حيّاكِ يا بصرة

لويس إقليمس    

حيّاكِ يا بصرة

زوار موقعنا الكرام نقدم لكم يوميا وحصريا جديد الاخبار و المقالات ,حرصآ منا على تقديم كل ما هو جديد عبر موقعنا مانكيش نت نعرض لكم الان المقال التالي بعنوان حيّاكِ يا بصرة للكاتب لويس إقليمس 

بغداد، في 12 تموز 2018

البصر ة الفيحاء تنتفض منذ أيام بعد أن ضاقت ذرعًا بإهمال حكومي في الخدمات الآدمية: حيث لا ماء صالح يدخل معدة الفقراء، ولا كهرباء وطنية تقي أهلَها من لفحة قيظ الصيف القاتل، ولا أمن يحمي المتقين الله من فقراء وبسطاء الشعب الخاضع لإرادات ميليشيات الأحزاب الدينية في غالبيتها والمسؤولين الحكوميين المتاجرين بحقوق أبناء هذه المحافظة التي تسبح على بحور من الذهب الأسود وأهلوها محرومون من نعيم عوائدها.  

البصرة تنتفض، ومن حقها أن تنتفض وتثور وتقطع الطرق من دون مظاهر عسكرية مستنكرة أو   إضرار بالخدمات العامة والمنشآت ودوائر الدولة التي هي ملكٌ لهم ولكلّ الشعب. فالفالة والمكوار اللذان استخدمهما الشعب في انتفاضة 1920 أيام شعلان أبو الجون، كفيلان بأداء مهمتهما في طرد الأغراب عن حكم البلاد. فهؤلاء لا يختلفون في أطماعهم عن حكم الإنكليز أيام زمان. ولنتذكر أن التاريخ يعيد نفسه.

البصرة تنتفض في شهر أغر ساخن عُرف بموسم الثورات والانتفاضات والانقلابات، ليس في العراق فحسب، بل في عدة مناطق من العالم. لكن موسم هذا العصر له عطرٌ آخر لأن حيثيات الانتفاضة القائمة، قد تجاوزت في صبرها حدود الطاقة التي أذعنت لها قدراتُ العراقيين من شمال البلاد إلى جنوبها. فالمشاكل في عموم البلاد تتفاقم، والعلائق بين الإخوة الأعداء من الأحزاب الحاكمة تتعقد، والتوترات بين شبه الدولة والشعب تتسع وسط ارتفاع سلطة الميليشيات والعشائر التي صارت سيدة الحكم والموقف والقرار، فيما سلطة شبه الدولة تتراجع أمام هذه المظاهر غير الحضارية. بتنا اليوم نخضع للفصل العشائري أكثر من سيادة القانون الغائب في الكثير من مفاصله. فهذا الأخير، بحكم الواقع خاضع لتأثيرات الأحزاب الحاكمة، شئنا أم أبينا.

البصرة تنتفض، وقد تتبعها محافظات أخرى، بل نأمل أن ينتفض كلّ العراق من شماله إلى جنوبه كي يقول كلمة القرار الحق: آن الأوان لتنفيذ مفهوم “الشلع قلع” بحق العملية السياسية برمتها، التي نعتقد أنها تلفظ أنفاسها الأخيرة، بل صار مَن يعتقد بقراءة سورة الفاتحة عليها برمتها، في ضوء الواقع المتردي. فبعد خمسة عشر عامًا من الفساد السياسي والإداري والمجتمعي الذي احتجزتنا فيه الأحزابُ الحاكمة وزعماءُ البلاد، ومجملُهم من مزدوجي الجنسية الذين أثبتت الأيام تنكُّرَهم لأية سمة وطنية وبعدَهم عن هموم الشعب واهتمامَهم بتكديس أموالهم من مال الشعب ومن السحت الحرام، يكون الأجدر بالشعب البائس أن يواصل انتفاضته من كبيره إلى صغيره ليقول: كفى للظلم! كفى للضحك على الذقون! كفى للمخاتلة! كفى لسرقة أموال الشعب! كفى للمجاملة على حساب المظلوم! كفى للمتاجرة باسم الدين! فباسم هذا الدين، وباسم هذه الطائفة أو تلك، وباسم هذا الإمام، وباسم هذا المرجع، وباسم تلك العمامة مارسَ اللصوص والسراق والعصابات أفعالهم اللصوصية وسرقوا فرحة الأطفال وكدّروا سعادة الآباء ودمّروا مدنية البلاد وجرحوا نسيجها المجتمعي. وبسبب الأوضاع المتردية هذه، تصدعت العلاقات بين المجتمعات المتكافلة وكثرت المشاكل بين الأسر والعائلات وزادت الزيجات غير الشرعية وانتشرت في البلاد مراكز التزوير والترفيه المقنّع وسادت القوانين العشائرية على سلطة الدولة والقانون وأصبحت الميليشيات المدعومة من أحزاب مسلحة متنفذة هي التي تحكم وتقرر وتفرض الرأي.

إنتفاضة البصرة، وإن جاءت متأخرة، إلاّ أنها تحمل بصيص أمل قد يقود للضوء الباهر في نهاية النفق المظلم الذي عاشه العراقيون، ليس منذ السقوط في 2003 فحسب، بل قبل ذلك بسنوات. فالأمل بمستقبل قريب يحمل تباشير الخير والانفراج والعودة إلى السكة الوطنية، قد يبدو قادمًا مع تصاعد حدة الانتفاضة واتساع رقعتها لتشمل محافظات أخرى، مرورًا ببغداد كي تُسقط أصنامَ المنطقة الخضراء بلا استثناء بأيدي عراقية خالصة وروح وطنية عارمة وغاية تنموية صحيحة تعيد للبلاد ألقَها ولبغداد رونقها ولمدن العراق كافة عزتَها واستحقاقها، ليس كما أسقط الأمريكان الصنمَ لغايات تدمير العراق والاستخفاف بشعبه وإبقائه رهن المشاكل والأزمات والتعقيدات في مفاصل حياته اليومية إلى أمد غير مسمّى.

إنتفاضة البصرة، هي البداية ولا ينبغي أن تتوقف أو تترهل أو تتراجع حتى تحقيق كل مطالب أهلها من ماء وكهرباء وأعمال واستقرار وطرد كلّ مظهر مسلّح لتعود قبلةَ العالم وليس الخليج فحسب. لذا ليس على البصريين القبول بأرباع أو أنصاف حلول. فحياتُهم هي على كف عفريت منذ أجيال ولا مجال لمزيد من الصبر وطول الأناة والانتظار. فهذه قد فاقت الحدود ولم يعد لها مكانٌ في قاموس الأحرار الذي ارتضوا لسنوات عجاف أن يبقوا رهن الخنوع والخضوع والتبعية لهذا البلد وهذا المرجع وهذا الحزب وهذا السيّد وهذا المعمَّم. البصريون هم السيّاب الذي تغنى بنخيلها الباسق في يوم من الأيام وأصبح رمزًا للحرية ولانفتاح أهلها ولكرمهم وطربهم وأغنياتهم وأهازيجهم الشعبية الجميلة.

إنتفاضة البصرة في حالة استمراها حتى تحقيق المطالب الوطنية والمحلية من دون تنازلات، بداية لتغيير المشهد السياسي ولإسقاط رموز الفساد وإبعاد اللصوص من الحكم ووضع حدّ للتبعية للجيران. إنها شجاعة الاحتجاج التي عُرف بها الشعب منذ تشكيل الدولة العراقية كلّما نكثت الحكومات وزعماؤُها بوعودها لتحقيق الرفاهة والسعادة والتنمية والإنجازات الخيالية والإصلاح التي أضحت جميعُها أسيرة المؤتمرات الصحفية الدعائية ولا شيء منها على أرض الواقع. فالقطاع الخاص الذي كان ينبغي أن يشكّل عصب البلاد الاقتصادي مازال يترنح تحت وطأة الضرائب المتنامية والقوانين الجائرة غير المنضبطة في معظمها لأسباب كثيرة. أما الخدمات العامة، فحدّث ولا حرج علاوة على اندثار ما كان قائمًا من مقومات الدولة وعدم إضافة أية مشاريع استراتيجية مهمة في الطرق والجسور والمياه والأجواء والمرور والتجارة والصناعة وما إلى ذلك، وهي عديدة تشكو المعالجة وغياب الإدارة الصحيحة والمتابعة المهنية.

إنتفاضة البصرة إذن، لا تراجع فيها، ولتقتفي غيرُها من المدن ما قامت به من شجاعة من دون إضرار بالممتلكات العامة والخاصة بالشعب. فاستمرارُها يعني إحياءُ وطنيةِ ثورة العشرين وانتفاضة سمّيل وثورة الشواف والانتفاضة الشعبانية حتى تحقيق الأهداف في رسم سياسة جديدة للبلاد بعيدًا عن زعماء المشهد الفاسد القائم منذ 2003. وكان الله في نصرة شعب الفيحاء ومّن يحذو حذوَهم!

زوارنا الكرام نشكركم على متابعتنا ونتمنى ان نكون عند حسن ظنكم بنا دائمآ
نرجو منكم مشاركة المقال حيّاكِ يا بصرة للكاتب لويس إقليمس  على مواقع التواصل الاجتماعي والضغط على لايك لكي تصلكم اخبار موقعنا لحظة نشر الخبر .

شاهد أيضاً

العراف بعين طفل

خالد الناهي   العراق بعين طفل ثلاث اطفال، أحدهم عراقي، اشتركوا بمسابقة للرسم، طلب من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.