالدلائل كثيرة وعديدة، ومنها سعيُها المستميت للهيمنة على قدرات ومقدّرات واقتصادات وسياسات دول العالم وتوجيهها وفق الدفّة التي ترتضيها هي بعيدًا عن احترام سيادة الدول وحق شعوبها في تقرير المصير وبناء بلدانها وفق حاجاتها وتقاليدها ومقتضيات مصالحها الوطنية والقومية. أمّا عن الشرق الأوسط، فحدّث ولا حرج. فقد نفذت أميركا مخططات ربيبتها المدللة إسرائيل، واتّبعت في سياستها أفكارَ زعامات “المثالية الغربية” ومخططاتها التي توجّهُ العالم انطلاقًا من محافلها وحجرات اجتماعاتها الدورية في الكواليس.

عندما يذرف زعماءُ دول الاستكبار وساستُهم دموعًا إزاء ما تعانيه دولٌ وشعوبٌ مقهورة من أزمات متلاحقة ومن اضطرابات في تركيبتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية، فهي في حقيقة الأمر لا تختلف عن دموع التماسيح التي تصدر عن شيوخ الإرهاب وأرباب الفساد في المنطقة أو على أفواه الطغاة والفاسدين من الحكام والساسة الذين يتلاعبون بمقدّرات شعوبهم ومصائرها على أهوائهم ووفق مصالحهم من حيث يدرون أو لا يدرون، يشعرون أو لا يشعرون. فواقع الحال يشهد للأفعال المشينة لكلا الطرفين ولممارساتهم الّلاأخلاقية التي لا ترضى بها الإنسانية بسبب مشاركة الطرفين، دولٍ عظمى وأتباعها وأدواتها على السواء، في هذه جميعًا. فالدول العظمى تجيدُ اللعبة عبر زراعتها لجراثيم سرطانية وأوبئة بايولوجية جديدة تحمل كلّ يوم جديدٍ مشاكلَ وأحداثًا تستنبطها كلّما اقتضت الحاجة لخلق أزمة جديدة في أية منطقة منتخبة بهدف جعل الدول الضعيفة والشعوب المقهورة تدور في فلكٍ بل في أفلاكٍ دائمة من الفاقة المستديمة والإرهاب المتنامي والفقر المتزايد والحاجة الأزلية للغرب “المثالي” الذي يرفض التراجع عن درجة السيد “الخبير” أو “الماستر” في سياساته ومخططاته وسلوكياته الأدائية. فقد زرعت الدول “العظمى” الإرهاب في كلّ بقعة من الشرق في حقبة الثمانينات من القرن المنصرم وربما قبلها أيضًا بمعاونة أدواتها في المنطقة وبتمويل من بعض حلفائها ودعم لوجستي وبشري ومالي من قبلها في آنٍ معًا. كما عملت أميركا وحلفاؤُها لاحقًا ولغاية الساعة، على تغذية وتمويل نشاطات الإرهاب والإرهابيين وتثبيت أقدامهم في مناطق منتخبة وحسّاسة في سباقٍ استخباراتي مع مثيلاتها وتوابعها وأدواتها في بلدان الشرق بهدف إدامة زخم الفصائل الإرهابية التي تنامت وتناسلت وانتشرت كالأميبا وسط جهل وتخلّف شعوب المنطقة التي بقيت أسيرة ذيول الغرب وتحت رحمة فتاوى أرباب القلانس والعمامات والطيالس.  

حرب اقتصادية شرسة

قبل أيام فقط، أُسدلَ الستار عن اجتماعات مجموعة دول العشرين G20 التي عقدت في العاصمة الأرجنتينية بوينس أيرس وحضرها قادتها وسط انقسامات حادة في العديد من النقاط، ومنها ما يتعلّق بشأن لوائح التجارة العالمية والحمائية والقواعد المتفق عليها. فقد ظهر تقاطع المجتمعين مع قيادة العم سام الذي يطمح منذ توليه إدارة بلاده للتفرّد بتوجيه اقتصاد العالم وفق رؤيته الاحتوائية التي ترفض بروز اقتصاد قويّ على المشهد الدولي غيرَ بلاده. فالإدارة الأمريكية التي تخشى تقليديًا دور الدبّ الروسي وتأثيره على مسار السياسة العالمية، بدأت تترصّد بروز الصين كقوّة اقتصادية عظمى قد تتفوّق عليها في السنوات القادمة على أكثر تقدير. فالنموّ النسبي الذي تشهده الصين مثلاً بحسب تقديرات مؤسسة فوكس إيكونوميكس العالمية  Focus Economics، يضعها على عتبة 6,4% متفوقًة على نظيرتها الأمريكية بثلاثة أضعاف والذي يُقدّر هذا الأخير بنحو 2,4%. أي ما معناه، أنّ حجم الإجمالي الإسميّ للناتج المحلّي للصين الذي يتراوح اليوم في حدود 13,09 ترليون دولار قد يفوق ما وصل إليه حجم الإجماليّ الأمريكي الإسميّ الذي تضعه هذه المؤسسة العالمية في حدود 20,25 ترليون دولار.

من هذا المنطلق في الرغبة الدائمة بالتحكم في اقتصادات الدول الأعضاء في هذا الملتقى العالمي نفهم جيدًا فحوى اعتراض الإدارة الأمريكية التقليدي على أية قوة يبرز اقتصادها أو يهدّد هذا الأخير بتفوّقه على الاقتصاد الأمريكي، ما يعني أيضا استخدام الإدارة الأمريكية أسلوب الابتزاز والمساومة والهيمنة بفرض قوانينها الخاصة في محاسبة غيرها من الأمم والبلدان التي تخرج عن طاعتها وإدارتها، في دلالة على بروز دلائل لحرب اقتصادية شرسة عالمية قادمة. وهذا ما يشير بالنتيجة إلى أسلوب فرض العقوبات والحظر والضرائب على إنتاج وتصدير السلع بين الدول وبما يؤمّن مصالحها القومية في كلّ الأحوال. فالصين لم تعد ذلك “العملاق النائم”، بل بالأحرى كما أسماها البعض، تمثل اليوم “ماردًا اقتصاديًا” يمنع غيرها من الدول المهزوزة إزاء سطوة أميركا من النوم والخوف والهيمنة. إنها بحق حرب في السياسة وفي الاقتصاد وفي الإنتاج وفي التصدير، بالرغم من اتفاق الأطراف المعنية في المجموعة جميعًا على هدف موحد أسمى يتكفّل بتعزيز الاستقرار المالي والاقتصادي بين الدول الكبرى عبر النقاش والحوار والاتفاق والتشاور بحضور مؤسسات مالية دولية رصينة ومعتمدة من قِبَلها جميعًا تُعدّ الراعية للحفاظ على نوع الاستقرار المطلوب.

إن هدف أمريكا من سياساتها التعسفية هذه ومَن يسيرُ في ركبها، البقاء في قمّة الهيمنة على العالم والتربع على عرش الاقتصاد العالمي ما يسهل عليها التحكم بإدارة دفة الدول والسيطرة على سياساتها وتوجيه سلاطينها ووعّاظهم بشكل يتوافق مع مصالحها القومية قبل أي شيء، ولا شيء سوى هذا. أمّا دموع التماسيح التي تذرفها هنا وهناك على شعوب ابتليت بساسة وزعماء فاسدين من صنعها، فهي لن تشفعها ولا تبرّد حرارة الآلام والأزمات والصعوبات الجمّة التي تعانيها معظم شعوب البلدان النامية التي يتمّ استغلال ثرواتها بأبشع الطرق ويجري حلبُها في عزّ النهار وظلمات الليالي الكالحة. فهي تقتل القتيل وتمشي في جنازته. أليست أساسَ الفتن والحروب بخلقها أزمات متلاحقة واضطرابات فكرية وتأجيجها لصراعات دينية وطائفية وعرقية مترافقة مع إضعافها لاقتصادات هذه الدول الغارقة في أتون مختلف الصراعات المشار إليها؟

شتّان ما بين سياسة الغرب والشرق

على النقيض من الوجه المظلم لأميركا والغرب عمومًا، يحسبُ البعض حسنات لهذه الدول الاستكبارية التي تختلف تمامًا في تركيبتها الاجتماعية والفكرية وفي فلسفة الحياة والاقتصاد إزاء مواطنيها. فالكثير منّا يرى فيها بلدانًا تنبض بالحياة التي تقدّرها وتمنح الأمان والرفاه والراحة والحرية لمواطنيها بالرغم من اختلافات أصولهم وأعراقهم وأديانهم وألوانهم. صحيح أن الشعوب والأمم هي بناتُ اليوم. ف”الفتى ليس مَن يقول كان ابي، ولكن الفتى مَن قال ها أنا ذا”. وصحيح أيضًا، أنّ تاريخ أمريكا حديث العهد من حيث الحداثة والتطوّر والتأسيس لدولة عظمى لم تكن فيها حضارة راقية في الأزمنة الغابرة كالتي نعرفها في شرقنا المبتلى بتخلّفه عن الركب العالمي بعد أن كان هذا الأخير يتمتع بحضارات راقية سادت آلاف السنين ثن بادت بفعل الأهوال والتغيرات في أداء البلدان والشعوب والأمم. لكن والحقّ يُقال أيضًا، أنّ الحسنة الأبرز التي تُحسب للغرب عامةّ وبخاصة أميركا، أنّ هذه الأخيرة تمكنت من بناء قدراتها من الفراغ ومن وضع الأعمدة الصلدة لأساس اتحادها مستفيدة من الطاقات المهاجرة إليها على مرّ الأزمان، بسبب إدراكها ما يعنيه التنوع الفكري والطائفي والعرقي والمذهبي للعقول المهاجرة التي وجدتْ فيها رعاية وحماية وتشجيعًا، بعكس السياسات الهدّامة لزعامات الدول النامية (النائمة) الطاردة للكفاءات المحلية والوطنية ولأصحاب الأفكار المتنورة.

         هذا هو الفرق بين ساسة القطب الواحد في أميركا الذين أحكموا سيطرتهم على سياسة العالم واقتصادها وبين ساسة الصدفة والمفاجأة وحديثي النعمة ومن وعّاظ السلاطين في مشرقنا المتخلّف، بسبب أنّ “مغنّي الحيّ لا يطرب” في بلداننا النامية، كما لا مكان لأصحاب الأفكار الرشيدة والعقول المتنورة والكفاءات العالية. وستبقى بلداننُا “أمينة ووفيّة” على تخلّفها وغائصة في أهوالها وغاطسة في شعاراتها العروبية وشعائرها المذهبية التي لم تعد تنفع مع الثقافة الجديدة والتأوين المعاصر للمعتقدات والأديان والمذاهب للبشرية جميعًا. فلكلّ عصر شعارُه ومسارُه، ولكلّ يومٍ همومُه ونوافذُه النافعة أو الضارة للبشر والأتباع. فما كان نافعًا ومتداولا قبل أكثر من أربعة عشر قرنًا لم يعد حالُه كما بالأمس، ولا بدّ من التغيير نحو الأفضل والأحسن والأكثر فائدة، وليس بجرّ الإنسان والبشرية إلى متاهات الدهور المظلمة ودهاليز الصحراء والبادية “الحَرْفية” في العيش المتخلّف الذي لا يقبل التغيير. هذا طبعًا من دون الاستخفاف بكرم هذه الأخيرة وشجاعتها وما تمثله البداوة الأصيلة من شهامة وبطولة وفروسية في اتخاذ المواقف الرجولية لدى اقتضاء الضرورة. ومن هذه المواقف، الثورة على الظلم والانقلاب على ساسة الصدفة وقلب الطاولة على رؤوس الفساد والفاسدين والمفسدين ووعّاظهم في بلداننا الشرق الأوسطية أينما وجدوا وظهروا.

في ضوء الأحداث والفوضى القائمة في عراق ما بعد الغزو في 2003 حتى الساعة، لن تنفع بعدُ كلُّ الترقيعات الوقتية الجارية في تشكيلة أية حكومة جديدة. فجميع الشرفاء ومحبّو الوطن مقتنعون أن الحلّ الوحيد يكمن في التغيير الجذريّ والانقلاب على الذات اولاً ومن ثمّ الانقلاب على رؤوس الفساد والمتاجرين بمصير الوطن وأهله وناهبي ثرواته. وهذا لن يكون ممكنًا إلاّ بتعزيز السلم الأهليّ وإبعاد الدخلاء والأغراب عن الوطن وأهله الطيبين، والتوجه نحو بناء دولة مدنية تسودها العدالة والمواطنة والانتماء الصادق. حينئذٍ، نقف سدّا منيعًا ضدّ كلّ مَن يبكي أو يضحك علينا زورًا وبهتانًا سواءً بسواء.

شاهد أيضاً

لويس إقليمس

نريدُ العراق دولة مواطنة، لا دولة مكونات وأحزاب

لويس إقليمس       نريدُ العراق دولة مواطنة، لا دولة مكونات وأحزاب بغداد، في 26 …

اترك تعليق

  Subscribe  
نبّهني عن