بالقلم الأحمر: نداء إلى رئاسة الكنيسة الكلدانية الموقرة

لويس إقليمس       

 

بالقلم الأحمر: نداء إلى رئاسة الكنيسة الكلدانية الموقرة

لويس إقليمس

بغداد، في 19 تشرين ثاني 2018

معظم الشرقيين، ليس من السهل تغييرُ ذهنياتهم وتطوير طريقةِ تفكيرهم والتأثير الكبير على سبل تفاهمِهم سواءً مع المحيط الجديد الذي يحلّون فيه أو مع أترابهم وأتباع جماعاتهم الذين يقاسمونهم الغربة والأرض الجديدة والعيش المختلف. وقد يحتاجون إلى أجيال كي ينسلخوا عن جلدهم الشرقيّ الطباع وتغيير العادات التي تطبعوا عليها ومن ثمّ الاندماج في المجتمعات الغربية الجديدة بعقلية تساير وضعهم الجديد.

فيما يلي، ثمرة من بقايا العادات والطباع والنظرة إلى الأحداث ومعالجة الحاجات وترتيب البيت في دول الاغتراب، وهي تحتاج إلى مراجعة ناقدة للمواقف وتفحّص للآراء وتغيير الرؤى في العمل المشترك بين الجماعات المغتربة.

قبل أسابيع قليلة، كان الكاهن العراقي السرياني “الراهب سيبساستيان إقليمس” من الرهبنة الفرنسيسكانية، وأحد رؤساء دير في الأراضي المقدسة، في زيارة خاصة إلى فرنسا لزيارة ذويه في مدينة “نانت” الفرنسية. كانت رغبته كبيرة بإقامة قداس للمغتربين في هذه المدينة وكي تتكحل عيون والدته وذويه وأصدقائه المغتربين، الذين تشتتوا في أصقاع الأرض هربًا من عتوّ الإرهاب وداعميه وجالبيه، بقداس شرقيّ وفق الطقس السرياني. تمّ الترتيب مع القائمين على تنظيم شؤون الجماعتين الكاثوليكيتين من الكنيستين الكلدانية والسريانية لإقامة هذا القداس في الكنيسة التي اعتادت الجماعتان اللقاء دوريًا مع كاهن زائر من الكنيستين يَقدَمُ من إحدى المدن الفرنسية القريبة مقابل أجور تنقلاته ومصاريفه. كان اقتراح جماعة الكنيسة السريانية أنّ كاهنًا راهبًا سريانيًا موجود في زيارة لذويه وبإمكانه القيام بهذه المهمة مجانًا والللقاء مع الجماعة بهذه المناسبة. لكنّ عراقيل وضعها الشخص الموكَّل بتنسيق وترتيب هذه الطقوس واللقاءات المتفَق عليها بين الجماعتين، وذلك بعد استشارة كاهنه الكلداني الزائر كما يبدو، بحجة أنّ رئاسة الإبرشية اللاتينية التي تعود إليها الكنيسة التي تشترك فيها الكنيستان الكلدانية والسريانية لإقامة القداس لا توافق على كاهن غريب غير مخوّل مسبقًا من قبل رئاسات الكنيستين المذكورتين للقيام بمثل هذه الخدمة. وفي هذا التبرير غير المبرّر نلمح عدم صدقية القول بحسب رأيي المتواضع. بل مثل هذا الكلام تشوبه شكوك مبطنة وافتراءات غير جديرة بذوي الشأن الكنسي. فهل إقامة قدّاس لكاهن في زيارة خاطفة لدولة أو مدينة أو بلدة أمرٌ محظورٌ وممنوعٌ وغيرُ مقبول في نظر الكنيسة الكاثوليكية ووفق القوانين الرومانية والدوائر الفاتيكانية؟ هذه الحجة في التبرير بالرفض تحتاج إلى تفسير معمّق من الجهات ذات العلاقة في الكنيسة الكاثوليكية أولاً، ومن رئاسة الكنيسة الكلدانية الموقرة بالتحديد.

في اعتقادي، إنّ ما حصل قبل أيام “للراهب الكاهن سيباستيان”، وهو برتبة رئيس دير في أشرف مدينة مقدسة للمسيحية يستحق الاستهجان والسؤال والتنبيه والزجر والمساءلة، ليس لكونه شقيقي، بل قد يكون هذا قد حصل فعلاً لغيره في وقت سابق وسيحصل مستقبلاً لآخرين. فإقامة القداديس في بلدان الاغتراب التي تفتقر إلى كهنة ينبغي أن تكون نعمة وبركة وأُمنية، خصوصًا من كاهنٍ بمرتبته، وكونه يجيد الفرنسية والإنكليزية والسريانية والعربية. لكنه عادَ خائبًا وفي قلبه غصّة ولوعة وربما نقمة على مّن وضع مثل هذه القوانين أو افتعل الفعلة وحمّلها لغيره.

 أضع هذه الملاحظة المهمة أمام أنظار رؤساء الكنائس المشرقية كي تُدرج في جدول أعمالهم خلال اجتماعاتهم المنتظرة بعد أيام في حاضرة العراق، بغداد.

للمزيد بهذا الخصوص، فقد طرقَ مسامعي خلال زيارتي الأخيرة إلى فرنسا قبل ما يقارب الشهر أي في العشرين من شهر تشرين أول المنصرم لذات الهدف أي لزيارةأهلي ووالدتي، انتقاداتٌ لاذعة مماثلة من جانب أصدقاء ومقرَّبين، وهي تصبّ في ذات المشكلة القائمة بين الجماعتين في هذه المدينة بالذات، حيث صار الحديث عن نوايا قائمة بفرض الفريق الكلداني رأيه وإجراءاته في ترتيب إقامة القداديس والأنشطة والمناسبات المشتركة بين الجماعتين وفي وضع اشتراكاتٍ بالمصاريف المستحقة على العائلات المسيحية في المدينة مقابل قدوم الكاهن الزائر. كما أنّ الثنائي الذي طغى الحديث عنه في جلسة الأصدقاء تلك، والمتكون من الكاهن المحترم “فادي”، راعي الجماعة الكلدانية والسيد “ماجد”، وكلاهما من “شيعة الكلدان”، والمتولّي التنسيق مع “سنّة السريان الكاثوليك” بخصوص ترتيب مناسبات الاحتفالات وإقامة القداديس الدورية، اعتادا وضع العراقيل أمام الكاهن السرياني المكلَّف بزيارة أبناء الجماعة السريانية كما هو متفق عليه. ومثل هذا التصرّف غير المقبول قد خلق شيئًا من الامتعاض والبرود وعدم الرضا من الجماعة السريانية تجاه إخوتهم الكلدان الآخرين بسبب النظرة الطائفية المتعصّبة التي يحملُها نفرٌ من أتباعهم والمتولّين أمرهم. (عذرًا على استخدامي مصطلحات طائفية منبوذة من واقع الحال العراقي للسخرية من الفعل الحاصل).

مبدأ مستهجن للتفوّق العددي

إنّي بهذا الصدد، أعيد إلى الأذهان أنّ مثل هذا السلوك غير المقبول في التعصّب الطائفي المبني على الأكثرية والأقلية العددية من جانب الجماعات العراقية المسيحية المغتربة يذكّرنا بذات النظرة القائمة في أوساط الحكومات العراقية المتعاقبة منذ الغزو الأمريكي في 2003، والتي يعاني الشعب العراقي المغلوب بكافة مكوّناته. فهو كارثة مدمّرة قتلت الروح والجسد وأفسدت الفكر والرأي ودمّرت الأخضر واليابس وأوقفت النموّ والتطور وأرجعت البلاد والعباد سنوات ٍ إلى الوراء في التخلّف في كلّ شيء.

أمّا خلاصة هذه النظرة، فهي ترتقي إلى حجة التفوّق العددي من حيث الأكثرية الشيعية مقابل الأقلية السنّية بعيدًا عن مبدأ التساوي في المواطنة والعدالة والجدارة. فالشيء ذاتُه تطبّقه الجماعة الكلدانية في هذه المدينة تجاه أتباع الكنيسة السريانية. وربما هو ديدَنُ غيرهم في دول ومدن وبلدات أخرى. فشيعة العراق قد أصابهم التيه والكبر والاستعلاء، ما منحوا لأنفسهم التصرّف بموارد العراق على هواهم والنهب من ثرواته وفرهدة كلّ ما يتمكنون منه. ففي نظرهم وفي فكرهم وفي سلوكهم، كلّ ما تقع عليه أياديهم الطويلة وأعينهم العريضة وأفواهُهم الفاغرة حلالٌ زلالٌ متاحٌ من دون عوارض ولا مساءلة ولا حواجز. وخير مثال على تطبيق هذا المنهج الفاضح، النهجُ الطائفي في وضع ميزانية الدولة للعام القادم. فهي مصمّمة وموجهة في معظمها لتلبية مصالحهم وتسيير شؤونهم بعيدًا عن الاستراتيجية المطلوبة لكبح الفساد وأدواته وللتخصيصات المطلوبة للخدمات ومعالجة البطالة وإعمار المدن المحرّرة التي أُهملت وجُرحت مرارًا وقُتلت بفعل طيش الأداء الحكومي وأسبابه وأدواته ونهجه، تمامًا “كالموءودة التي سُئلت بأيّ ذنبٍ قتلتْ”.أمّا السبب  في إيذاء وقتل شعوب المناطق التي اجتاحتها عصابات داعش بفعل فاعل، فقد كان أكثر سخفًا وأشدَّ استهجانًا لكونه إيغالاً في التمادي بالنهج الطائفي لإنهاء دور المحافظات السنّية ورجالها والأقليات المتعايشة في أكنافها منذ آلاف السنين. من هنا يشيرُ هذا الفعل المدمّر بتوجيه ميزانية الدولة لصالح المكوّن صاحب الأكثرية العددية، إلى نوايا سيئة مع سبق الإصرار. فهمْ بهذا الفعل قد ضربوا عدة عصافير بحجر واحد وأمّنوا للحشد التابع للأكثرية الشيعية موقع قدم بحجة استكمال محاربة “داعش” والمتعاونين مع التنظيم الإرهابي الذي كانت له ملاذاتُه وبعض مواقعه لدى كردستان ولدى الجارتين تركيا وإيران المشاركتين في ذات الفعل والخطيئة.

 

الصراحة لا تفسد في الودّ قضية

عذرًا لمزيد من الصراحة في معاينة ما حصل وقد يحصل. فبسبب الحدث الأخير الذي أنا بصدده في هذا التنبيه الموجه أساسًا إلى عناية رئاسة الكنيسة الكلدانية الموقرة في العراق والعالم، لم يكن بودّي إلاّ العودة إلى الوراء للتذكير فقط، وليس لإإثارة المواجع وآلام السنوات التي رافقت احتلال داعش لمناطق سهل نينوى واستغلال الوضع الاستثنائي من قبل جهات كنسية طبّقت ذات الفكرة في مبدأ الأكثرية حيال عمليات النزوح وما رافق ذلك من شبهات في عمليات توزيع الاستحقاقات على النازحين لتلبية احتياجاتهم طيلة فترة النزوح. ومع احترامي لكلّ التبريرات والحجج التي قدمتها حينذاك رئاسة الكنيسة الكلدانية والمحلية في كردساتان، إلاّ أن واقع الحال لم يعفها البتة من التلاعب بما ورد بين أياديها من معونات ومساعدات وحوالات مالية ضخمة وفرص دراسية، مخصّصة أصلاً للنازحين من القرى والبلدات المنهوبة والمدمّرة، لا لشيء بل لكونها صاحبة الأرض المضيافة وتقديرًا خاصًا لصاحب الكاريزما المتميزة والكلمة الجريئة والباع الطويل في التواصل مع أركان السياسة في الداخل والخارج، غبطة البطريرك الصديق لويس ساكو أدام الرب عزّه. فممّا لاشكّ فيه، أنّ اليد الكلدانية في كردستان كان لها باعٌ طويل في التحكم بمعظم ما ورد بين أياديها، فتقاسمت تلك المساعدات والمنح مع الكنائس وفق منهج العدد الكتلي لأتباع كلّ كنيسة وليس وفق الحاجة الفعلية للنازحين. فواقع الحال حينها، لم يسجّل تأثّر القرى الكلدانية والعديد من بلداتها إلى التدمير والخراب كما حصل مع البلدات السريانية، مثل قرقوش وبرطلة وبعشيقة، ماعدا بلدة كرمليس المتاخمة والتي تقع ضمن محور الحمدانية. ولو تفحصنا عدديًا ومساحة، لرأينا أن الدمار الذي أصاب البلدات السريانية أكبر بكثير من الذي أصاب القرى الكلدانية الصغيرة مثل تلكيف وباطنايا وباقوفة وتلسقف نسبيًا قياسًا إليها، باستثناء مدينة الموصل طبعًا. ومع ذلك، فقد كان للكنيسة الكلدانية النصيب الأوفر ممّا ورد على يديها، وبه تمكنت بالنتيجة من ترتيب شؤونها في إعمار مدارس وجامعات وبناء كنائس ومراكز ثقافية مستفيدة من الثقة التي أوليت لها من جانب دول ومنظمات باعتبارها جهة رائدة وقائدة لعمليات الإغاثة وصاحبة الأرض والنعمة. وهنا لعبت التجارة دورها الفاعل في وضع اليد على الكثير ممّا وصل للمسيحيين اللاجئين إلى كردستان وسط ذهول الكثيرين حينًا والصمت الموجع للبعض حينًا آخر والاعتراض الفاضح من جانب أصوات أخرى ارتفعت علنًا في أحيان أخرى وتلقت النقمة واللعنة بسببها، وأخيرًا الخرس الاستحيائي الذي بقي ومازال سيد الموقف لجهات أخرى آثرت السكوت والمجاملة على حساب الواقع والحق.

أرجو من المعنيين في هذا الشأن عدم الزعل والامتعاض من صراحتي التي عهدتُ بها في متابعتي للشأن الوطني والكنسي والمجتمعي معًا، وعدم الذهاب في خيالهم أبعد ممّا تستدعي هذه الصراحة والمكاشفة من كلمات وتشبيهات واتهامات ومن مفارقات في آنٍ معًا. فالاختلاف في الرأي وفي تقدير الأمور والحكم على الأحداث وفي الرؤية المختلفة لا يفسد في الودّ قضية. فهناك حقائق على الأرض وهناك صروح واقفة شمّاء ووقائع وشخصنة لهذه الأخيرة نالت حظَّها على حساب استحقاقات النازحين وبمسمياتهم، وبحجة إعمار مناطقهم وديارهم التي سلبت ونُهبت وحرقت ودُمّرت وخرج منها أهلوها خوالي الوفاض بعد أن غادروها بلا رجعة. وفي هذا النطاق، أودّ التذكير أنّ مَن غادر من هؤلاء الذين بُخست حقوقهم بأيادٍ عديدة، دولية وحكومية ومحلية وحتى كنسية، لن يفكروا بالعودة إلى خراب البلدة ودمار الدار وانحراف الفكر وانتهاء البلد بما فيه من بنيان وبنية تحتية وفكر منحلّ وعصابات منفلتة ولصوص الليل والنهار وقضاء متعب مسيَّس وحكومات تحت طائلة المحاصصة التي تفرضها الأحزاب الفاسدة وبرلمان جلّ ما يقدر على فعله زيادة مخصصات أعضائه ومرتباتهم التي لا تعرف للسقف حدودًا وساسة الصدفة الذين لا يعرفون غير لغة الخمط والغرف من العقود التي تدرّها على أحزابهم وكتلهم موارد الوزارات التي تقع تحت إقطاعياتهم والقفز على عقارات الدولة ودور المواطنين البسطاء ومنهم المسيحيين بالذات.

أفَهلْ إزاء كلّ هذه المتاهات والمتناقضات والمفارقات والأعمال المنكرة سيفكر المغترب والمهاجر بالعودة إلى بلد متهالك، مهما كثرت نداءات الغرب الماكر ومهما علتْ أصواتُ سياسيّي الفجأة المفسدين في الأرض ومهما ارتفعت وتعالت وطالت صياحاتُ رؤساء الكنائس الذين يهمهم القطيع الصغير المطيع كي يبقى مطيعًا خاضعًا تحت رحمة الأقدار وتجار السياسة وطالبي المناصب والكراسي المدنية والكنسية على السواء؟ فهذه البلاد لن تعود لها عافيتُها في القريب العاجل، وعلينا الانتظار لعقودٍ لن يكون بمقدورنا نحن المتقدمين في العمر أن نرى أضواءَها ونفرح لتباشيرها، هذا إن حصلتْ. فالمغادرون بلا رجعة كانوا السابقين وغيرُهم اللاحقون وعلى ذات الدرب متوجهون، ولنا في الأمر ما يقرّب الرأي والرؤية معًا في ضوء الأحداث والوقائع. مع تمنياتي بدوام العزّ والجاه والصحة ومواصلة الكلمة الصادقة المجلجلة لغبطة رأس الكنيسة الكلدانية، صمّام أمان المسيحية وسائر ألأقليات ومحبّ العراق وشعبه بكلّ أطيافه وتلاوينه كي يبقى وطنًا صالحًا للجميع تسوده المساواة والعدالة وفيه يطبّق القانون بالعدل على الجميع ومن دون تمييز بطابع الأكثرية والأقلية.

شاهد أيضاً

هل القادمُ حقًا أعظم، فلننتظرُه!

لويس إقليمس        هل القادمُ حقًا أعظم، فلننتظرُه! لويس إقليمس بغداد، في 7 …

اترك تعليق

  Subscribe  
نبّهني عن