المكوّن المسيحي والخطوة الجريئة القادمة

??????: لويس اقليمس
المكوّن المسيحي والخطوة الجريئة القادمة
 
لويس إقليمس
 
انطلاقًا من مبادرة قديمة – حديثة لرأس كنيسة العرق، غبطة البطريرك لويس ساكو، وللحاجة الملحّة لتثبيت الوجود المسيحي في العراق بعد خيبات الأمل المتلاحقة لغير صالح هذا المكوّن التاريخي الأصيل، ونزولاً عند رغبة الحكماء والنخب المتنورة، ونظرًا لمقتضيات المرحلة الحرجة الراهنة، وصعوبة تلاقي أهداف وغايات الأحزاب القائمة لصالح هذا المكوّن المهدَّد بالانقراض بسبب تقاطع المصالح واختلاف الولاءات، بادر غبطته باستضافة نخبة من النشطاء والمهتمّين بالشأن المسيحي من نواب وسياسيين ومسؤولين في الدولة العراقية ومن أكاديميين ومثقفين ونشطاء مدنيّين، إلى جانب حضور عدد من رؤساء الطوائف وممثل السفارة البابوية في العراق. حقًا، إن لقاء يوم الإثنين 1 حزيران 2015 في دار البطريركية الكلدانية، كان لقاءً مسكونيًا ومسيحيًا جامعًا، أفضى إلى الشعور بخطورة الوضع والتنبّه للوضع القاتم الذي آلَ إليه مصير هذا المكوّن الأصيل بعد مأساتِه الكبرى منذ قدوم الوحش الكاسر “داعش” وخلوّ مناطقِه من أبنائه لأول مرّة في التاريخ المعاصر.
وحرصًا من غبطتِه، على سير وقائع اللقاء بصورة سلسة وبمحبة جامعة، فقد كان هيّأَ ورقة عملٍ بسيطة، ولكنها شاملة، تناقش الواقع الراهن المرّ للمسيحيين في العراق، داعيًا بشدّة إلى ضرورة وجود “مرجعية سياسية مسيحية” مستقلّة تأخذ على عاتقها، البحث في شؤون أبناء هذا المكوّن المستضعف المهمّش الذي يبكيه الجميع تعزيةً بذرف دموع التماسيح عليه وعلى ما آلَ إليه، من دون اتخاذ ما من شأنِه تعزيز وجوده ومساندة حقوقَه ودعم احتياجاتِه القائمة، وهي كثيرة. صرخة عميقة أطلقَها هذا اللقاء، للرأي العام العراقيّ والمسيحيّ بخاصة، بالكفّ عن التقاطع في المصالح وبالخروج عن دائرة الخنوع والخضوع لأجندات أطراف سياسية تكرّس فرقة هذا المكوّن وتسعى لتقطيع أوصالِه وتقويض وحدتِه، بسبب تعدّد الانتماءات والولاءات وعدم وضوح الرؤية لدى البعض من المصير القاتم الذي ينتظره، سيّما أنه لا أملَ قريبًا بالخلاص من الهوّة السحيقة التي أدخلنا فيها الكارتل الدولي بقيادة دولة الشرّ والغدر، صاحبة القطب الواحد، والغرب التابع لها بدعم وتحشيد إقليمي.
كانت غاية اللقاء، مناشدة اصطفاف الجميع حول “خطاب سياسيّ ودينيّ مسكونيّ موحّد”، حرصًا على تلاقي الخطّين معًا لصالح تثبيت الوجود المسيحيّ وتعزيز الهوية المسيحية الوطنية قبل أي مطلبٍ آخر. وهذا ما أكّدته ورقة العمل التي كان أعدّها غبطة البطريرك، كي تكون مرشدًا ودليلاً في النقاش والمداولات والملاحظات التي شاركَ في طرحها ومناقشتها الحاضرون بشيءٍ كبيرٍ من الصراحة والحرص والإيمان بوحدة الصف الذي كان سيّدَ الموقف والرجاء، وإنْ لم يخلُ من بعض الحساسيّة في الطرح والاستجابة. وكانت توصيات الحضور، بتوالي متابعة تفاصيل اللقاء والطروحات، من خلال تشكيل هيئة تنسيقية من خمسة من الذوات الحضور، تأخذ على عاتقِها متابعة توصيات هذا اللقاء التشاوريّ، والتهيئة للقاء أوسع في وقت لاحق، مع الأخذ لاحقًا بضرورة عقد لقاء مسيحي شامل بعد تبلور الأفكار وتخمّرها، وفيه يصارُ إلى تشكيل ما اقترحَه البطريرك ساكو، وأيّده معظم الحضور، بالإسراع بتشكيل هذه المرجعية السياسية المسيحية، شريطة استقلاليتها، لتعمل بالتوازي والتشاور مع الرئاسات الكنسية موحدةً في الصفّ والكلمة والخطاب، هي الأخرى.
أستطيع القول، أنه في هذا اللقاء المشترك الذي ضمَّ رجالَ دين وسياسيين وبرلمانيين ونشطاء في المجتمع المدني وأكاديميين وإعلاميّين، قد وضعنا القطار على سكّتِه الصحيحة، بالرغم من أنّ الوقت متأخر، باتفاق الجميع. فقد كانت مثل هذه الخطوة الجريئة منتَظَرة منذ أمدٍ طويل. وقد طالبتُ، كما غيري، في إحدى كتاباتي قبل أكثر من سنة ونصف، بضرورة القيام بخطوة جريئة من أجل تحصين الموقف المسيحي وترصين كلمتِه وتوحيد خطابِه ليكون مستقلًّا وبعيدًا عن أية تجاذبات سياسية تابعة لأجندات طامعة بمناطقنا والساعية لمصالح فئوية ضيقة واللاّهثة في تبعيتها لتلك الأجندات التي لا تخدمنا، بقدر ما تسعى للاستئثار بهويتنا وتتاجر بمآسينا وتخلط الأوراق من أجل عرقلة استحقاقاتِنا الوطنية والدينية والإتنية كاملة، ونيلِها بحقّ وفقًا للدستور أسوةً بالغير!
من المفرح جدًّا، أن يلتقي أغلبُ الحضور حول ضرورة تعزيز هذا الموقف الصريح، وحول اقتضاء الحالة والظرف لإعطاء الرجاء للمسيحيين من أجل تحصينِهم في مواجهة التحديات الكبيرة والمصير المجهول. وهذه لا يمكن أن تأتي في غياب وحدة الصف وتشرذم الخطاب وتشتّت الطاقات والآراء والخبرات، وضعف الإعلام المحدود. وإنْ برزتْ هناك بعض الاعتراضات أو الهواجس من جانب نفرٍ محدود من النواب أوالسياسيين، بطرح فكرة تشكيل “مرجعية سياسية مسيحية” مستقلّة، فهي لا تعدو سوى مخاوف من استهداف دورِهم كممثلين عن مكوّنهم، بالرغم من التأكيد على أنَّ مشروع هذه المرجعية لا يسعى لسحب البساط عنهم وعن أنشطتِهم على الساحة السياسية، بل ليكون ذلك نعمةً على نعمة ويزداد الخير ببركة الرب وبدعاء وتكاتف الجميع من ذوي الإرادات الصالحة والنوايا الطيبة. وهذه من أهمّ حلقات وحدة الخطابعبر الاجتماع على كلمة واحدة قوية تجمع ولا تفرّق، تؤيّد ولا تحبط، تطالب ولا تخنع!
في رأيي، أنَّ المرجعية المستقلّة التي نحنُ بأمسّ الحاجة إلى تشكيلِها في هذا الظرف الحرج، والتي يُعوّلُ عليها أن ترسم أولاُ وقبل كلّ شيء، استراتيجية مسيحية وطنية، ينبغي أن يكون قوامُها أساسًا من النخب العلمانية المدنية الصامدة المختبرة للمأساة، مدعومةً معنويًا وماديّا واستشاريًا من عموم كنيسة العراق، ومسندةً من السياسيين على الساحة من الصادقين في غيرتِهم على مستقبل ومصير الشعب الذي يمثلونَه والذي خابَ فيهم الأمل لغاية الساعة، بسبب عدم استقلالية مواقفهم وآرائهم وضبابية أداء البعض، وحالة التخبط والاهتزاز في المواقف.وهنا، لا يمكن نسيان الدور الذي يمكن أن يلعبه اللوبيّ المسيحي في بلدان الاغتراب من أجل تعزيز هذا الكيان الجديد عبر أنشطتِهم المستقلّة الداعمة لوحدة الهدف والمطالب المشروعة للوجود المسيحي الوطني في الأروقة الدولية وكواليس السياسة، لتشكل ضغطًا على القوى الحاكمة في البلاد وفي السلطات الثلاث، وحملِها على إلغاء أساليب التهميش والإقصاء الممارَس على نطاق واسع في كافة مؤسسات الدولة، ولاسيّما في استحقاق المناصب وفي التوظيف السائر على أساس المحاصصة البغيضة، وفي فرض تطبيق قوانين لا تنسجمُ مع مبادئ باقي الأديان المختلفة عن دين الدولة الرسميّ في البلاد .
إنّ هذه الاستراتيجية الجديدة المرتقبة، ينبغي أن تتآزر وتتفاعلَ وتنشط في الوسط السياسي والاجتماعي، محليًا وإقليميًا ودوليًا وأمميًا، مع توخي الحيطة والحذر في التعامل مع باقي المكوّنات، كي لا يجرفَها تيار أجندات الغير وتقع في ذات الإشكالية التبعية التي لا تخدم مصالح هذا المكوّن. كما لا بدّ أن تلتقي في مشتركات تجمعُها مع مثيلاتِها من المكوّنات المستضعفة الأخرى التي طالَها الغبن والظلم والتهميش، كي تكون بمستوى يؤهلُها لفرض المطالب المشتركة في المناطق التي تقطنها، وأنْ توجّه مساعيَها لصالح مكوّناتها الضعيفة التي تتلاعبُ بها تيارات الزعامات السياسية والأحزاب المتنفذة على الساحة بزخمٍ من كتلِ هذه الأخيرة العددية ومن الدعم الدولي والإقليمي الذي تحظى به
دون غيرِها من مكوّنات الأقليات الدينية والإتنية التي تعاني بالمقابل من الإهمال واللامبالاة والنسيان في أحيانٍ كثيرة، وكأنّها غير قائمة في وجودها وهوياتِها.
أقول، لا ينبغي أن يستمر التهميش والتغافل لوجود الأقليات التي مازال الكثير من الساسة والزعامات والمراجع تنظرُ إليها بدونيّة واستخفاف وازدراء. فالدستور، بالرغم من إخفاقاتِه الكثيرة والثغرات التي تمثل قنابل موقوتة تستغلُّها أطرافٌ منتفعة للابتزاز والانتفاع، ينصّ على تساوي جميع المواطنين في الحقوق والواجبات. وهذا يرتبُ مساواة سياسية ووطنية كاملة مع باقي المكوّنات، على أساسٍ الولاء للوطن والكفاءة والإيمان بوحدة الأرض والرفاه المطلوب للجميع، وليس لمكوّنات القوى السياسية المحتكرة للسلطة والإدارة والمال، منذ السقوط في 2003.
نؤكد، ما تزالُ فكرة تشكيل “المرجعية السياسية المسيحية” لم تختمر بعد، وهي بحاجة إلى دراسة جادّة ووعي بالهدف المرجوّ منها. وأيًا كانت التخريجة النهائية للتشكيل،”تجمّعًا” أو “مجلسًا” أو “هيئةً”، فلابدّ أن ينطلق من مبدأ سياسيّ وطنيّ مسيحيّ مستقلّ، يأخذ على عاتقِه ما فشلَ في تحقيقه آخرون بسبب عدم استقلالية القرار أو التبعية لأحزاب نافذة أو جهات سياسية لها أجنداتُها. وذلك ما جعل عملَ هذه الفعاليات تتقاطع مع المصالح والحقوق والطموحات التي تستحقّها مختلف الجماعات المسيحية في العراق من دون استثناء، احترامًا لأصالتِها وتجذّرها وتاريخِها، والتي بدأت بالتراجع والأفول، ما قد يحيلُها إلى الانقراض، في حالة استمرار الأوضاع بالتقهقر واستمرار نزيف الهجرة.
كما نودّ التأكيد أيضًا، أن هذا المشروع في حالة تحقيقِه وبروزِه على الساحة للضرورات المشار إليها في الغاية من تشكيلِه، سوف يحرص على عدم تقاطعه مع نشاط مَن هم على الساحة السياسية والمدنية. بل سيكون نعمةً على نعمة، بعد مباركتِه المؤمَّلَة من قبل مجلس رؤساء الطوائف المسيحية في عموم العراق، وبالذات من غبطة رأس كنيسة العراق، البطريرك ساكو. وستبقى رعاية الكنيسة ورؤساؤُها خيرَ إلهامٍ وأفضلَ دعمٍ لهذا التشكيل بتواصل التشاور والاستشارة، كي تتفرّغ هي لما هو أرفعَ وأسمى في إكمال رسالتِها الروحية والتبشيرية والاجتماعية في الوسط المسيحي والعراقيّ، بدلَ إقحامِها في ما لا يعنيها في خضمّ الفوضى السياسية القائمة والضغوط التي تُمارسُ عليها وضياع الحقوق الوطنية لأبنائها من دون وجه حقّ.
في الوقت الذي يسعى فيه الخيّرون والساعون لإيجاد مخرجٍ للوضع البائس الذي يئنُّ تحته المسيحيون، لاسيّما المهجّرون منهم من مختلف بلدات وقرى سهل نينوى بالذات، وما يعانيه غيرُهم في عموم أرض الوطن من تهميشٍ وإقصاءٍ وظلمٍ، بالرغم من ادّعاء السياسيين خجلاً وبهتانًا والإشادة دومًا بأصالتِهم في الوطن وجدارتِهم في الأمانة والعمل، فإنّنا نضع هذا المشروع الوليد أمام أنظار أهلِنا وأصدقائنا وأحبتنا المسيحيين من مختلف الطوائف للتلاحم مع الجهة المنظمة وإبداء الرأي. فهدفُنا هو خروج الوليد الجديد للوجود سليمًا معافىً يحمل في ضميرِه وصدرِه وسائر طيّاتِه تلك النفحة المسيحية الوطنية المستقلّة الصادقة التي تسمو على كلّ تسمية أخرى نتصارعُ عليها من دون جدوى، كي تنمو بذرتُها وتترعرع وسط أجواءٍ من المحبة والصراحة والبذل والعطاء، لأجل تثبيت وجود المسيحية في هذا البلد الجريح ورفع شأن هويتِها المتأرجحة بين مدٍّ وجزرٍ، نتيجة التعصّب من جانب البعض والتشرذم والتقاطع وغياب الخطاب الواحد من الجانب الآخر.
هذا هو الأمل الذي نعقد عليه الكثير في المرحلة القريبة القادمة. وهذا لن يُكتب له النجاح إلاّ إذا صدقت النيات وصلحت الأسارير واستقلّت الأفكار وتفاعلت الآراء وتحاورت الأطراف جميعًا لتخرج بحصيلة واحدة موحدة قائمة على التسامي فوق كلّ المصالح الفئوية والطائفية والشخصية الضيّقة. فلابدّ أن يكون لكنيسة العراق مرجعيةٌ سياسيةّ مدنية مستقلّة تعمل بالتوازي مع رعاة صالحين
يشملون بمحبتِهم الكبيرة جميعَ أبناء الطوائف المسيحية في البلد، ويعملون بثقة وتفانٍ وغيرة على البيت العراقيّ المسيحيّ متعاونين ومتآزرين ومتكافلين مع سائر المراجع الدينية المختلفة القائمة في الوطن والمنطقة والعالم.
نقول، كفى للخراف تشريدًا وتبديدًا وللأبناء هجرةً وتهجيرًا وللأحزاب القائمة صراعًا وتفتيتًا. من هنا، فالدعم المعنويّ والروحيّ والمادي الذي سيخرج من رئاسة كنائس العراق لهذا التشكيل السياسي المسيحي الوطني المستقلّ، سيضعُه في المسار الصحيح المرسوم له لإحقاق الحقوق وتثبيت الوجود وفرض المطالب. كما نأمل أن تتفاعلَ معه ندّيًا، مرجعيات دينية وسياسية أخرى داخل الوطن وخارجَه، وينال رضا الزعامات السياسية والحزبية والأممية باعتباره تشكيلاً وطنيًا ومرجعًا مسيحيًا مؤهَلاً لتمثيل المكوّن المسيحي رسميًا لدى السلطات المحلية والإقليمية والدولية والأممية.
واللهُ والوطن والحق من وراء القصد!
 
 
لويس إقليمس
بغداد، في 3 حزيران 2015..

شاهد أيضاً

خالد الناهي

عندما تصمت الانسانية

خالد الناهي        عندما تصمت الإنسانية كثيرة التقارير التي تكتب عن الانسانية في …

500
  Subscribe  
نبّهني عن