بين الرجل والمرأة مساواة لا انتقاص

لويس إقليمس          

 

بغداد، في 10 كانون ثاني 2019

بين الرجل والمرأة مساواة لا انتقاص

الإنسان، ذكرًا كان أم أنثى، كللاهما مخلوقان جميلان متساويان في نظر الله ومختلفان من حيث السلوك والأداء والوظيفة. وإذْ خلقهما الله مختلفين في الشكل والوظائف، إنما كان ذلك لحكمة ربانية كي يكمّل أحدهما الآخر في مسيرة الحياة الإنسانية، فيتجلّى جمالُه في خلقه وفي الوظيفة المناطة بكلٍّ منهما. فالاثنان يشتركان معًا في ذات الحواس الخمس الأساسية من سمع وبصر وذوق وشمّ ولمس. ولكن في الوقت الذي خصّ به الخالقُ الرجلَ بإشارات رجولية “ذكورية” مميزة إضافية، يكون قد أكرم المرأة أيضًا بغيرها ممّا يميّزها من مظاهر شعورية أنثوية حساسة ومن جاذبية جنسية تتجلّى في سمات الرقة واللطف والنعومة والجمال. ولدى التعمّق في حكمة الخالق، نجد هذه الميزات ناجمة عن الاختلاف الطبيعي في نوع الوظيفة التي يؤديها كلٌّ من الرجل والمرأة وفي السلوك النفسي والفيسيولوجي بين الاثنين اللذين يتشاركان بأحاسيس عامة وسلوكيات يفرضها نظام الحياة اليومي في الظرف والزمان والمكان. لذا، ما يؤسف له أن يرى البعض في هذه المخلوقة الجميلة “ناقصة عقل ودين”، وأيضًا في مجمل صفاتها البشرية من جسد وهيئة وروح شكلاً من أشكال الضعف والنقص والتبعية أو آنية لقضاء حاجات الرجل والخضوع له من حيث الإطار العام والخاص.

تختلف نظرة المجتمعات إلى خليقة الله، ذكرًا أم أنثى، بحسب طبيعة التربية الدينية والنظرة المجتمعية والفكر السائد حسب العصور والأزمنة. ففي بدء الخليقة، تجلّت وظيفة الرجل في حماية بيته وأسرته من خطر الوحوش الكاسرة في البراري نتيجة عدم توفر ملاذ آمن تقي الأسرة من أخطارها ومن الظواهر الطبيعية على السواء. هذا إلى جانب توفير الطعام والملبس قدر المستطاع عبر الصيد والبحث في باطن الأرض وعلى سطحها ممّا يؤمّن كسر الجوع وتواصل العيش على قساوته. فيما انزوت الأنثى لتلعب دور المربية ومتعهدة المنزل وإعداد الطعام وتوفير الراحة في أدنى صورها آنذاك. ومع تطور الزمن، بدأت الصورة تختلف وتتطور. كما تنوعت الوظيفة بموجب هذه التطورات لحدّ وقوف الطرفين على عتبة التساوي في الحقوق والواجبات في بعض المجتمعات المتقدمة التي تنعم بالرقيّ في الفكر والمعيشة وفي الرؤية إلى الخالق والخليقة معًا. فيما بقيت غيرُها من المجتمعات التي حنّطتها المعتقدات المنغلقة بفعل فقهاء يرفضون التأوين والتطور، أسيرة الماضي وخارج رياح الزمن رافضين أي تغيير في النظرة وفي فلسفة الحياة إلى وظيفة وجنس كلّ من الرجل والمرأة. فالرجل في نظر هؤلاء هو القواّم والآمر على البيت من دون منافس. فيما المرأة تبقى ذلك الإنسان الضعيف الذي يقع عليه فعلُ الرجل وأوامرُه وقراراتُه وسطوتُه. فهي ماتزالُ “عورةً، فإذا خرجتْ اسْتَشْرَفَها الشيطانُ، وأقربُ ما تكونُ مِن وَجْهِ ربِّها إذا هي في قَعْرِ بيتها”.

لستُ أدري ما سرُّ العيش في زمن الماضي العقيم، فيما العالم قد أصبح اليوم قرية صغيرة. ألمْ يخلق الباري تعالى كلا الجنسين حرّين ومتساويين إنسانيًا ليكمّل أحدهما الآخر وظيفيًا من أجل تبيان عظمة جماله في خلقه “رأى الله أن ذلك حسن”؟ لقد مضى زمن العبودية التي فيها كانت المرأة سلعة تُباع وتُشترى كالحيوانات خارجًا عن إرادتها في بعض المجتمعات المتخلفة في عموم العالم، ومنها منطقتنا العربية والإسلامية. فقد صعقني مقطع فيديو لأحد ملالي إيران وقد جمع حوله نسوة حائرات صاغرات من شيعته ينصتن إلى فتواه ويتروّضن بكلامه وهو يصف المرأة بذلك “الحيوان الذي خلقه الله ليكون فقط في خدمة الرجل”، حالُها حال باقي الحيوانات التي تؤدي وظيفتها ضمن حظيرتها الدنيا.  وهذا يفسّر تأثر بعض المجتمعات الدينية لمثل هذه الأحاديث والأفكار المتداولة لغاية اليوم والرافضة للاعتراف بالحقوق الكاملة للمرأة وبحريتها في التصرّف وفي التنقل وفي العمل وفي اتخاذ القرار الشخصيّ في حياتها. فبعضٌ من هذا الشيء مازال قائمًا لغاية الساعة ويؤسّسُ لتقاليد عقيمة موروثة كنتيجةٍ لسطوة الرجل على البيت والشارع على السواء. ففي الغرب، تخلّصت المجتمعات التي دخلت إليها حضارة شرعة حقوق الإنسان، من مثل هذه الموروثات البالية التي كانت تهين المرأة وتنتقص من كرامتها وتحسبُها إناءً للإنجاب والتفريخ وتلبية حاجات وغرائز وشهوات الرجل برضاها أم بدونه.  وهذا ما جعلها في مصافي الدول والشعوب المتقدمة التي تستحق الاحترام والعيش بين حناياها وعلى أراضيها.

اليوم، لا يكفي أن يتحدث البعض عن إكرام المرأة فيما حقوقُها مسلوبة في نظر بعض المعتقدات الدينية والتقاليد القديمة المتخلفة، ومنها في العديد من البلدان العربية والإسلامية وبعض المجتمعات البدائية التي لم تدخلها الحضارة والتطور والتغيير الإيجابيّ في الفكر والعلم وفي سلوك الحياة اليومية السويّة. فمثل هذه السلوكيات تجاه المرأة لم تعد مقبولة، لأنها أصبحت من زمن الماضي الذي لن يعود. ومن حق المرأة الإنساني والأخلاقيّ أن تكون متساويةً مع الرجل نصفها الثاني، زميلها في العمل، ورفيقها في البيت، وصديقها في المجتمع من دون تمييز أو انتقاص من قدراتها العقلية والبشرية والعلمية والتنويرية والإبداعية. ولِمَن يدّعي أو يشيعُ أو يذهب بكون “المرأة من أعظم حبائل الشيطان وأوثق مصائده”، أن يلتزم الآداب العامة وأن يشيح بنظره ويعرض عنها تفاديًا لما يسميه بتجربة الوقوع بالمعصية والخطيئة والذنب بسبب صفة الإغواء وما ماثلَها. فالعلّة تكمن في طبيعة التكوين الشخصيّ والسلوك البشريّ لهذا الصنف من البشر غير السويّ وغير المتزن الذي يعاني من عقد شهوة الجنس المتلازمة. ومثل هذا الصنو من الأشخاص سيظلون يعانون من هذه المتلازمة الجنسية التي تجعله لا يشبع من رغبات النفس الأمّارة بالسوء ومن متلازمة التملّك لكلّ شيء ومنه المرأة. إنّ مثل هذه الفكرة الجامدة التي تبقي عقل الإنسان وإرادته أسيرة دارة التفكير الأعمى غير المتناهي إزاء شهوة الجنس، سوف تبقي المجتمعات التي تتطبع عليها، درايةً أو جهلاً، في جاهلية التخلّف بالرغم من الاعتراف القرآنيّ صراحة “بمسؤولية المرأة في شؤون الحياة شانها شأن الرجل”. وهذا ما ينبغي الرجوع إليه في تقييم حال المرأة تجاه الرجل في كلّ الأمور الحياتية، ومنها مساواتُها في الإدلاء بالشهادة وفي الميراث وفي العمل وفي التنقل وأي نشاط بشريّ تستطيعُ القيام به ضمن قدراتها البشرية. وهذا ممكن فقط في حالة وجود الإرادة والقدرة على الخلاص من عقدة النقص هذه التي تأسر الإنسان الشرقيّ والعربي على وجه الخصوص.

حبذا لو عالج المهتمون بصحّة المجتمعات، والباحثون الاجتماعيون والمنظِّرون، هذه العقدة التي بقيت مطبوعة كظاهرة متلازمة في المجتمعات الشرقية وأضحت بمثابة آفة مستفحلة. فالحياة تتطلب من كلّ من الرجل والمرأة أن يقوم كلٌّ منهما بما تُملي عليه طبيعتُه ووظيفتُه حفاظًا على ديمومة العلاقة البشرية والإنسانية المتساوية والاحترام بينهما من أجل تقدّم المجتمعات وتطويرها وتنميتها، وليس بخلق التنافر والتناشز في نظرة الواحد للآخر. وهذا لن ينجح إلاّ بتعاون مثمر وجادّ ومتزن من جانب الطرفين في إعمال الحكمة واتباع الفكر المستنير في تقدير دور كل منهما في المجتمع وفي البيت وفي الشارع وفي العمل. وهنا يقع على المرأة واجب إضافيّ في ترسيخ سبل التواصل الأسري الصحيح والمجتمعي بسبب طبيعة هيئتها وشكلها وطريقة تفكيرها السلس وقدرتها على التأثير في الرجل. فمن المعروف أنّ “المرأة التي تكسب عقل الرجل أذكى من التي تجذب قلبه، لأن الرجل له عقل واحد ولكن لديه ألف قلب”، كما ينصح علماء الاجتماع. ومثل هذا النجاح من جانب المرأة، من شأنه الحفاظ على البيت الأسري من الانهيار في مواقع كثيرة، ومنه الحفاظ على تركيبة المجتمعات كي تحافظ بالتالي على تماسكها الإنساني والوطني. فالحياة إنما هي خليطٌ من المودة والرحمة، ومن التفاهم والتوافق، ومن التعامل بالحسنى والاحترام للجنس الآخر المتساوي في الخلقة وفي الحقوق.

من هنا نعتقد أنه لم يعد هناك مجالٌ واسع للقبول بذكورية الرجل ونزعته الأبوية التي ماتزال قائمة في مجتمعاتنا الشرقية والإسلامية بشكل لافت للنظر. ولعلّ من أسباب هذه الظاهرة القائمة، تدخلات غير مقبولة من جانب الآباء والأمهات ومن نفرٍ من رجال الدين الظلاميين، إلى جانب ضغوطات جانبية من أركان العشيرة التي تلجأ لمثل هذا التعامل بسبب موروثات بالية لم تعد صالحة في زمننا الحاضر. ولا بدّ من سنّ قوانين معاصرة تتيح للمرأة، شأنُها شأن الرجل، أن تواصلَ الحياة بأوسع أبوابها ومن دون منغصات ولا مضايقات ولا تحديدات. فمن بين حقوقها أيضًا، استخدامُها لحريتها البشرية والإنسانية كاملة كي تكون صاحبة الشأن في التصرّف بما تملكُه من إرادة وفكر وجسدٍ من دون مسٍّ لحقوقها العامة والخاصة ككائن بشري متكامل العقل والروح والإرادة والرغبة.

تحية إكبار وتقدير لكلّ امرأة وأمّ ومربية وعالمة وسيدة أعمال عرفت قدرَ نفسها ورفعت من شأن الرجل ومن مجتمعها ووطنها في حدود إمكانياتها وطاقاتها المتفجرة. فهي باقية منبعًا للعطاء ومدرسة تستذكرها الأجيال وراعية للبيت الأسري وصدرًا حنونًا يرتاح له الرجل متى أعياه التعب وساريةً تتزيّن بفضلها المجتمعات والمؤسسات والشعوب.

شاهد أيضاً

لويس إقليمس

نريدُ العراق دولة مواطنة، لا دولة مكونات وأحزاب

لويس إقليمس       نريدُ العراق دولة مواطنة، لا دولة مكونات وأحزاب بغداد، في 26 …

اترك تعليق

  Subscribe  
نبّهني عن