مقالات

حين يصبح الزي الموحد جزءاً من الطريق: هل الزام اصحاب الكيات

ليس كل قرار يُصدر لتنظيم الشارع يُقاس فقط بعدد الغرامات التي يفرضها، بعض القرارات تُقاس بما تتركه من أثر في شكل المكان، وفي شعور الناس وهم يستخدمون الفضاء العام. تعليمات مديرية المرور العامة الأخيرة بتاريخ اليوم 15/12/2025 الخاصة بحافلات النقل الجماعي من هذا النوع، لأنها لم تتوقف عند حركة المركبة وسلامتها، بل امتدت إلى صورة السائق نفسه، وملابسه، وما تمثله للناس يومياً.

المرور أعلنت حزمة توجيهات جديدة لتنظيم عمل الكيات والكوسترات، شملت أموراً معروفة تتعلق بالإجازات، والسير بالجانب الأيمن، وسعة الحافلات، ومواقع الأبواب، وتشغيل الإنارة، وتفتيش المركبة، وصولاً إلى فرض غرامة مقدارها 100 ألف دينار على المخالفين. لكن أكثر ما أثار النقاش لم يكن كل ذلك، بل فقرة واحدة قصيرة: إلزام سائقي النقل الجماعي بارتداء ملابس رسمية وغير مخلة بالحياء، حفاظاً على الذوق العام.

هنا بدأ الجدل، وكالعادة انقسم الناس. هناك من رأى في هذا التوجيه تدخلاً في الحرية الشخصية، وتقييداً لحق الإنسان في ارتداء ما يريد، وهو كلام صحيح من حيث المبدأ. فالملبس خيار شخصي، والحرية الفردية قيمة لا يجوز الاستهانة بها. لكن السؤال الذي غالباً لا يُطرح هو: هل يبقى الأمر حرية شخصية خالصة حين نخرج إلى فضاء عام، ونمارس عملاً خدمياً يتعامل يومياً مع مئات او آلاف الافراد؟

النقل الجماعي ليس مساحة خاصة، والحافلة ليست غرفة مغلقة، والسائق ليس فرداً معزولاً، بل واجهة يومية يتعامل معها المجتمع كله. مثلما نتوقع من المستشفى نظاماً ومن الدائرة الرسمية مظهراً لائقاً، فمن الطبيعي أن يكون للفضاءات العامة حد أدنى من الذوق والتنظيم، لا بدافع القمع، بل بدافع الجمال والنظام. المدن تُقرأ من تفاصيلها الصغيرة، من نظافة الشارع، من طريقة القيادة، ومن صورة العاملين فيها.

في المقابل، يُطرح اعتراض آخر لا يقل وجاهة: ما هو الذوق العام أصلاً؟ أليس مفهوماً فضفاضاً يختلف من منطقة إلى أخرى، ومن زمن إلى آخر؟ نعم، هذا صحيح، وهذه الإشكالية ليست جديدة، ولا تخص هذا القرار وحده. كثير من القوانين في العالم تتعامل مع مفاهيم مرنة، ويكون الفصل فيها عادة للقضاء عبر قرارات المحاكم وتراكم السوابق. لكن في هذه الحالة، يُترك التقدير لشرطي المرور في الميدان، وهو أمر قد يفتح باباً للاجتهاد الشخصي، وربما للتفاوت في التطبيق، وهو ما لا ينبغي التوسع فيه.

ولهذا، فإن الإشكال الحقيقي ليس في المبدأ، بل في السياق العام الذي صدر فيه القرار. كان الأجدر أن يأتي الحديث عن الزي والذوق ضمن منظومة نقل عام حديثة، تُدار بعقلية مختلفة، وبشراكة حقيقية مع شركات القطاع الخاص، تستثمر في حافلات منظمة، وسائقين مدربين، وخدمة واضحة المعالم. عندها، يصبح الحديث عن زي موحد أمراً طبيعياً، لا مثيراً للجدل، لأنه جزء من منظومة احترافية متكاملة، لا مجرد توجيه يُضاف إلى واقع فوضوي.

بمعنى آخر، لا يمكن تحميل سائق الكوستر او الكيا وحده عبء “صورة المدينة”، في وقت ما زال فيه النقل العام يعاني من غياب التخطيط والاستثمار الحقيقي. الذوق العام لا يُفرض فقط بالغرامات، بل يُبنى حين يشعر الجميع أن ما يُطلب منهم جزء من مشروع أكبر، لا إجراء معزول.

القرار، في جوهره، يحاول أن يقول شيئاً بسيطاً: الشارع ليس بلا ملامح، والخدمة العامة لها شكل كما لها وظيفة. وهو هدف مفهوم، بل ومطلوب. لكن نجاحه لا يتوقف على النص وحده، بل على البيئة التي يُطبق فيها، وعلى العدالة في التطبيق، وعلى وجود رؤية أوسع للنقل العام، تجعل من الزي، والنظام، والاحترام، نتيجة طبيعية لا مادة للجدل اليومي.

في النهاية، قد نختلف على التفاصيل، لكننا نتفق على شيء واحد: المدن الجميلة لا تُبنى بالصدفة، بل بقرارات صغيرة، حين تكون في مكانها الصحيح، وضمن صورة أكبر تستحق أن نصل إليها.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.

Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
التقيمات المضمنة
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى