راهبان من الصين في رحلة إلى بلاد النهرين

الكاتب: وردا اسحاق

 

راهبان من الصين في رحلة إلى بلاد النهرين

 

أعداد / وردا أسحاق عيسى

بعد نشر مقال ( بداية العلاقة بين كنيسة المشرق وبابا روما عام 1288 ) سنستمر بنشر معلومات أخرى عن الراهبان صوما ومرقس (الجاثاليق مار يابالاها لاحقاً ) لمعرفة المزيد من المعلومات التفصيلية عنهما.

ولد الربان صوما في مدينة ( خان – باليغ ) أي الصين عاصمة مملكة الشرق من أبوين مسيحيين تقيين طعنا في السن دون أن ينجبوا من يرثهما، واضبا في التضرع الى الله لكي يكرمهما بذرية فيعزيان . سمع الله صلاتهما فترحم عليهما وأستجاب فحبلت المرأة ثم وضعت أبناً سمياه صوما ، أعتنيا بتربيته عناية فائقة ونال النعم عند معلم ماهر وهذباه في تعليم الكنيسة ، ثم تأهل لنيل درجة الكهنوت فأرتقى الدرجات الدينية حتى أصبح قنكايا ( ساعور ) كنيسة بكين . كان متواضعاً ومتقداً بنار الأيمان التي كانت تحرق قلبه والتي طهرت نفسه النقية من كل دنس لهذا أحب الله فوق كل شىء وبدأ حياة التقشف فأمتنع عن أكل الزفرين وشرب الخمور . لكن عندما علم أبواه برغبته أغتنما غماً لا يوصف لأنهما أرادا منه الزواج . فقالوا له أيرضيك أن يرثنا الغرباء ؟ لكنه واظب في طريق الجهاد الروحي لينل المزيد من الفضائل . أقتنع والديه بأنه لم يتمم رغبتهما فتركاه وشأنه . فوزع كال ما كان يملك من الملابس والمقتنيات على الفقراء . ثم أقتبل الأسكيم الرهباني ، فحلق رأسه لكي يعمل في كرم الرب ، فأنزوى في صومعته وحبس نفسه لمدة سبع سنين ، وبعدها غادر بعيداً عن الناس ولمسافة يوم واحد فوجد مغارة على مقربة منها نبع ماء ، فشكر الله على نعمته التي أهلته لهذا الهدف فسكن هناك في خلوة وهدوء ، لكن خبره أنتشر في تلك الأصقاع فتهاتفت الجموع لزيارته وكانت تكرمه غاية التكريم . جاء اليه شاباً يدعى مرقس ( الجاثاليق مار يابالاها لاحقاً ) فألقى عليه السلام ، فحياه وسر به واستقبله بفرح , وبعدها سأله عن أصله وعشيرته فأخبره أنه جاء من مدينة ( كوشنغ ) وقد استغرق في مجيئه خمسة عشر يوماً ، قال لصوما ، ولما بلغني صيتك ، تركت كل شىء وقصدتك ، فلا تخيبني وتضع عوائق لتقضي على رغبتي . قال له صوما : يا أخاه ! إن هذا الطريق لصعب للغاية ، لا يكاد يتحمل الشيوخ صعابه ، فكيف يمكن لشاب مثلك بلوغه ؟ وألح عليه الربان صوما لكي يعود الى أهله فلم يقتنع مرقس ، حينذاك دعاه الربان والبسه رداءً من الصوف ، ثم أخذ يختبره ، وبعد ثلاث سنين ، حلق شعر رأسه ، وأقتبل الأسكيم من يد مار نسطوريوس رئيس الأساقفة ، فأخذ يمارس الزهد والتقشف والإنقطاع عن تناول الطعام حتى المساء ، فجدّ الرهبان في ذلك الجبل بأعمال الطهارة والقداسة فعزاهما الله الذي كرسا له ذاتيهما .

أرتأيا يوماً ترك صومعتهما والتوجه نحو الغرب لزيارة أورشليم المقدسة . فوزعا كل ما لديهما على الفقراء ، فلما عرف الناس بنيتهما أحاطوا بهما ليثنوهما عن عزمهما قائلين : الطريق بعيد وملىء بالمخاطر فلا تستطيعا الوصول الى هناك أبداً . قالوا أننا كفرنا بالعالم ، وأعتبرونا ميتين عنه ، فلا التعب يفزعنا ولا الخوف يرهبنا . فقط صلوا لأجلنا محبةً بالمسيح , وصلَ الخبر الى أمير المدينة التي كانوا فيها فحاول أبقائهما وأقناعهما بأنهم يسعون في طلب الرهبان والأساقفة من الغرب ليأتوا الى ديارنا ( الغرب يعنى به بلاد ما بين النهرين ) فكيف ندعكما ترحلان عنا ؟ لكن الراهبان لن ينثنيا عن عزمهما ، فأقتنع الأمير وخصص لهما هدايا من ذهب وفضة وملابس ودواباً للتنقل وودِعا بالبكاء الممزوج بفرح .

وصلا الى خراسان في بلاد فارس ونالا بركة أسقف المدينة ، ومن هناك ذهبا الى أذوربيجان وبعدها أرادا الأنتقال الى بغداد ليقابلا الجاثاليق مار دنحا . لكن صادف بأنه كان موجوداً في مراغة الفارسية فلقياه هناك وزادت فرحتهما وأطمأنت سريرتهما وهدأت أفكارهما بلقياه كأنهما يشاهدان المسيح في شخص البطريرك مار دنحا ، ثم قالا له كثيرة هي مراحم الرب علينا . سألهما عن الجهة التي قدموا منها فأجاباه قائلين ، من بكين مدينة الخان ملك الملوك ، أتينا للتبرك معكم وإذا وجدنا فرصة وترحم الله علينا ، فإننا مزمعان زيارة أورشليم المقدسة . . أستأذنوا من البطريرك لكي يسافروا الى بغداد للتبرك من ذخائر مار أدي والآباء ومن ثم الى مناطق أخرى ، فقال أذهبا يا أبناي والمسيح الإله يمنحكما طلباتكماالى الكنيسة الكبرى ( كنيسة كوخي العظيمة ) ثم الى دير مار ماري الرسول وتباركا من الذخائر التي في تلك الديار وبعد عودتهما ذهبا الى باجرمي للتبرك بذخائر مار حزقيال ، ومن هناك دخلا مدينة أربيل التي كان كل سكانها مسيحيين وفيها أربع كنائس ، وبعد ذلك سافرا الى الموصل وسنجار فنصيبين وماردين في تركيا وتباركا بذخائر مارأوجين . ثم قصدا جزيرة بازبدى ثم الى دير مار ميخائيل في منطقة حلب السورية وقد أبتاعا لهما قلاية فاستقبلهما الرهبان هناك بفرح فارتاحت أفكارهما المرهقة من مشاق الطريق الطويل .

لما سمع الجاثاليق مار دنحا بأنهما رتبا أمر أقامتهما في دير مار ميخائيل أرسل في طلبهما فقاما وذهبا عنده للحال وطلب منهما الأقامة معه لكي تعم فائدتهم على الجميع ( هنا المقصود أسخدامهما وسطاء عند المغول ) . فقالا له ، ما يأمرنا به أبونا أياه نعمل . فقال لهما أذهبا الى الملك أباقا لتحصلا على المنشور منه ( أباقا الملك هو أبن الملك هولاكو من مملكة المغول ) قالا له ( سمعاً وطاعة . السبب الذي دفع البطريرك لأرسالهما الى الملك لأنهم يعرفون لغته لكونهم من تلك البلدان فينالوا منهم التقدير والأحترام ) . فلما وصلا الى الملك سألهما عن بلدهما وعن غايتهما . فكشفا له عن جميع نواياهما ، عندئذ أمر الملك وزراءه تلبية جميع طلباتهما وأن يعطوا لهما المنشور المطلوب . فأرسلا المنشور الى الجاثاليق مع المرافق الذي أرسله البطريرك معهم ، أما هم  فأنطلقا نحو أورشليم ، الهدف الذي جاءا من أجله . وصلا مدينة أنيمطو أو ( آني ) والتي كانت عاصمة مملكة أرمينيا ، أندهشا بعظمة بناء كنائسها وأديرتها وجمال هندستها . ثم دخلا جورجيا . ليسلكا منها طريقاً سهلاً . وما إن بلغا تلك المناطق حتى بُلِغا من أهالي تلك المناطق بأن الطرق مقطوعة الى أورشليم بسبب السلب والأقتتال الدائر هناك . رحلتهما الى جورجيا ومنها الى أورشليم ليسلكا طريقاً سهلاً وآمناً ، لكن لنسأل ونقول ، لماذا أتجهوا نحو الشمال ومنها نحو الشرق لزيارة أورشليم . فهل أخطأ النساخ بأستنساخهم كلمة جورجيا ؟ أم ليس المقصود جورجيا الحالية ؟ ولماذا لم يقتدوا طريق غرب بغداد الى الأراضي المقدسة كما فعل المجوس في زيارتهما للرب المولود ، أم كان الطريق مغلقاً ؟

قرروا العودة الى الجاثاليق لأنهم قالوا إن الفرصة غير مناسبة بسبب أحداث الطرق لزيارة أورشليم . ففرح الجاثاليق مار دنحا بعودتهما كثيراً .

سنواصل في كتابة سيرتهما في مقالات لاحقة .

المصدر

كتاب تاريخ مار ياهبالاها الثالث الجاثاليق والربان صوما

 

يمكنك مشاهدة المقال على منتدى مانكيش من هنا

شاهد أيضاً

زيارتي إلى الأماكن المقدسة

الكاتب: وردا اسحاق               زيارتي إلى الأماكن المقدسة بقلم / …

اترك تعليق

  Subscribe  
نبّهني عن